مذكرة توقيف الجزائر ضد زعيم "الماك" ترفع حدة التوتر مع فرنسا

السبت 28 أغسطس 202101:35 م

أصدرت السلطات الجزائرية مذكرة توقيف دولية ضد فرحات مهنى زعيم حركة "الماك" التي تنادي بحق الحكم الذاتي لأبناء القبائل الجزائرية، والتي تصنفها الجزائر حركة إرهابية، وذلك على خلفية اتهام الحركة وقياداتها بالمسؤولية عن مقتل الفنان الجزائري جمال بن اسماعيل أثناء توجهه للتطوع في إطفاء الحرائق التي اشتعلت في ولاية تيزي وزو شرق البلاد. 

المذكرة الصادرة الخميس 26 أغسطس/ آب الجاري قالت الجزائر إنها تأتي في إطار إجراءات لمواجهة "الإرهاب"، وملاحقة من تعتبرهم السلطات "متورطين في ضرب وحدتها وزعزعة استقرارها"، وتتهمهم بـ"محاولة خلق الفوضى خدمة لأجندات أجنبية".

ضد "الماك"

الجريمة التي راح ضحيتها الشاب جمال بن إسماعيل، وصلت مرحلة جديدة من المتابعة القضائية، فبعد ثلاثة أيام من مثول المشتبه فيهم في هذه القضية أمام وكيل الجمهورية، كشف النائب العام في مجلس قضاء الجزائر سيد أحمد مراد، في ندوة صحفية عقدها الخميس 27 أغسطس/ أب، عن أن التحريات أسفرت عن القبض على 88 شخصاً، من بينهم ثلاث نساء وقاصر، وتحديد هوية 29 آخرين في حالة فرار، صدرت في حق بعضهم مذكرة توقيف دولية، مع التوصل إلى أن 24 متهماً ينتمون إلى حركة من أجل استقلال منطقة القبائل (ماك)، على رأسهم رئيس الحركة فرحات مهني.

الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل أو ما يعرف اختصاراً بـ "الماك"، تأسست عام 2002 في فترة شهدت مواجهات عنيفة بين الأمن الجزائري والمتظاهرين داخل منطقة القبائل، وعُرفت بأحداث منطقة القبائل أو الربيع الأسود.

قالت الجزائر إن المذكرة تأتي في إطار إجراءات لمواجهة "الإرهاب"، وملاحقة من تعتبرهم السلطات "متورطين في ضرب وحدتها وزعزعة استقرارها"، وتتهمهم بـ"محاولة خلق الفوضى خدمة لأجندات أجنبية"

حركة "الماك" خرجت للوجود على يد فرحات مهني الملقب بـ فرحات إيمازيغن إيمولا، وهو مغن وشاعر وسياسي ومعارض أمازيغي جزائري، ولد في إيلولة أمالو في دائرة بوزغن بولاية تيزي وزو، شرق العاصمة الجزائر.

وعام 2010 أعلنت حركة "الماك" على يد مؤسسها عن تشكيل حكومة قبائلية مؤقتة في فرنسا، ونصّب مهني نفسه رئيساً لما أطلق عليه "دولة القبائل"، كما أنه وضع عملة وجواز سفر خاصاً بهذه الدولة، رغم عدم الاعتراف الرسمي بها.


وتعتبر السلطات الجزائرية أن غالبية الجزائريين ضد حركة "الماك"، لأن مؤسسيها عبروا عن نيتهم في الانفصال.

اتهامات بالعمالة

نظرة السلطات الجزائرية إلى منظمة "حركة من أجل استقلال منطقة القبائل" "الماك" تغيّرت على مراحل، إذ اعتبرتها في البداية مجرد "حركة مشبوهة"، ثم نظرت إليها باعتبارها "حركة ذات مرجعية إرهابية"، ثم عدتها حركة انفصالية وتخريبية، وصولاً إلى تصنفيها من قبل المجلس الأعلى للأمن في الجزائر آيار / مايو 2021 حركة إرهابية.


وتتهم الجزائر دولاً وأطرافاً أجنبية باحتضان ودعم حركة الماك، وفي مقدمتها المملكة المغربية التي قطعت الجزائر علاقتها بها مؤخراً، و"الكيان الصهيوني"، وقال بيان الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى يوم 18 أغسطس/ أب إن التحقيقات "أثبتت تورط حركتي الماك ورشاد اللتين أدرجتهما الجزائر في قائمة التنظيمات الإرهابية، في إشعال الحرائق بمنطقة القبائل، واغتيال الشاب جمال بن إسماعيل بطريقة بشعة"، كما وجه البيان اتهاماً مباشراً إلى المغرب وإسرائيل - التي لا تعترف بها الجزائر- بدعم ومساعدة "الماك".

وإلى جانب المغرب وإسرائيل، تتهم الجزائر فرنسا بـ"رعاية الإرهابيين" كونها تستضيف قادة الحركة، وأبرزهم رئيسها فرحات مهني الموجود في العاصمة باريس منذ عام 2010 .

ونشرت وكالة الأنباء الفرنسية في نيسان/ أبريل الماضي، تقريراً تحت عنوان "حركة الماك القبائلية تدحض أي خطة لشن هجمات"، ووصف التقرير الحركة بأنها "منظمة مؤهلة ومؤيدة للديمقراطية"، وهو ما دفع الجزائر إلى الاحتجاج في الفاتح آيار/ مايو الماضي، عبر سفيرها بباريس، الذي اعتبر أن "مجرد فتح المجال أمام مسؤولي هذه المنظمة، هو صيغة لمنح الشرعية والتعاطف مع ممثليها".

ويقول محمد رابح مدير موقع "سبق برس" لرصيف22: "فرنسا تحتضن زعيم منظمة الماك الإرهابية منذ سنوات طويلة، واليوم هذه فرصة لاختبار مدى صدق نواياها تجاه الجزائر، التي لطالما وصفتها بالبلد الصديق والشريك الإستراتيجي".

وتابع: "فرنسا وقّعت على معاهدات دولية في مجال مكافحة الإرهاب، وعليها أن تلتزمها، خاصة أن الجزائر لن تفرط في هذه الفرصة السانحة، لتسلم أخطر عنصر إرهابي يهدد كيان الأمة ووحدة البلاد من الخارج".

اختبار للعلاقات الجزائرية الفرنسية 

شهدت العلاقات بين الجزائر وفرنسا فتوراً وتوتراً مع انطلاق الحراك الشعبي بالجزائر في 22 شباط/ فبراير 2019، ولكن هذا الأمر لم يمنع البلدين من المصادقة في آيار/مايو الماضي على اتفاقية تلزم الحكومتين بتبادل السجناء والمطلوبين.

هذه الوثيقة الهامة تنص على عدم تطبيق عقوبة الإعدام على من تتسلمهم الجزائر، ورغم المصادقة على هذه الاتفاقية، فإن باريس لم تتجاوب مع مذكرة التوقيف الدولية التي أصدرتها الجزائر في آذار/ مارس الماضي في حق 4 ناشطين متهمين بالإرهاب، وهم العضو السابق في المخابرات الجزائرية، والصحافي والمعارض هشام عبود، والمدون أمير بوخرص المعروف بـ "أمير دي زاد"، والدبلوماسي السابق وعضو أمانة حركة "رشاد" محمد العربي زيتوت، إضافة إلى الدركي (الشرطي ) المنشق محمد عبد الله.

تنتظر الجزائر تعاملاً فرنسياً مختلفاً مع قضية فرحات مهنى باعتباره "زعيماً إرهابياً"، وقد يترتب على امتناع فرنسا عن تسليمه المزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين

وتنتظر الجزائر تعاملاً مختلفاً مع قضية فرحات مهنى باعتباره "زعيماً إرهابياً"، وقد يترتب على امتناع فرنسا عن تسليمه المزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين. 

وهوما يؤكده المحامي نجيب بيطام في تعليق لرصيف22، قال فيه: "بداية يجب التذكير بأن هذا الأمر بالقبض الدولي، جاء عقب تحقيقات باشرتها الضبطية القضائية، وكذلك التحقيقات التي باشرتها نيابة الجمهورية، في قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل. وقد تبث من معطيات التحقيق الابتدائي وجود 24 متهماً  لهم صلة بتنظيم الماك الإنفصالي".

وفسر بيطام اختلاف مذكرة التوقيف هذه المرة بأن صدورها في إطار تحقيقات قضائية يستلزم مثول المتهم أمام القضاء والخضوع لسلطات التحقيق لاستجلاء الحقيقة.

وعن التحرك القانوني المتوقع يقول بيطام: "الجزائر مطالبة بتوثيق مذكرة التوقيف الدولية، وبتقديم ملف قضائي معزز بالأدلة، وما يوثق صلة هذا الشخص وتنظيمه الماك بالجريمة، وحينئذ سيتم إرسال هذا الملف إلى كل الدول، منها فرنسا، التي يقيم فيها الشخص المطلوب، والتي ستدرس هذا الطلب، وإذا تأكدت أنه موثق ومعزز بأدلة علمية إلكترونية وبأدلة توثيقية وبشهادة الشهود، فيتعين على فرنسا حينئذ تسليمه، لأن الأمر يتعلق بتنظيم إرهابي... وإذا لم تسلمه فستجد نفسها في حرج أمام المجتمع الدولي".

استعادة الهاربين

تزامنا مع مساعيها الرامية لتسلم رئيس حركة "الماك" فرحات مهني، تمكنت الجزائر خلال الشهر الجاري من استعادة عبد المؤمن ولد قدور الرئيس المدير العام لشركة "سوناطراك" من دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد إصدارها لمذكرة توقيف دولية في حقه، ووجهت إلى ولد قدور الموجود رهن الحبس المؤقت تهماً عديدة أبرزها إبرام صفقات مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض إملاء امتيازات هي مبررة للغير واختلاس وتبديد أموال عمومية، والاستعمال غير الشرعي لأموال عمومية.

كما استطاعت الجزائر أخيراً استرجاع الدركي المنشق محمد عبد الله، من إسبانيا، بعد إصدار مذكرة توقيف دولية ضده، وهو يقبع في المؤسسة العقابية "الحراش" بالعاصمة الجزائر، بعد أن وُجّهت إليه تهمة الانخراط في جماعة إرهابية، وجناية تمويل جماعة إرهابية، وجنحة تبييض الأموال في إطار جماعة إجرامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard