تهديد وابتزاز وخلق عداوات اجتماعية... ثمن معارضة الأحزاب الطائفية في لبنان

الأحد 11 يوليو 202102:13 م

ترعرع أحمد في الضواحي الجنوبية لمدينة بيروت، بين منطقتي الشياح وحارة حريك، في بيئة عائلية غالبية أفرادها مرتبطون بالحزبين السياسيين المسيطرين داخل الطائفة الشيعية: حزب الله وحركة أمل.

على الرغم من طغيان لون سياسي-طائفي واحد في محيطه الصغير، وجد أحمد (30 عاماً) نفسه ينشط في عدد من المنظمات التي تُعنى بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بعد حراك إسقاط النظام الطائفي في عام 2011.

تعمّد الشاب المتحدر من بيئة سياسية مغلقة أن يكون نشاطه ضمن هذه المنظمات غير علني، تلافياً لإثارة حساسية محيطه الاجتماعي. ولكن الأمان النسبي الذي كان يخلقه لنفسه بدأ يتبدّل بعد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، لا سيما إثر التحريض الممنهج الذي مارسته قيادات الحزبين المذكورين ضد المتظاهرين.

امتنع أحمد عن الخضوع لتوجيهات "القيادة" بالخروج من الشارع، واستمر في توجيه النقد للسلطة التي أدّت برأيه إلى الانهيار الحاصل في لبنان، فبدأ يتعرض لمضايقات وتهديدات من رب عمله ومحيطه الاجتماعي، بسبب آرائه السياسية، ووصل الأمر إلى تهديد مباشر من مديره بفصله من عمله.

الآن، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمرّ بها لبنان، لا يملك الشاب العديد من الخيارات، فهو لا يمتلك رفاهية ترك عمله والبحث عن مصدر رزق بديل.

مثل كثيرين من أبناء جيله، وجد الشاب فرصة عمل في مؤسسة لها علاقاتها الوثيقة بالحزب السياسي المسيطر على منطقته. سطوة الأحزاب تنعكس في تحديد الأشخاص والجهات التي يُسمَح لها بالاستثمار في منطقة سيطرتها، ونادراً ما تكون فرصة الاستثمار متاحة لمَن لا يحظون برضا الحزب المسيطر. وبسبب هذا الواقع، فإن لقمة العيش هي أول ما يُلوَّح به لتهديد المعارضين.

يقول أحمد لرصيف22: "وُضِعتُ بين خيارين: إما مصلحتي المادية الشخصية أو حريتي في التعبير عن آرائي السياسية". اختار أحمد الانتقال للسكن في منطقة الأشرفية ذات الأغلبية المسيحية، متأملاً أن يخفف ذلك عنه بعض الضغوط الاجتماعية والعائلية.

يتحدث الشاب الثلاثيني بأسى عن ظروف هذا الانتقال. بعد أكثر من 26 سنة من العيش في منطقة حارة حريك، وجد نفسه يتركها بحثاً عن الطمأنينة.

تتعدد أشكال الضغط "الناعم" المغلّف باحتمالات العنف على المعارضين. يروي أحمد أن أحد معارفه طلب منه مرّةً في اتصال هاتفي حذف منشور كتبه عن قيام البلدية بالاعتداء على مواطنين داخل أحد مقاهي منطقته. يومها، أخبره قريبه أن اسمه وُضع على لائحة "الأشخاص المراقَبين من قبل حزب الله" واصفاً المنشور بأنه "تحريض على عمل البلديات التابعة للحزب"، أي حزب الله.

مهاجمة صاحب رأي معارض، ولو في مسألة مفترض أنها بسيطة، لم يكن مفاجئاً لأحمد. فما حصل معه ليس أمراً معزولاً، بل يمكن اعتباره إلى حد ما "بسيطاً" بالمقارنة مع ما يلحق بآخرين، مع أنه لا يمكن وصف أي انتهاك حقوقي أو أي تهديد بأنه "بسيط".

كثيرون تعرّضوا لقمع عنيف ومباشر في البيئة الشيعية، عبر اعتداء محازبي أو مناصري حزب الله وحركة أمل عليهم جسدياً أو مهاجمة مكاتبهم أو منازلهم و"تهجيرهم" من أماكن سكنهم أو عملهم، وكل ذلك بسبب مواقفهم المعارضة لسيطرة "الثنائية الشيعية"، أي بتهمة "مهاجمة الطائفة" و"التحريض على الشيعة"، بحسب تعبير ماكينات الحزبين الإعلامية.

أيضاً، تحتمل الانتقادات الموجّهة للثنائية الشيعية أن تُصنَّف، في عرف أنصارها، "خدمة للمشروع الصهيوني" أو أن يصنَّف مطلقها من "شيعة السفارات".

و"شيعة السفارة" هو مصطلح أطلقته جريدة الأخبار اللبنانية في ملف نشرته عام 2012 اتهمت فيه مجموعة من الناشطين ورجال الدين والصحافيين المعارضين الشيعة بالتجسس على حزب الله لمصلحة السفارة الأمريكية، استناداً على وثائق منشورة على "ويكيليكس".

كل هذه الاتهامات وُجّهت إلى أحمد عقب نشاطه السياسي خلال انتفاضة 17 تشرين. نقطة التحول في ما تعرّض له كانت مع قيامه بنشر منشور ساخر يسأل فيه عن موقف رئيس المجلس النيابي ورئيس حركة أمل نبيه بري من الأحداث الجارية، وكان الأخير لا يزال يلتزم الصمت. مباشرةً، انهالت عليه التهديدات.

توالت الاتصالات بأحمد. أحد المسؤولين الحزبيين طلب منه حذف المنشور بنبرة قرأ فيها أسلوب تهديد، وشخص آخر ينتمي إلى "حركة أمل" اتصل به وقال له: "الشباب كان بدهم يروحوا لعندك ينطروك تحت الشغل بس نحن طلبنا منهم يروقوا".

كان أحمد قد تعرض قبل ذلك لمثل هذا الموقف، حين اقتحم أحد مناصري "الثنائي" مكان عمله وتهجم عليه في مكتبه وقال له: "إذا بعد بتجيب سيرة حزب الله والشيعة بكسرلك راسك".

بعد هذه الحادثة، استمر الشخص الذي هدده في متابعته على وسائل التواصل الاجتماعي كافة، إلى أن قام أحمد بحظره. فما كان منه إلا أن زاره مجدداً في مكان عمله وهدده بالضرب إنْ لم يقم برفع الحظر عنه.

"هكذا مواقف لشخص مثلي ما عندو (ليس لديه) حماية ولا ظهر (حماية) سياسي بتخوّفني"، يقول أحمد، مشيراً إلى أنه صار يمارس الرقابة الذاتية على منشوراته على منصات التواصل الاجتماعي: "بتّ أخفف حدّة اللغة وأعيد الصياغة وفي الكثير من الأوقات أتراجع عن نشر رأي على مواقع التواصل".

بالإضافة إلى إمكانية التعرض لأحمد داخل مكان عمله من قبل أشخاص غير عاملين في المؤسسة، من دون أن يلقى دعماً أو حماية، وجّهت له إدارة الشركة التي يعمل فيها تهديدات متكررة بفصله من عمله بحال "عاود استفزاز بيئة الثنائي الشيعي".

ينقل أحمد ما كانت تتوجه به الإدارة إليه، لجهة احتمالية أن "يكون هذا الشهر الأخير في عملك معنا". أما هو، فيأمل أن يجد فرصة عمل أخرى تجنّبه الضغوط التي يتعرّض لها وتحفظ له حقه في التعبير.

الأحزاب و"صورة الأب"

ترافقت الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 17 تشرين الأول 2019 مع بروز عدد كبير من المعارضين للأحزاب السياسية التقليدية في لبنان. جانب كبير من هؤلاء المعارضين يقطنون في مناطق معروفة بانتماءاتها الأحادية أو المحصورة بأحزاب طائفية محددة. لذا فإن، إشهارهم لمعارضتهم في لحظات سياسية مفصلية تعرضهم لشتى أنواع المضايقات والتمييز والاضطهاد والتهميش، تبدأ بالضغوطات العائلية والمناطقية لتصل إلى حد "فبركة" تهم والتهديد المباشر بالقتل.

رغم انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وإزالة المتاريس وإعادة تجميع أوصال الوطن الذي كان مقسّماً إلى مناطق نفوذ للميليشيات، على أساس طائفي، يبقى أثر التقسيم القديم حاضراً بأشكال مختلفة. فالعلاقات الطائفية والزبائنية بين الأحزاب والمواطنين تضع كل منطقة تحت نفوذ أحد الأحزاب الطائفية التي ورثت ميليشيات الحرب وتجعل من إمكانية انسلاخ الناس عن هذه الأحزاب ومعارضتهم لها مشروعاً صعباً محفوفاً بمخاطر العزل السياسي والضغوطات العائلية والحصار الاقتصادي والاجتماعي وصولاً إلى القمع والتصفية الجسدية.

يعتبر أستاذ علم الاجتماع ورئيس قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الإعلامية في الجامعة الأمريكية في بيروت ساري حنفي أن الانتفاضات أو الثورات هي مدخل أساسي لتغيير علاقة الفرد بقبيلته أو طائفته.

ويقول لرصيف22: "إما أن ينجح الفرد بقتل الأب أو أن يتعايش معه". ويمثّل الأب في كلام حنفي مفهوم سلطة القبيلة أو الطائفة بالمعنى السياسي والاجتماعي.

ويضيف أن الانتفاضات تشكّل "نافذة مهمة جداً لكونها تسمح بتوسع مساحة الحريات الفردية بسبب الأدوات التي تُستخدم فيها"، أي التحركات الاحتجاجية التي تضم آلاف الأشخاص، وتعطي الأفراد الشجاعة والقوة للتعبير وتقلِّص حاجز الخوف من السلطة الواقعية.

"الفرد لم يتمكن من قتل صورة الأب ولكنه أيضاً لم ينجح في التعايش معها، لذلك نشهد عملية اقتصاص من الخارجين عن القبيلة، في ظل عدم قدرة الانتفاضة على تأمين الحماية لهؤلاء"

هذه الديناميكية في علاقة الأفراد مع بيئتهم الاجتماعية وواقعهم السياسي تعتمد على مدى قوة الانتفاضة الشعبية وقدرتها على التعبئة وتأمين غطاء شعبي يحمي هؤلاء المعارضين.

في الحالة اللبنانية، يرى حنفي أن "الفرد لم يتمكن من قتل صورة الأب ولكنه أيضاً لم ينجح في التعايش معها، لذلك نشهد عملية اقتصاص من الخارجين عن القبيلة، في ظل عدم قدرة الانتفاضة على تأمين الحماية لهؤلاء".

عملية استدراج منظّمة

يعتبر الناشط السياسي علاء الصايغ (33 عاماً) أن قوى السلطة تعتمد أساليب متعددة للقمع والتضييق على الناشطين والمتظاهرين، "وهذه الوسائل يمكن لها أن تكون من خلال القمع المباشر كما حصل في أكثر من منطقة كحرق خيم المنتفضين في كل من صور وعاليه مثلاً، أو الاعتداء الجسدي المباشر الذي مارسته القوى الأمنية والعناصر الحزبية من شتى المناطق على المتظاهرين في مختلف الساحات اللبنانية خلال انتفاضة 17 تشرين".

يتحدث الصايغ لرصيف22 عن نوع آخر من العنف يتعرض له المعارضون للأحزاب السياسية، وهو العنف المتمثل بما يصفه بأنه "فبركة الملفات وتلفيق القضايا"، مشيراً إلى أنه تعرّض بنفسه لهذا الأمر، ما كاد يودي بحياته، على حد تعبيره.

ترشح الصايغ في الانتخابات النيابية لعام 2018، في دائرة جبل لبنان الرابعة، وهي أكبر دائرة انتخابية من حيث عدد النواب وأكثر الدوائر تنوعاً من حيث التوزيع الطائفي للمقاعد، وكان أحد مرشحي حملة "لحقّي" المعارضة للوائح السلطة، وهي مجموعة نشأت كمبادرة مدنية مستقلة قبيل الانتخابات، وتطورت لتصبح تنظيماً سياسياً يعرّف عن نفسه بأنه يلتزم الانحياز التام للناس والحقوق ويعتمد القاعدية واللامركزية والديمقراطية التشاركية.

يعتبر الصايغ أنه في الدائرة المذكورة، "قوى النظام أدهى بكثير من كل القوى المسيطرة على المناطق الأخرى". هذه القناعة توصل إليها بعدما تعرض لما يصفه بـ"فبركة ملف"، "بهدف اغتيالي معنوياً كأقل تقدير".

وُلد الصايغ في بلدة شارون في قضاء عاليه، وهي أكبر قرى جرد عاليه، وطالها التهميش والإقصاء لسنوات مضت. نشأ في قرى الجبل وتعلم في مدارسها وله ارتباطات اجتماعية وعائلية فيها بطبيعة الحال، وبرز كأحد المعارضين ضمن المناطق التي يهيمن عليها بشكل أساسي الحزب التقدمي الاشتراكي.

بعد انتهاء الانتخابات، تلقى الصايغ عدداً من الاتصالات الهاتفية التي تتضمن تهديدات بالقتل على خلفية فبركة تورطه في أعمال غير مقبولة قانونياً ولا اجتماعياً.

والقصة، كما يرويها الصايغ، هي قيام مجموعة من الأشخاص بمراقبة تحركاته وأماكن تواجده على مدار ثلاثة أشهر، قام خلالها شخص باقتناء خط هاتف، وبدأ يتواصل مع عدد من الأشخاص منتحلاً صفة الصايغ عبر وضع صورته على تطبيق واتساب.

واستفاد منتحل الصفة من معلومات جمعها عن تحركات الصايغ خلال تلك الفترة، كي يذكر لمَن يراسلهم وقائع تحول دون تشكيكهم بهويته. وجرى استخدام أكثر من رقم هاتف أجنبي يصعب تتبعها، وكان الهدف فبركة رسائل هدفها التحريض على الصايغ، وخلق خلافات بينه وبين المراسَلين ليقوموا بالاعتداء عليه.

"كنت حين أشارك في التظاهرات أقف في الصفوف الخلفية حتى لا يعرف أقاربي وتجنباً للانتقادات، وعلى الرغم من ذلك، كنت أواجه ضغوطاً اجتماعية. في فترة من الفترات حاول الجميع عزلي اجتماعياً"

وبالفعل، حاول أحد الأشخاص استدراجه للاعتداء عليه، إلا أن الصايغ تنبّه لما يجري واستطاع فهم ما يحصل من حوله قبل أي يصاب بأي مكروه.

وبعد بحث استمر لأيام، شارك فيه عدد من الأصدقاء ومحامين، استطاع الصايغ الحصول على أدلة تثبت كل هذه الفبركة، ومعرفة ما حيك ضدّه على مدار ثلاثة أشهر بمشاركة شخصين يستخدمان ثلاثة هواتف ذكية وأرقام أجنبية تُخلَق عبر الإنترنت ومن الصعب تتبعها.

وبناءً عليه، تقدّم إلى النيابة العامة المختصة بكل هذه المعطيات. ويقول إن تدخلات سياسية كانت سبباً وراء عرقلة سير شكواه التي لم تصل إلى أيّة نتيجة، على الرغم من أنه ادّعى على أشخاص حدد هويتهم وبالأدلة.

ويعلّق الصايغ: "تضامن مجتمعي واسع وصداقات واعية وظروف مؤاتية واعترافات كثيرة برأتني من هذه القضية أمام المعنيين فيها ولم يكن القضاء سوى شاهد صامت ولم تكن الأجهزة الأمنية مساعِدة في كشف الأدلة".

ويتساءل: "ماذا لو لم يسعفني حظي في هذه الحالة؟ ماذا لو تعرض أي ناشط/ة لعملية مشابهة وفي ظروف أخرى؟ ماذا لو لم نعلم بخبايا التلفيق في الوقت المناسب؟".

يعتبر الصايغ أن "المواجهة في الجبل هي معركة في مواجهة قوى المنظومة جميعاً، إذ تتمثل قوى المنظومة جميعها في الشوف وعاليه بأساليبها التقليدية والطارئة لضمان استمرار سيطرتها"، ويضيف: "هنا المواجهة قسوتها في سكونها، فهي لطيفة من الخارج بعض الشيء ولكن في باطنها شرور وإجرام وخبث منقطع النظير إذ تعتمد قوى السلطة أساليبَ تقوم عملياً على الفبركة والتلفيق والضغوطات المباشرة وغير المباشرة، فتسعى مثلاً إلى بث الشائعات ضمن الدوائر الصغيرة بهدف التشكيك بمصداقية الأشخاص، بغية السعي إلى ضرب تضامن الناس في ما بينهم ضمن هذه البيئة الاجتماعية، لكي يصبح المعارضون منبوذين".

كل هذه الأمور برأيه، "تمهّد في العادة للأذية الجسدية التي غالباً ما يُجَهَّل فاعلها وتوضَع في إطار مقبول مجتمعياً لكي لا يتحول الضحية إلى بطل بنظر الناس، في حال علموا بالأساس بخبر الاعتداء على هذا الشخص".

يعتبر الصايغ أن التضامن المجتمعي من البيئة الحاضنة في الجبل والتضامن بين الناشطين والناشطات يشكل عنصر حماية اجتماعية للمعارضين على الرغم من محاولات التشويه المتعمد والتهديد لهم هناك.

نفس المشهد يتكرر من منطقة إلى أخرى، بصور وأحداث متشابهة حيناً ومتباينة أحياناً، قاسمها المشترك هو استخدام الأحزاب الطائفية لفائض قوتها لتهميش أي محاولة لمعارضتها. في كل منطقة يمكن للمواطن انتقاد أي طرف سياسي يريد، باستثناء الطرف الذي يسيطر عليها طائفياً وسياسياً.

بيئات عائلية محافِظة في خدمة الأحزاب

قبل استحقاق الانتخابات النيابية عام 2018، شهد لبنان حدثين مفصليين لعبا دوراً مهماً في بروز معارضين لأحزاب السلطة ضمن بيئاتهم، هما الانتخابات البلدية عام 2016 وحراك "طلعت ريحتكم" عام 2015.

ترافقت هذه الفترة مع انخفاض كبير في شعبية "تيار المستقبل"، خاصة بعد أزمة تراكم النفايات في الشوارع والأزمة المالية التي تعرض لها رئيس هذا التيار سعد الحريري، إضافة إلى صعود قوى بديلة في الشارع البيروتي، مثل "بيروت مدينتي" التي خاضت الانتخابات البلدية لعام 2016.

"بيروت مدينتي" هي مجموعة انطلقت على شكل تحالف انتخابي يهدف إلى خوض الانتخابات البلدية في العاصمة بيروت وتحوّلت بعدها إلى حركة سياسية "تسعى إلى بناء بديل سياسي خارج الأطر الطائفية، يرمي إلى تحقيق حقوق الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية" تبعاً لتحديد المجموعة نفسها لأهدافها.

بعدما نشر حسن فيديو ساخراً طال أمين عام حزب الله، بدأت الضغوطات تطال أهله وأقاربه. وصلته تهديدات بالقتل حين يعود إلى لبنان، كما وصلت اتصالات هاتفية إلى عدد من أفراد عائلته تطلب منهم صراحة أن يبقى خارج البلاد حفاظاً على سلامته

ما يتعرض له المعارضون لبيئة "تيار المستقبل" في بيروت يحمل خاصية فريدة عن بقية البيئات الطائفية، فـ"المستقبل" حزب غير عقائدي ويعتبر نفسه تياراً مدنياً، لكن هذا التعريف يتعارض مع ممارسات مناصريه في علاقتهم مع أبناء الطائفة السنّية.

تروي سهى منيمنة، وهي مهندسة في الثلاثين من عمرها تسكن في العاصمة بيروت ونشطت عام 2016 ضمن حملة "بيروت مدينتي"، لرصيف22 كيف تقوم بيئة تيار المستقبل "المحافظة" بجلد المعارضين للتيار بسبب توجهاتهم الفكرية، فيما تغض النظر عن مناصري التيار غير المحافظين، "ولو كانوا يتشاركون بعض التوجهات الفكرية والأفكار التحررية مع هؤلاء المعارضين".

تشير منيمنة إلى أن البيئة نفسها لا تتعرض للأشخاص الذين نقلوا تأييدهم من الحريري لصالح قوى سنّية طائفية أخرى.

"وكأنّ الانتماء إلى تيار المستقبل أو أي قوى تحمل طابعاً طائفياً هو حصانة لهؤلاء الأشخاص تجنّبهم التعرض للانتقاد وبالتالي يكونون مقبولين من قبل المجتمع"، تقول الشابة التي اتُّهمت بالابتعاد عن الدين ومحاربة الطائفة.

والمآخذ ضدها أو "التهم" بحسب تعبيرها تتعلق بتأييدها لتطبيق الزواج المدني في لبنان. تجد الأمر مضحكاً لا سيما أن الحريري نفسه كان قد صرح في وقت سابق بأنه لا يمانع في إقرار الزواج المدني، "من دون أن يحرك هذا المجتمع المحافظ ساكناً".

تقول: "كنت حين أشارك في التظاهرات أقف في الصفوف الخلفية حتى لا يعرف أقاربي وتجنباً للانتقادات، وعلى الرغم من ذلك، كنت أواجه ضغوطاً اجتماعية. في فترة من الفترات حاول الجميع عزلي اجتماعياً".

بعد مرور وقت على انتفاضة تشرين تصالحَت منيمنة أكثر مع أفكارها الجديدة واتخذت قراراً حاسماً: "قطعت علاقتي بقسم من عائلتي في حين حافظت على علاقتي بالقسم الآخر الراغب بتقبلي كما أنا"، وغادرَت منزل العائلة وانتقلت إلى مسكن جديد في حي بيروتي آخر.

"هوبرة" في زغرتا

شربل شاب ينتمي إلى منطقة زغرتا، شمال لبنان، انخرط بشكل واسع في الحراك الذي انطلق إثر أزمة النفايات عام 2015، حين تبنى موقفاً سياسياً معارضاً لتيار المردة المسيطر في مدينته.

تلقى شربل تهديدات بسبب مواقفه المعارِضة للمردة لكنه يصفها بأنها "هوبرة (مبالغة في ادّعاء القدرة) وحكي فاضي"، ولهذا لا يعيرها أهمية.

يرى الشاب أن وجود روابط اجتماعية وعائلية تجعل من هذه التهديدات كلاماً واهياً، خاصة أنه لم تتبلور في المنطقة حركة سياسية منظمة معارِضة لوجود تيار المردة، وتقتصر الحالة السياسية المعارِضة على عدد من الأفراد، غالبيتهم يقطنون خارج مدينة زغرتا.

ومن أشكال "الهوبرة" التي اعتاد شربل (24 عاماً) أن يمارسها عليه مناصرو تيار المردة بعد نشره لمواقف معارضة للتيار المهيمن في زغرتا على وسائل التواصل الاجتماعي، أن يعاد نشرها مع وابل من الشتائم بحقه وبحق عائلته.

الضغط الذي يتعرض له شربل هو جراء وجود أهله الدائم في زغرتا. يتلقون هم ضغوط مناصري المردة قبل أن تصل إليه، هو القاطن خارج المدينة. عند كل زيارة أو احتكاك لأهله مع الناس، تُمرَّر تهديدات مبطّنة لهم، حسبما يروي لرصيف22، مثل: "ينتبه (لينتبه) على حاله، يمكن حدا يعملو شي (قد يتعرض له أحد)". أيضاً، يتبرّع كثيرون بلفت نظر أهله باستمرار إلى أنه من غير المحبَّذ أن يدلي شخص من زغرتا بهكذا مواقف تدين سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة. أبعد من ذلك، يتعرض أهل شربل لتهميش اجتماعي من قبل البعض، وذلك بسبب مواقف ابنهم.

ملاحقة المعارضين إلى خارج لبنان

التضييق يلاحق كل شخص قرر السير عكس ما هو منتَظَر من أبناء بيئته، ويمكن أن يطال عائلته، أصدقاءه، معارفه، مكان عمله، جامعته، وحتى يمكن أن يطاله وهو خارج البلاد حيث يظن الفرد أنه يتمتع بمساحة أكبر للتعبير، على اعتبار أنه في مكان آمن.

لعبت الانتخابات الطلابية، لا سيما في ظل اتساع مساحات المعارضة ضمن نوادٍ سياسية شبابية في الجامعات، دوراً مهماً في تجرؤ المزيد من الشباب على التعبير عن رأيهم المعارض بصورة صريحة.

عام 2013، نجح الطالب المستقل حسن حرب (28 عاماً) في تولي منصب رئيس المجلس الطلابي في الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت، بعدما خاض المعركة الانتخابية مع زملاء له في "الحركة الطلابية البديلة"، وهي مجموعة طلابية علمانية معارِضة نشأت في ذلك العام بهدف خوض الانتخابات الطلابية في تلك الجامعة.

وقتها، لم يتقبل "الثنائي الشيعي" وجود شاب من الطائفة الشيعية يعارض مكوّنيْها في نفس المجلس الطلابي معهم، فقاطع ممثلو "حركة أمل" و"حزب الله" اجتماعات هذا المجلس بصورة عامة.

يتذكر حرب ذلك العام جيداً. وصلت العلاقات الاجتماعية بينه وبين بيئته إلى حد القطيعة، بسبب مواقفه المعارضة، وبدأت محاولات عزله اجتماعياً.

ورغم سفره منذ سنوات عدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراساته العليا في اختصاص الكيمياء، فإن ذلك لم يعفِه من المضايقات، حسبما يروي لرصيف22. فبعدما نشر مؤخراً فيديو ساخراً طال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، بدأت الضغوطات تطال أهله وأقاربه، ووجّه عدد من الأشخاص إليه عبر اتصالات هاتفية ورسائل وصلت إلى حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي تهديدات بالقتل حين يعود إلى لبنان، كما وصلت اتصالات هاتفية إلى عدد من أفراد عائلته تطلب منهم صراحة أن يبقى خارج البلاد حفاظاً على سلامته.

عراضات أمنية وتحرش

راكيل (اسم مستعار) شابة تبلغ من العمر 25 عاماً معارضة للتيار الوطني الحر تقيم في مدينة البترون، شمال لبنان. تتحدث لرصيف22 عن تنمر شبه يومي تتعرض له من قبل مناصري التيار لدى ذهابها وعودتها من مكان عملها في مركز المدينة إلى منزلها، كونها مجبرة على المرور من أمام مركز التيار. يضاف إلى هذا التنمر تحرش لفظي تتعرض له أحياناً. وتقول: "لو كنت منتمية إلى حزب القوات اللبنانية لما تجرأوا على فعل ذلك، لكن من السهل التعرض لي كوني مستقلة معارضة لهم".

تتحدث راكيل عن "العراضات" الأمنية التي يقوم بها مسؤولو الأمن في التيار الوطني الحر من خلال التجول بالعصي بالقرب من أماكن سكن معارضيهم في المنطقة.

من أدوات التهميش التي يستخدمها التيار، تبعاً لراكيل، ابتزاز المعارضين وغير المحازبين له، مستفيداً من سيطرته على الدوائر الرسمية في المنطقة، عبر التضييق عليهم لجهة قدرتهم على تسجيل عقار لدى الدوائر العقارية أو إنجاز معاملات رسمية داخل البلدية... هكذا حقوق بسيطة تصير شبه مستحيلة على الأشخاص الذين لا يحظون برضى التيار.

تختلف حالة البيئة المسيحية عن حالة البيئة الشيعية. في الحالة الثانية هناك تحالف بين الحزبين الطائفين اللذين يشاركان عادةً في السلطة لتمثيل الطائفة، بينما في الحالة الأولى هناك خلاف استجدّ في السنوات الأخيرة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ما يمنح المعارضين هامشاً أوسع للحركة والتعبير فالاختلاف مع طرف قد يكون اقتراباً ولو غير مقصود من آخر... ولكن يدفع الثمن مَن لم يحجز مقعداً له في خارطة الأحزاب التقليدية أو مَن انسلخ عنها وقرر معارضتها بالجملة.

حتى مساحة الحرية التي يتغنّى بها اللبنانيون خاضعة للتقسيمات الجغرافية ولخارطة هيمنة الأحزاب الطائفية على المناطق. يستطيع اللبناني انتقاد الجميع وكل شيء بحدّة ويبقى آمناً بشرط أن يستثني من انتقاده الحزب المهيمن على المنطقة التي يسكن فيها.

يفضّل أطراف النظام أن تبقى الانقسامات في البلاد طائفية وأن تبقى الصراعات السياسية بين القوى الحزبية نفسها التي تقوم بتقاسم الحصص في ما بينها، بعيداً عن أيّة معارَضة سياسية قد تحمل مشروعاً سياسياً عابراً للطوائف لمواجهة ما يسميه المعارضون بـ"أحزاب السلطة".

إصرار الأحزاب الطائفية على الإبقاء على الصراعات في ما بينها يسهل عملية إدارة البلاد بالطريقة التي تريدها المنظومة الحاكمة، لذلك ارتعَبَت من كسر حاجز الانقسامات المناطقية في انتفاضة 17 تشرين، حين استعاد الناس من الطوائف والخلفيات الاجتماعية كافة المساحات العامة وتضامنت المناطق بعضها مع بعض، ولذلك توحّدت في ممارساتها القمعية ضد المنتفضين، كل حزب في منطقته وبحسب الأدوات المتوفرة له.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard