أفغانستان تفتح جرح شرائي واغتصابي

الأحد 29 أغسطس 202111:23 ص
Read in English:

Afghanistan Reopens the Wounds of a Trafficked Yazidi Woman

هذه قصة امرأة أيزيدية ثلاثينية، اسمها هلا خلف. توصلتُ إلى محادثتها هاتفياً، عبر أصدقاء لي في إدارة المخيم الذي تعيش فيه؛ مخيم بيرسفي في شمال العراق.


في التوقيت نفسه، وفي وضح النهار، ذوو اللحى والوجوه العابسة المثقلة بالعنف بدأوا غزوهم؛ إنهم طالبان. كم يشبهون الدواعش، بجلابيبهم القصيرة المبقعة بدماء ضحاياهم. بقع تتخذ أشكال جثث ضحاياهم. يقتحمون بأسلحتهم البيوت والحدائق، يجرّبون شعور الطمأنينة على مقاعد ملاهي الأطفال، فتضيق بهم الحياة. يستقلون الدراجات الهوائية، ويجوبون الشوارع، والأزقة، التي خلت من الناس الفزعين منهم. يفقؤون العيون، ويبترون الأطراف بالأصبغة في صور صالونات التجميل النسائية. شاهدت الناس يهرعون إلى المطارات رعباً وهلعاً، أملاً بحيز على متن الطائرات الأمريكية التي خانت آمالهم، وتركت الجميع يغرقون في واقع ذميم، لا تحيا الحياة فيه، ولا تموت. عُميان يحتمون بجلادهم.

تجمدتُ في مكاني حين رأيت صور سيطرة عناصر طالبان على أفغانستان، وفيديوهاتها. تلاحقني الذاكرة أينما حللت. هي الأحداث نفسها التي جرت في قريتنا كوجو المدمرة، في شنكال. اليوم تتكرر في كابول. كم تتشابهان في الوجع: شنكال وكابول. لا يزال جرحي غائراً. أنا المرأة الأيزيدية الثلاثينية، أنزف من جديد. منذ لحظة مشاهدتي ما يحدث في أفغانستان. لقد أيقظت في داخلي مآسي شنكال، القصص ذاتها التي سيرويها الموت. سيفقد الرجل ابنه، ويسقط في ظلمة الحسرة. وذاك الشاب سيحكُّ سهواً قدمه المبتورة، إثر انفجار عبوة ناسفة زرعها أحدهم في لحظة سكر. أمهات ثكالى سيحضنّ من فقدن، بأيادٍ تلتف فارغة على بعضها. أخاف على نساء كابول، وغيرها من المدن، من الخطف والسبي، كما حصل لنا في شنكال على يد داعش. يتردد في ذهني على نحوٍ خانق، وسواس أصوات البكاء، وصدى صليل سلاسلنا، نحن الأيزيديات المقيّدات، حين كنا مصفوفات كدمى حجرية للعرض. أرى في روحي معاصم الأفغانيات، وكعابهن، تنزف دماً بالسلاسل ذاتها التي قيدتنا سبايا، ويتردد صدى أسى ماضينا في داخلي. أسمع صرخاتٍ تناديني من هناك، من أفغانستان، فأشعر بالعجز والحزن. أرى أولئك الدخلاء يتكئون على الأرائك، ويختارون النساء الجميلات، ويبيعونهن في الأسواق، كما باعوني في مدينة الرقة السورية. يضحكون، ثم تحدث بينهم مشادات كلامية سببها اختلافهم على ثمن بيعنا، الذي ينتهي بالاتفاق على أرخص الأسعار، أو أغلاها، حسب أعمارنا، ونسبة جمال أجسادنا. أحاول أن أهرب من الماضي القاسي، من نيف وثلاث سنوات عشتها سبية، من وجوه الرجال الأربعة الذين اشتروني، واغتصبوني. لكنني أسقط من جديد في هوة سوداء، كسواد عمامات داعش القاتمة، وكلون عمامات طالبان. مشاهد تعيد إلى ذاكرتي كيف ضاع زوجي، وأولادي، في ظلمة عمامات داعش.

كم تتشابهان في الوجع: شنكال وكابول. لا يزال جرحي غائراً. أنا المرأة الأيزيدية الثلاثينية، أنزف من جديد. منذ لحظة مشاهدتي ما يحدث في أفغانستان، لقد أيقظ في داخلي مآسي شنكال 

اليوم، أرى كيف سيضيع الأفغانيون في العتمة ذاتها. منذ أيام، وأنا أحاول أن أصرف خيالي وذهني، عما يحصل في أفغانستان. فأتهرب من صورهم، لأحظى بالراحة. لكن صور الرجلين المعلقين بالطائرة الأمريكية، هرباً من طالبان، واللذين سقطا منها، ذكرتني بسقوط جارنا خضر من السيارة التي أقلته للهرب من داعش، حين دخلوا شنكال عام 2014. رأيت الرصاصات تنهال عليه، لتثير غباراً أخفى هيئته أمام عينيّ، قبل أن يلقوا القبض على من معه كلهم، ويقتادوهم إلى سجن في الموصل، مثلنا، ثم إلى الرقة.

أتألم من تذكر ابنتي، ذات الأعوام العشرة، التي اختُطفت من حضني. سمعت بعد سنة من اختطافها، أنها كانت سبية لدى أمير داعشي، واختفت أخبارها عني منذ ذلك الوقت، وحتى الآن. ما زلت أحتفظ بخرزتها الزرقاء المعلقة بسلسال في عنقي. ربما تضيء طريقاً لها، وتعيدها إلى حضني. هل يا ترى سيتم سبي الصغيرات الأفغانيات، من وحوش طالبان المشعثين المتوحشين، أو تزويجهن، وسينتهي بهم المطاف، إلى الفجيعة ذاته الذي تعيش فيها ابنتي؟

وولداي الضائعان، ترى أين هما، هل جنّدوهما، أم قتلوهما؟ مصيرهما المجهول، منذ ذلك اليوم، يفطر قلبي. ما أعظم حجم الألم في صدري. وهل ستنتظر الأمهات الأفغانيات، مثلي، الآمال التي ترسم طرق عودة أبنائهن الضائعين؟

أتساءل: هل ستسود ظلمة لباس طالبان الألبسة الملونة للأفغان؟ هل ستتحول المرأة إلى عورة تشوّه عفة الحياة، والأطفال إلى جنود يتمثلون مشاهد القتل عنوة. سيعجز الرجال الأفغان عن الدفاع عن نسائهم، وأولادهم، كما الرجال الأيزيديين. وستنتهي حياتهم بطلقةٍ من أحد رجال طالبان، إذا أراد الحصول على زوجة أحدهم، أو تجنيد أطفاله.

أحاول أن أهرب من الماضي القاسي، من نيف وثلاث سنوات عشتها سبية، من وجوه الرجال الأربعة الذين اشتروني، واغتصبوني 

أحياناً، أذرف دموعي حين أتذكر الدواعش، وزوجاتهم، وهم يضربونني لأن الطعام الذي أعددته لهم كان مالحاً. أحدّق في صورة زوجي الذي قُتل فور دخولهم بيتنا، وهو يحاول حمايتنا بجسده الهزيل. أشكو له حالي في المخيم الذي يفتقد إلى مظاهر الحياة في شمال العراق. أحدّثه عن الرجال الذين باعوني، واشتروني، ظلماً، وحين أزالوا الغطاء عن رأسي، وقاسوا طول شعري، وعن ابنتنا المخطوفة، وولدينا اللذين ضاعت أخبارهما، ولم أعرف عنهما شيئاً حتى هذه اللحظة. أطلب من زوجي في الصورة أن يساعدني في رسم ملامح وجوه أولادنا، وطول قامتهم الذي تغير مع الزمن، من دون أن تسعدني أي صدفة، وتجمعني بهم. أمحو رسوم ملامحهم، وأعيدها كل فترة، وكأنهم أمامي يكبرون. فجأة يتحول زوجي إلى شكله الذي لا أنساه في آخر مرة رأيته فيها، ممدداً، جثة على أرض دهليز بيتنا، لحظة اقتحام داعش.

في كلّ ليلة أرى الكابوس ذاته: زوجي يسرق من السماء نجمة، ويقدّمها لي بصدغه المثقوب بطلقة ذلك الداعشي المخيف الذي لا أنساه. تُرى هل سنتشابه حتى في الكوابيس، ما دامت الأحلام الجميلة ستتلاشى في كل لحظة سيحيونها في أفغانستان، وتنتهي بهم إلى المخيمات التي ستبنيها المنظمات التي تحمل شعارات الدول الداعمة لعنفهم في الخفاء، وشاراتها، وبشاعتها في ألعاب أطفال المخيمات، في العلن.

تتبادر إلى ذهني ملامح وجوه الأمهات الأفغانيات الحزينة، وأراهن يحاورن صور ذويهن المفقودين، بالنهايات المفجعة ذاتها، وأوجاع البدايات نفسها. لا تختلف ظلمة تفكير جماعات طالبان عن داعش. كلاهما تصفعان القوانين العالمية والدولية، بصور وفيديوهات تتصدر منصات المواقع الاجتماعية، على مرأى العالم، من دون أن يحرك ساكناً منهم.

سيعلم الأفغان ذات يوم، أنهم والأيزيديين، حطام داعمي الأسلحة نفسها، الذين حرقونا جميعنا، وصرنا رماداً في مهب القرارات والاجتماعات التي ستحيي ذكرى موتانا، وعذاب واقعنا اللا نهائي.

أنتظر ما سيحدث في أفغانستان، وأشعر أن ما حدث لي، سيلوّن نشراتهم الإخبارية بشريط أخبارهم العاجلة، ولكن بأسماء مختلفة، فنحن مراياهم. مرايا تخرق التوقعات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard