كيف تواجه المؤسسات الثقافية الكارثة اللبنانية؟

الخميس 2 سبتمبر 202110:21 ص

يعيش القطاع الثقافي في لبنان تحديات مختلفة منذ بداية الانهيار الاقتصادي والمالي، منها تراجع التمويل بسبب توقف تبرعات الأفراد، اختفاء ودائع عدد من المؤسسات الثقافية في المصارف وزيادة الصعوبات في تلقي التحويلات.

أتت جائحة كورونا لتفاقم المشكلة، مع تجميد المدخول المرتبط بالنشاطات الثقافية التي عادةً ما تتلقى على أساسها المؤسسات التمويل من الخارج (ومنها يتم دفع الإيجارات والمعاشات).

طبعاً يبقى الحدث الأكبر خلال فترة الانهيار هو انفجار 4 آب الذي شكل صدمةً للقطاع بأكمله المتركز بجزء كبير منه في الأحياء القريبة من المرفأ، كالجميزة ومار مخايل والصيفي.

يفسر ذلك ارتفاع عدد الفنانين المتضررين والمؤسسات والمراكز الفنية التي دُمّرت بشكل جزئي أو كامل (فارق الحياة أيضاً ثلاثة من العاملين في القطاع، منهم الفنانة ومديرة غاليري ليتيسيا غايا فاضوليان)، ما ترتب عليه موجة هجرة كثيفة وغير مسبوقة في الأشهر اللاحقة على 4 آب.

يعيش القطاع الثقافي في لبنان تحديات مختلفة منذ بداية الانهيار الاقتصادي والمالي، منها تراجع التمويل بسبب توقف تبرعات الأفراد، اختفاء ودائع عدد من المؤسسات الثقافية في المصارف وزيادة الصعوبات في تلقي التحويلات

خرقت سوداوية المشهد موجة تضامن واسعة، ضمّت مئات المتطوعين الذين سارعوا لمساعدة المؤسسات المتضررة في الأيام التالية على الانفجار، بالإضافة لحملات التبرع المحلية والعالمية، والتي أمنت مبالغ مالية للترميم وتعويض الخسائر. ساهم بتعزيز فعالية التضامن توحيد المؤسسات صوتها والمباشرة بتطوير أطر تنظيمية تضم العاملين في القطاع ومدراء المؤسسات.

بدأ هذا المسار تحديداً بعد انتفاضة 17 تشرين الأول التي جمعت العاملين في الفن والثقافة للمرة الأولى مع بعضهم في الساحات، حيث كان الهدف في البداية إيجاد سبل لدعم الحراك السياسي، لكن لاحقاً تطور لتشكيل أطر تنظيمية خارج النقابات التي تهيمن عليها أحزاب السلطة.

حينها وبفضل الانتفاضة، ولدت مجموعتان، واحدة للعاملين في القطاع، وأخرى لمدراء المؤسسات الثقافية. اكتسبت هذه الخطوة أهمية كبيرة لأن الهدف منها ذهب باتجاه تأمين شبكات أمان وتآزر للعاملين الثقافيين المعرضين لمخاطر عديدة، في بلد لا يعطي أبسط الاحتياجات للقاطنين فيه.

صندوق تضامن

من أبرز قصص التضامن التي ولدت خلال الانهيار الاقتصادي وأظهرت فعالية بعد انفجار 4 آب، "صندوق تضامن" الذي أطلقته "المورد الثقافي" و"آفاق"، المؤسستان الأكبر والأكثر تأثيراً في العالم العربي اليوم (ضمن صناديق الدعم العربية).

قدمت الدورة الأولى من البرنامح الدعم لـ 23 مؤسسة فنية وثقافية لتجاوز تبعات الجائحة والانهيار الاقتصادي، لكن بعد انفجار المرفأ الذي شكّل كارثة غير مسبوقة على القطاع الثقافي، اتضح أن هناك ضرورة أيضاً لدعم العاملين في القطاع وليس فقط المؤسسات، لذلك تم إطلاق دورة ثانية دعمت 208 من العاملين في القطاع، من تقنيين وفنانين وعاملين في الثقافة، تأثروا بشكل أو بآخر بالانفجار.

ثم بعد أشهر قليلة تم إطلاق دورة ثالثة خصصت مجدداً للمؤسسات والفضاءات التي بلغ عددها هذه المرة 43، وهو عدد ضخم طبعاً، يشمل جزءاً كبيراً من المؤسسات الثقافية الفاعلة على الأراضي اللبنانية.

شكل البرنامج جرعة أوكسيجين للقطاع الثقافي الذي كان على شفير الهاوية، خاصة أنه أتى على شكل تمويل بنيوي core funding، ما سمح للمؤسسات بدفع الإيجارات ومعاشات الموظفين، وهي تكاليف لا تغطيها عادة الصناديق التي تركز أكثر على النشاطات.

من ناحية أخرى دفعت معايير القبول في البرنامج لتعاون المؤسسات بين بعضها البعض ولمشاركة الموارد المتوفرة، كما شجعت المؤسسات على وضع خطط للمستقبل وتغيير النموذج الاقتصادي الذي كان معمولاً به قبل الازمة، أما المؤسسات التي لم تقدم رؤية واضحة تظهر قدرتها على الاستمرار، فلم يتم قبول ملفاتها.

دعم لبلد صغير مثل لبنان يعني دعم شبكة كبيرة من الفنانين من جميع الجنسيات

طبعا لم يكن سهلاً على "المورد الثقافي" و"آفاق" إقناع الممولين بجدوى تخصيص صندوق دعم لبلد صغير مثل لبنان، لكن ما عزز موقف المؤسستين، وفق لمى مولى، وهي منسقة ثقافية عملت كصلة وصل بينهما خلال عملهما على البرنامج، أن البلد يعتبر نقطة لقاء للعاملين في الثقافة والفنون.

وهو جزء من شبكة كبيرة ويشكل محطة تبادل للفنانين من جميع الجنسيات، في حال إغلاق أبوابه أمامهم، يعني خسارة حقيقية ليس فقط للبنان، بل للمنطقة بأكملها، واختلالاً لعمل الشبكة الإقليمية الموجود ضمنها.

نماذج مؤسسية

عند معاينة تخصصات المؤسسات التي طلبت الدعم من "صندوق تضامن" يمكننا فهم الكثير عن القطاع الثقافي في لبنان. وفق "المورد الثقافي" تلقى الصندوق 94 طلباً، منها 21% عابر للتخصصات، 17% فنون أدائية، 16% فنون بصرية، 9% موسيقى، 9% سينما، 8% أدب، 7% تصميم. أما النموذج التنظيمي الذي تنتمي إليه هذه المؤسسات فنصفه ينضوي تحت خانة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، بينما تأخذ الشركات المساهمة SARL 21% والمؤسسات غير المسجلة رسميا 15%.

شكل انفجار 4 آب صدمةً للقطاع الثقافي بأكمله المتركز بجزء كبير منه في الأحياء القريبة من المرفأ، كالجميزة ومار مخايل والصيفي

أما من ناحية عمر المؤسسات، فتشكل التي تفوق خبرتها 10 سنوات 52% أما التي تتراوح خبرتها بين 5 و 10 سنوات فتشكل 26%.

تعكس هذه الأرقام واقع القطاع الثقافي في لبنان الذي شهد تحولاً مبكراً نحو تبني نموذج المنظمات غير الحكومية والجمعيات، ابتداء من منتصف التسعينيات (شهدت بلدان عربية أخرى أيضاً هذا التحول، مثل فلسطين ومصر) بسبب توقف الدعم الحكومي وزيادة التمويل الخارجي.

انتشر هذا النموذج المؤسسي بشكل كبير في العالمين الثاني والثالث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تحديداً في بلدان أوروبا الشرقية، التي كانت تشهد تحولاً من النظام الشيوعي إلى الليبرالي، ودخولاً للتمويل الغربي تحت عناوين دعم الثقافة الديمقراطية وتعزيز الحريات في المجال العام.

حتى اليوم، لا تزال هذه العوامل السياسية تلعب دوراً في زيادة نسب التمويل أو تراجعها، علماً أن العوامل الاقتصادية لا تقل أهمية ايضاً، ومدى التبادل التجاري مع البلدان المستهدفة.

لذلك، تجد المؤسسات الثقافية نفسها أحياناً أمام ظروف فوق قدرتها على التحكم، ما يحتم عليها تنويع مصادر التمويل قدر الإمكان، وعدم الاعتماد على مصدر واحد، كي تحافظ على استمراريتها (في لبنان اعتمدت المؤسسات الثقافية لفترة طويلة على المصارف، تبرّعات المتمولين الأفراد، معاهد الثقافة الأوروبية، السفارات، بالإضافة طبعاً لصناديق التمويل العربية والغربية).

من المفيد هنا الذكر أن هذا التحول إلى نموذج المنظمات غير الحكومية حصل حول العالم بشكل موازي، وأدى بشكل غير مباشر إلى تهميش أشكال تنظيم ثقافي وفني كانت سائدة سابقاً، مثل التعاونيات والنقابات التي كانت تهدف لتأمين شبكات أمان ودعم (تتلقى أحيانا الدعم الحكومي)، ما أدى لنتائج سلبية على العاملين في القطاع.

لبنان ملجأ وبيت ثان للفنانين العرب حين يواجهون مشاكل المنع وتناقص هامش الحرية في بلادهم، ولم يتوقف لبنان سابقاً عن استقبالهم ورعايتهم حتى خلال فترات الحروب التي عصفت فيه

لذلك، يعاد التفكير اليوم بالتعاونيات والنقابات بصفتها أشكال تنظيم لا يجب التخلي عنها كلياً، خاصة مع زيادة التحديات الاقتصادية، كما هو الحال في لبنان. من النماذج التي تنضوي تحت هذا النموذج لبنانياً، بالإضافة لـ"عاملون وعاملات في الثقافة والفن" التي سبق وتحدثنا عنها، يمكننا ذكر الفضاء الثقافي "مانشن" (تلقى الدعم من صندوق "تضامن")، وهو فضاء مشترك في بيروت يضم مجموعة فنانين، عاملين في الثقافة وجمعيات، قرروا تشارك الموارد والأدوات، في مبنى واحد (في حي زقاق البلاط التاريخي).

وقد لعب الفضاء دوراً مهماً خلال الفترة الماضية، خاصة لمجموعات الضغط في الشارع، أو للعاملين في القطاع، الذين كانوا عاجزين عن استئجار مكتب أو حتى مكان للمبيت بسبب ارتفاع الإيجارات.

من الضروري اليوم إيجاد نماذج شبيهة بـ"مانشن"، لكن على أن تكون مخصصة حصراً للمؤسسات. تقول هبة حاج فدلر، مديرة "المؤسسة العربية للصورة" التي تعتبر من أقدم المؤسسات الثقافية في لبنان: "المؤسسات بأمس الحاجة لنموذج من هذا النوع.

فلبنان يعيش اليوم بدون كهرباء ومحروقات، وهناك مؤسسات تضطر لإغلاق ابوابها بسبب هذه المشكلة. اضطررنا مؤخراً لاستقدام أسطوانات طاقة شمسية لتأمين التبريد الدائم لغرف التخزين، بعد معاناة دامت لأشهر، كنا نضطر خلالها للعمل في ظروف صعبة، من أجل توفير الكهرباء".

طبعاً ليس غياب المحروقات والكهرباء المشكلة الوحيدة التي تواجه المؤسسات، فكل فترة تظهر مشكلة جديدة تجعل الحياة أصعب من السابق: "من الضروري أن نخرج من الانفرادية اليوم، وأن نخلق بنى وهياكل تجمعنا كي نتمكن من مواجهة الظروف الصعبة.

لذلك اقترحت مشروع لجمع عدة مؤسسات في مبنى واحد من أجل التخفيف من الأعباء ومشاركة الموارد المتاحة، والأهم عدم بقاء كل مؤسسة وحدها. لكن هذا يتطلب أن نوحد أصواتنا عند الجلوس مع الممولين الذين بدورهم يمكن أن يتفاوضوا مع الجهات الرسمية المؤتمنة على العقارات الفارغة في بيروت.

أعتقد أن التكافل ليس فقط لإيجاد حلول للمشاكل التي نعاني منها، بل أيضاً هو مسؤولية تقع على عاتقنا، لأن انهيار القطاع الثقافي في لبنان في حال حصوله، لن يعني فقط خسارة للبلد، بل أيضاً خسارة لمصر والأردن وسوريا والعراق ... فلبنان ملجأ وبيت ثان للفنانين العرب حين يواجهون مشاكل المنع وتناقص هامش الحرية في بلادهم، ولم يتوقف لبنان سابقاً عن استقبالهم ورعايتهم حتى خلال فترات الحروب التي عصفت فيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard