"يمّه ذوله هُمَّه وليدات الحسين"... الصراع على رمزية الحسين بين أحزاب السلطة العراقية ومعارضيها

الثلاثاء 31 أغسطس 202111:48 ص

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، كنّا أطفالاً نُحيِي ليلة العاشر من محرّم مع النساء، نتنقّل معهنّ خفيةً بين المنازل. كانت "الملاية" (قارئة المآتم) تقرأ بالطريقة الجنوبية، فيما تشكّل باقي النسوة حلقة، يلطمن صدورهن ويصفعن خدودهن، في وقت يتوارى فيه الرجال لإقامة المجالس الحسينية.

ما أذكره من تلك السنوات أنني سألت أبي عن سبب هذا الحذر. أجابني بأن أصحاب يزيد يلاحقونهم. لم أعرف مَن يقصد وقتها، حتى رأيت رجلاً سميناً وحليق الذقن، يشبه الكثيرين من ساسة ما بعد 2003، ويرتدي ملابس زيتيّة، يسبّ الحسين ويتوعّد المعزّين بالعقاب الشديد.

بعدها، صرتُ كلما سمعت العائلة تتداول خبر سجن أو إعدام أحد معارفنا، أخال أنه من أصحاب الحسين، ووقع بقبضة جيش يزيد. بهذا الفهم الفطري للحسين، تشكلت صورته وقضيته لديّ ولدى كثيرين من الشيعة.

عام 2003، جاء الاحتلال وتغيّر النظام، وصارت طقوس محرّم علنية: العشرات الذين كانوا يسيرون مشياً على الأقدام في أربعينية الحسين إلى كربلاء سراً صاروا آلافاً، وعلت هتافات الثأر من النظام السابق في المجالس الحسينية، وصار رجال الأمن يحرسون المواكب من "بقايا جيش يزيد"، وها هم أصحاب الحسين المنادين بمظلوميته والسائرين على نهجه يتولون دفة الحكم، ويشاركوننا العزاء. هكذا فهمت الأمور كمراهق عاش طفولته في زمن صدام.

لكن العدالة والمساواة التي كان ينادي بها الحسين، وفق الموروث الشيعي، لم تطبَّق. فالفقراء والبسطاء الذين كانوا يحيون مجالس الحسين في الخفاء، ما زالوا كما هم. ما تغيّر أنهم يمارسون شعائرهم بحرية، وأن الحُكّام صاروا يسرقونهم باسمها.

اللحظة الفاصلة

كانت أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 2019 مرحلة رأى فيها كثيرون مصداقاً واضحاً فرز أصحاب الحسين عن أصحاب يزيد. تظاهر المئات في الجولة الأولى من الاحتجاجات خلال الأيام العشرة الأولى من ذلك الشهر، ثم انسحبوا إلى منازلهم بعد القمع المفرط الذي تعرضوا له، والذي وصل إلى استخدام القناصين.

راح المعترضون على الوضع المزري القائم يحشدون ليوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر، للعودة إلى ساحات الاحتجاج بقوة أكبر. فترة التحشيد كانت خلال زيارة أربعينية الحسين مشياً على الأقدام، والتي شهدت رفع صور ضحايا الجولة الأولى. وضعت الكثير من المواكب الخدمية صور ضحايا كانوا ضمن المتطوعين فيها.

وخلال الجولة الثانية من الاحتجاجات العراقية، وبدء الاعتصام في المحافظات، تولّت الكثير من المواكب الحسينية تقديم الطعام والشراب للمتظاهرين.

"صرت كلما سمعت العائلة تتداول خبر سَجن أو إعدام أحد معارفنا، أخال أنه من أصحاب الحسين، ووقع بقبضة جيش يزيد. بهذا الفهم الفطري للحسين، تشكَّلَت صورته وقضيته لديّ ولدى كثيرين من الشيعة"

في إحدى المرات، سمعتُ امرأة في السبعينات من عمرها تدعو المتظاهرين في ساحة التحرير إلى الفطور وهي تنادي: "هلا بالزوار، تفضلوا من مال الحسين"، وحين استفهمت منها، قالت لي إن ما زاد من المواد الغذائية في موكبهم قرروا طبخه للمتظاهرين، وأردفت: "يمّه ذوله هُمَّه وليدات الحسين (هؤلاء أبناء الحسين)"، في إشارة إلى المتظاهرين.

كانت هذه اللحظة الفاصلة التي أفقدَت السياسيين فرصة استثمار قضية الحسين. لم يتمكن أحد منهم من زيارة موكب حسيني بعد احتجاجات تشرين، فيما كانوا سابقاً يتوافدون على المواكب ويتولون بأنفسهم تقديم الطعام للزائرين.

رمزية الحسين

هذه المعطيات لم تمنع بشكل كامل استغلال قضية الحسين، خاصة أن الطبقة السياسية لا تزال، حتى هذه اللحظة، تجعل منه رمزاً في خطاباتها، وكثيراً ما تسوّق لفكرة أن خصومها هم أعداؤه.

يرى الكاتب والحقوقي ساطع عمار، وهو ابن مدينة كربلاء" أن أيام شهر محرّم مناسَبة مهمة تستوجب تتبع الدلالة الرمزية للحسين والتي تتزامن هذا العام مع مئوية العراق الحديث. وبرأيه، يبدأ التتبع من نقطة الممارسة العملية لهذه الرمزية، "لأننا تاريخياً أمام إسلام سياسي بمذاهبه وجوهره".

لا يخفي عمار احتمالية تعسفه في هذا الربط، معللاً رأيه بأن جذر الواقع يقول إن للحسين وجوداً رمزياً فقط وليس مادياً، وهذه الرمزيات هي أداة للقوى الاجتماعية تسيطر عليها وتحتكرها رغبةً بالهيمنة، ما يجعلنا أمام ظاهرة رمزية للحسين تطورت على مرحلتين:

المرحلة الأولى هي مرحلة المعارضة والمظلومية الشيعية، وتجسدت في خطاب الإسلام السياسي الشيعي، سواء أكان مرتبطاً بنشاط فردي نخبوي، أو حزبي بعد منتصف القرن العشرين، وتماهت ثيمة الحسين معها، فشعار أن نُحكم باسم الحسين هو مماهاة بين رمزية الحسين والإسلام السياسي الشيعي، وهي مماهاة جامعة مانعة، فهم احتكروا هذه الرمزية واحتكروا خطاب المعرفة الحسيني.

ويتساءل عمار: ماذا تبقى من الحسين بعد أن حكم الإسلام السياسي الشيعي؟ ويجيب باستعراض المرحلة الثانية، والتي يعتقد أن ملامحها تشكّلت عندما تغيّرت ملامح الحسين الرمزية، فتحوّلت الرمزية إلى أكثر من ذلك، إذ صارت مؤسسة مالية ضخمة ومشاريع رأسمالية كبيرة (العتبة الحسينية والعباسية)، وصار مرقد الحسين هادئاً بعد هذا التاريخ، مؤسساته هادئة تبتلع الأرباح بكل صمت، وتشبه الرأسمالي النائم الذي يصحو على صوت ارتفاع وانخفاض الأسهم. إذن هل كانت هذه التحولات الجديدة لرمزية الحسين متماهية مع شكل النظام الجديد؟

"في إحدى المرات، سمعتُ امرأة في السبعينات من عمرها تدعو المتظاهرين في ساحة التحرير إلى الفطور وهي تنادي: ‘هلا بالزوار، تفضلوا من مال الحسين’، وحين استفهمت منها، قالت لي: ‘يمّه ذوله هُمَّه وليدات الحسين’"

ويضيف عمار: تحاول الحركات الاجتماعية في العراق جرّ الحسين إلى منطقتها ومنطقها، منطق الصراع الاجتماعي دوماً، عبر اختصار منطق الثورة الاجتماعية.

في ظل هذا الاستغلال الرمزي، يتابع، أتى الشعار الذي رفعته الناشطة ريهام يعقوب قبل اغتيالها، "آني الحسيني المن صدگ أنت منو" (أنا الحسيني الحقيقي. مَن أنت؟)، وتتمظهر فيه محاولة سحب رمزية الحسين التي تم تنويمها إلى منطق الثورة الاجتماعية، وبالتالي إعادة تثوير مفهوم الحسين، و"لكن للحسين خدام هم أبناء لهذا النظام، ولا يشبهون خدامه القدامى".

ويشير عمار إلى أن صَهر قضية الحسين في بوتقة النظام لا يعكس ضعفاً في ركائزها، وإنما المسؤولية مركّبة وتقع على المؤسسة الدينية المنقسمة حول آليات التعامل معها، ومدرسة العقلانية الشيعية التي تريد عقلنة الطقوس لكنها توظفها سياسياً وتستثمرها اقتصادياً، والمدرسة التي تعمل على ترسيخ المغالاة في الطقوس وزج القضية في خصوماتها الدينية والسياسية.

تُستحضر رمزية الحسين عند أي حدث ثوري في وسط وجنوب العراق، وما ثوار تشرين إلا أبناء لهذه المنطقة، وهذا يعود إلى سنوات ما قبل الاحتلال، إذ لم ينفكوا عن المشاركة في أي احتجاج أو فعالية لمعارضي نظام صدام حسين، الذين تسلموا بعد 2003 قيادة البلاد ليوصلوا العراق إلى الدرك الذي انحدر إليه، ممارسين بحق معارضيهم أشرس أنواع القمع والاغتيالات.

وحول علاقة تشرين بقضية الحسين، يقول أحد الموظفين في العتبة الحسينية: ما حدث في تشرين تمثل بنجاح المحتجين بانتزاع الحسين وقضيته من قبضة أحزاب السلطة التي وظّفته طائفياً ودينياً لمصالحها، وعاد الحسين ولو لمدة أيام إلى جانب المحتجين المطالبين بالحريات والحقوق.

وبرأيه، المَشاهد كثيرة على ذلك، وبالإمكان العودة إلى أرشيف الصور والفيديوهات الخاص بثورة تشرين للتأكد من ذلك، هذا فضلاً عن الشعارات والهتافات التي يُعَدّ قتيل كربلاء عنصراً أساسياً فيها، خاصة في كربلاء والنجف والناصرية.

مفارقات صنعها المحتجون

إصرار المحتجين على المطالبة بحقوقهم صَنَع مفارقات أقل ما توصَف بالتاريخية، بحسب الموظف في العتبة الحسينية والذي طلب عدم ذكر اسمه ليتحدث بحرية، وبرأيه، يجب ألا نغفل عنها، ومن جملتها ما تدّعيه أحزاب السلطة وميليشياتها من انتماء لأخلاقيات الحسين الذي بكى على أعدائه في ليلة العاشر من محرم، بينما كانوا هم أمويين بامتياز إذ أحرقوا الخيام في كل ساحات التظاهر ومنها ساحة كربلاء التي لا تبعد أكثر من ثلاثة أميال عن موقع حرق الخيام الذي حدث ظهيرة عاشوراء قبل ما يقارب 1400 عام.

وأيضاً، يتابع، هذا ليس بعيداً عما حدث لأمهات الشهداء في أهم مدن الشيعة مثل أم مهند القيسي في النجف وأم إيهاب الوزني في كربلاء، وكيف أعادتا مشهد النساء الثكلاوات في الطف لكن هذه المرة الجلاد يدّعي أنه حسيني. فقد وقفت أم إيهاب على مقربة من ضريح العباس بن علي، والذي يحظى بمكانة كبيرة في الوجدان الشيعي لما مثله من شجاعة وإيثار في واقعة الطف، وحيدة مع عدد من المحتجين أمام مبنى محكمة كربلاء في مشهد لا يختلف من حيث المعنى مع مشهد زينب بنت علي ووقوفها أمام سلطة بني أمية.

"مفارقات تمكّن من خلالها المحتجون العراقيون من تحرير الحسين بن علي وأصحابه وآل بيته وفك أسرهم من أيدي أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي استحقت أن تُلحَق بجبهة يزيد بن معاوية"

ويتابع الموظف في العتبة الحسينية: ما هذه المفارقات إلا علامات خزي وعار على جبين أحزاب السلطة وميليشياتها، وتمكّن من خلالها المحتجون من تحرير الحسين بن علي وأصحابه وآل بيته وفك أسرهم من أيدي أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي استحقت إلى تُلحَق بجبهة يزيد بن معاوية.

السلطة في مأزق

تحاول أحزاب السلطة في العراق إيهام الشيعة بأن ممارسة الطقوس والشعائر الحسينية دون الحاجة إلى انتفاضات أمر طبيعي، في محاولة لإخراج الحسين عن سياقه الذي استغلّوه قبل عام 2003.

وهنا تكمن المفارقة. ففي الوقت الذي تتهم فيه الأحزاب الشيعية الإسلامية المحتجين بالتآمر على الدين والموروث، لتقوم بأكبر عملية مسخ لأعظم قضية حقة في الموروث الشيعي، يُطرح سؤال: مَن هو المُحرّف والمتآمر على المذهب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard