هل يوقف قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب إمدادات الغاز؟

الاثنين 30 أغسطس 202105:10 م

لم تتأخر أولى تداعيات "الطلاق" الدبلوماسي الذي أعلنته الجزائر مع المغرب، الثلاثاء 24 آب/ أغسطس. فبعد يومين فقط من القرار الجزائري، أعلن وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب، عن التزام بلده بتغطية إمدادات الغاز الطبيعي جميعها، لإسبانيا، عبر خط أنابيب الغاز "ميد غاز" الذي لا يمرُّ عبر المغرب، وتالياً إيقاف الخط "المغاربي-الأوروبي"، الذي كان يحصل المغرب بموجبه، على حصة من الغاز الجزائري، لقاء عبوره الأراضي المغربية.

تصريح الوزير جاء عقب استقباله السفير الإسباني في الجزائر، إذ وصف العلاقات الثنائية بين البلدين بالممتازة، لا سيما تلك المتعلقة بتوريد الغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية، من الجزائر، وفق ما جاء في بيان الوزارة المعنية.

وشدّد المصدر ذاته، على أن "وزير الطاقة والمناجم، رحّب بالحالة الممتازة للعلاقات بين البلدين في هذا المجال، وجدَّدَ إرادة الجزائر في تعزيز هذه العلاقات، والشراكة بين البلدين، بما يعود بالنفع على الطرفين"، مشيراً إلى "الجهود التي تبذلها الجزائر، لضمان أمن إمدادات الغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية، من خلال الاستثمارات الكبيرة التي تمت، ولإدخال الغاز الطبيعي إلى هذا السوق في أفضل الظروف".

اقتصاد المغرب مهدد؟

يطرح التلميح الجزائري تساؤلات عدة، خصوصاً أن عقد أنبوب الغاز الذي يمر في المغرب، سينتهي في 31 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

ولم يصدر، إلى الآن، أي بيان جزائري رسمي يؤكد على هذه "القطيعة التجارية" في المستقبل القريب، إلا أن بعض المحللين الجزائريين أكدوا أن المغرب سيكون هو الخاسر، من الناحية الاقتصادية، بعد هذا القرار، عادّين أن المغرب يستورد بموجب هذا غازاً سائلاً قيمته تعادل 1.5 مليار دولار سنوياً.

المحلل الاقتصادي المغربي، رشيد أوراز، يرى أن الخسارة ستكون من الجانبين، إذ يقول: "أي قطع، أو توقف للعلاقات الاقتصادية، مهما كان حجم التبادل التجاري بالدولارات، يضر بمصالح الشعوب، والمقاولات، والمستثمرين، وأيضاً المستهلكين، فما بالك ببلدين جارين، كان من المفترض تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما خلال سنوات".

الأزمة الدبلوماسية المغربية الجزائرية وصلت إلى تلويح الجزائر بإيقاف العمل بخط أنبوب الغاز الذي يعبر المغرب إلى إسبانيا. فهل يضر هذا بمصالح المغرب؟

وأوضح أوزار، في حديث مع رصيف22، أن "إيقاف هذا الاستثمار الضخم، سيكون خسارة للمغرب، كما للجزائر، وقطع العلاقة بينهما، ودفعها نحو الهاوية، سيكلفهما من الناحية الاقتصادية، وسيمنع أي تطور لهذه العلاقات، وتالياً سيضيّع اقتصادا البلدين، مجموعةً من فرص التطور، والاستثمار، وتحسين النمو".

وأضاف المتحدث أن "المغرب ليس منتجاً حتى الساعة، ويستورد كميات كبيرة من حاجاته"، موضحاً أنه يحصّل "من هذا الأنبوب، ما بين 60 إلى 70 بالمئة من استهلاكه السنوي، وهي نسبة مهمة، وضخمة".

وعلى الرغم من ذلك، استدرك المتحدث قائلاً إن "سوق الغاز، على الصعيد الدولي، فيها وفرة كثيرة، وبأسعار مناسبة، وعليه ستكون هناك بدائل بالنسبة إلى المغرب"، مُرجّحاً أن "يكون لديه ما يكفي من إمكانات، لكي يخزّن ما يحتاجه لأشهر، ومؤكدٌ أن صانع القرار كانت لديه رؤية استباقية لهذا الموضوع، ولهذا كانت هناك محاولات لتنويع مصادر الطاقة، والتفكير في بناء أنبوب غاز جديد يمتد من نيجيريا الى أوروبا".

وحول ما إذا كان القرار سيؤثر على السياسة الطاقية في المغرب، رأى الإعلامي المغربي، سمير شوقي، أن "الغاز الطبيعي لا يشكل سوى 5% من إنتاج الكهرباء في المغرب، لأن المملكة اتجهت نحو تنويع مصادر إنتاج الطاقة: 60% من البترول، و25% من الفحم، و10% من الطاقات المتجددة"، مشيراً إلى أن "الغاز الجزائري لا يزن سوى 3.3% من الإنتاج الوطني للطاقة، وهي النسبة التي سيكون على المغرب اقتناؤها من مزود آخر، بكلفة تبلغ، كمتوسط سنوي، نحو 160 مليون دولار، وهو ما يشكل 0.65% فقط من الميزانية العامة للمغرب".

وأضاف شوقي، في مقال له بعنوان "المغرب والجزائر: الرهانات الجيو-سياسية لأنابيب الغاز"، أنه "سيكون على المغرب زيادة طاقته التخزينية، لأن وتيرة التصدير سترتفع تدريجياً، ولائحة المزودين ستتنوع"، آملاً في "بروز إمكانية استغلال حقول الغاز التي يتم الحديث عنها بكثرة، في الفترة الأخيرة".

وكانت شركات من قبيل "ساوند إنرجي"، و"إس دي إكس" إنيرجي البريطانية، قد أعلنتا عن اكتشاف احتياطات مهمة من الغاز والنفط، يتم إنجاز دراساتٍ لاستغلالها، وقد توفر للمغرب استقلاله الطاقي.

"نعش" الاتحاد المغاربي!

يثيرُ الكثيرون من المتدخلين، مخاوف بشأن المنطقة المغاربية، التي يحلم مواطنوها باتحاد مغاربي قوي ومنسجم، لكن قرار عدم تجديد عقد إمداد الجزائر جارها المغرب، بالغاز الطبيعي، من شأنه أن يثير الأسئلة حول هذا "الحلم" المغاربي.

وفي هذا السياق، رأى أوراز، في حديثه مع رصيف22، أن "الكل يعرف كيف كان الوضع معقداً، خلال العقود الأربعة الأخيرة، وكيف أن حكومتي البلدين عجزتا عن تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما، ما أثّر على مصالح ثلاث دول أخرى، وهي تونس وليبيا وموريتانيا، بحرمانها من الاستفادة من مزايا أي اندماج اقتصادي مغاربي، وتالياً علاقات اقتصادية مغاربية عادية، ومتوازنة، ومثمرة لكل منها".

خيارُ عدم تجديد اتفاقية أنبوب المغرب، من قِبل الجزائر، وتحمل تبعاته ومخاطره، بما فيها إمكانية العجز عن تزويد الزبائن في حال ارتفع الطلب، يعّده شوقي بمثابة "آخر مسمار في نعش اتحاد مغاربي وُلد ميتاً"، موضحاً أن "الرهانات الجيو-سياسية ستتغلب على المنطق الاقتصادي، بمفاهيم البناء، والاندماج، والآفاق".

بعد القطيعة الدبلوماسية الجزائرية المغربية جاء الدور على الاقتصاد لطرق آخر مسمار في نعش "الاتحاد المغاربي" الذي ولد ميتا!

أما خيار الجزائر الآخر، حسب الإعلامي المغربي، فهو "تجديد اتفاقية الأنبوب المغاربي-الأوروبي، في انتظار تمديد الطاقة الاستيعابية لـ”ميدغاز”، من 10 إلى 15 مليار متر مكعب في خمس سنوات، كمرحلة انتقالية، قبل القطع النهائي مع أنبوب المغرب"، مُتسائلاً: "هل يجب أخذ قرار الجزائر، في هذا الظرف، والقاضي بإخراج مشروع أنبوب الصحراء من الدرج، على محمل الجد، وهدفه الوحيد هو تعطيل مشروع أنبوب غاز نيجيريا-المغرب؟".

وحول إمكانية "احتواء" الأزمة بين البلدين، يقول أوزار إن "هذه الطريقة ليست الأفضل لتطوير العلاقة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً أن اقتصاديهما هشان، ويعتمدان على تصدير مواد أولية، ويعجزان عن تنويع الاقتصاد، وتطوير التصنيع، سواء أتعلق الأمر بالجزائر، أو بالمغرب".

من جانبه كان رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني قد أكد في حوار صحافي أن "المغرب سيبقى دائماً وفياً لمبدئه في العمل لبناء اتحاد مغاربي منسجم، وقوي، وقادر على خوض تحديات القرن الحادي والعشرين"، متأسفاً عن "عدم إبداء الجزائر رد فعل في مصلحة البلدين، وتعاونهما"، خاصةً بعد خطاب الملك محمد السادس الأخير، الذي مدَّ فيه "اليد للمصالحة، وبدء الحوار مع الإخوة في الجزائر، من دون شروط".

ولفت العثماني إلى "أن الملك، بدعواته الأخيرة للجارة الشرقية، استحضر، وبقوة، المصالح المشتركة التي تجمع البلدين، بالإضافة إلى وعيه الكامل بأن استقرار المغرب والجزائر، وأمنهما، مرتبطان، وأن المغرب لديه هاجس بناء الاتحاد المغاربي على أسس سليمة".

وعلى الرغم من تطمينات وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، في خصوص عدم وقف التبادلات والصفقات التجارية مع المغرب، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية، إلا أن سيناريوهات التصعيد تلوح في الأفق، خاصةً وأن إسبانيا لم تعبّر عن موقفها من قرار الجزائر، على الرغم من كونها صاحبة غالبية الاستثمارات في مشروع أنبوب الغاز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard