من كابول إلى القاهرة... العنف ضد غير المحجبات

السبت 21 أغسطس 202103:17 م

سنة 1969، قدّم السوسيولوجي النرويجي يوهان غالتونغ Johan Galtung مفهوماً جديداً على علم الاجتماع ليصف ممارسات قديمة، وهو مفهوم العنف البنيوي Structural Violence، وهو العنف غير المرئي الذائب في بنية المجتمع إلى درجة أنه مسكوت عنه ولا يُسمح لضحاياه بالكلام وإنْ نطقوا لا يُسمح لأحد بالتعاطف معهم.

تحفل المجتمعات بهذا العنف الصامت الذي تواطأت الثقافة والعرف على إسكاته وإسكات أصوات ضحاياه. فمثلاً، في صيف 1994، حرمت حركة طالبان تعليم البنات بحجة أن الشريعة تمنعهنّ من الخروج من منازلهنّ. لم يكن المدهش تعاليم طالبان لكن المدهش حقاً أن المجتمع الأفغاني استجاب وظن أن تعليم البنات يمنعه من طريق الله، حتى أنه، وحتى بعيداً عن سيطرة طالبان، فإن البنات غير مسموح لهن باستخدام الإنترنت إلا تحت رقابة ذكورية مشددة.

لا زالت طالبان تكتسب الأرض في أفغانستان ولا زالت السلفية تمارس سلطتها على القلوب والعقول، ومَن لا تصل إلى قلبه أو عقله فهي ببساطة تقطع رأسه.

ففي أفغانستان، أنت هدف للعنف والقتل إذا كانت لديك رؤية مختلفة للدين وللدنيا. هكذا، فإن مجرد الدفاع عن طائرة ورقية قد يكون مسوغاً لاحتقارك، ومن ثم استحلال جسدك، ومن ثم تشجيع العنف ضدك، أو حتى قتلك إذا ما أنتجت مقاطع كوميدية على تيك توك.

تتسلل السلفية والعادات كأكبر مصادر العنف البنيوي في هذا الجزء من العالم. ويبدو أن مصر تعاني أيضاً.

كيف تحارب مصر تنوّعها؟

لم يثر خبر قيام أم بصدم ابنتها الوحيدة على الطريق الدائري في محافظة الإسماعيلية "تريند" وسائل التواصل الاجتماعي في مصر مثلما فعل خبر الاشتباه في منع فتاة محجبة من نزول حمام السباحة في أحد أندية العاصمة الفاخرة.

يبدو المجتمع أكثر تسامحاً مع العنف المبالغ فيه ضد غير المحجبات من الطبقة الوسطى وأكثر تعاطفاً مع مشاكل محجبات الطبقات الأكثر ثراء الذين يثور كل عام تريند منعهنّ من ارتياد بعض حمامات السباحة في الساحل الشمالي أو في بعض أندية الطبقات العليا في القاهرة.

تُقمع غير المحجبات في مصر بهدوء دون ضجيج أو "تريندات"، ولا تثير حوادث العنف الأسري أو المجتمعي ضدهنّ ردود فعل غاضبة، بل على العكس يشجع المجتمع ذلك النوع من العنف كطريقة لقمع التنوع ولفرض "كود" أخلاقي متخيَّل يحارب في مساحة المظاهر ويفرض زيه الموحد على الطبقة الوسطى، ولو بالقوة.

تتسلح السلفية بتحقير المخالفين وعزلهم حتى يصبح مجرد الدفاع عنهم فعلاً مشيناً. وتكمن هنا نقطة قوة التبشير السلفي. فهو ليس فقط تبشيراً بفكرة، بل يتعدى ذلك إلى التبشير بكراهية الفكرة المضادة وممارسة العنف والقمع والنبذ على معتنقيها

فبخلاف شهادات البعض عن القمع والعنف الأسري ضد غير المحجبات أو فرض الحجاب بالقوة على الفتيات أو اضطهاد مَن تخلعه في أسر الطبقة الوسطى، يمتد قمع غير المحجبات إلى مدارس حكومية تفرض الحجاب بقوة العرف على طالباتها دون تدخل حاسم من الدولة إلا في أضيق الحدود. تتكرر حوادث ومظاهر إجبار الفتيات على الحجاب وتكريم الفتيات المحجبات، حتى أنه يمارَس العزل المجتمعي ضد غير المحجبات من جهة، وتحصل المحجبات على الاعتراف المجتمعي من جهة أخرى، بداية من المؤسسات التعليمية الأولية، حتى تشب الفتيات على الإذعان لقوانين المجتمع أو مواجهة النبذ.

يأخذ العنف البنيوي ضد فتيات الطبقة الوسطى غير المحجبات حداً أكبر حين تكون الفتاة هدفاً أسهل للتحرش والاعتداءات الجنسية كأحد أساليب المجتمع في النبذ والعقاب. فلفترة طويلة، ربط الخطاب الديني التحرش بعدم حجاب المرأة. يفسر كثيرون التحرش كرد فعل لعدم التزام الفتيات بـ"الكود" المجتمعي للزي، وهو ما أكد عليه الداعية المثير للجدل عبد الله رشدي: "عدم الحجاب تعرٍّ نعم، لأنك تبريزين مفاتنك التي تستفز بالفطرة ذكورتي". وهنا يظهر التحرش كعقاب مجتمعي للاختلاف.

التواطؤ بالسكوت

تعاني مصر من العنف البنيوي في أكثر من مشهد، أهمها على الإطلاق هو التواطؤ بالسكوت ضد العنف الذي يمارَس ضد بنات الطبقة الوسطى المسلمات غير المحجبات. ضغوط لا نهائية تُمارَس عليهنّ لقمع اختياراتهن أو لإجبارهن على التخلي عنها.

تتنوع الضغوط من منعهنّ بالقوة إلى منع وإسكات الآراء التي توفر لهنّ دعماً اجتماعياً أو ثقافياً. فغير مسموح أن يتم تناول آراء وتفسيرات دينية مغايرة عن الحجاب بنفس درجة تناول الآراء التي تؤيد الحجاب.

أسوأ مراحل العنف وأكثرها خطورة هو العنف المسكوت عنه الذي يتواطأ فيه المجتمع على القمع ويُخرس عن عمد أصوات الضحايا

فالأزهر، المؤسسة الدينية التي احتكرت مع دار الإفتاء حق تفسير الدين في مصر، لا يتسامح مع أي رأي يمكن تقديمه لدحض فرضية الحجاب، ويصف مَن يقدّمها من بين طلابه بأنه صاحب "أفكار منحرفة".

وتركز المؤسسة الدينية في مركزها وهامشها على تفسير وحيد وغير قابل للنقد للحجاب يجعل محاولة طرح تفسير مغاير أمراً محفوفاً بمخاطر الاصطدام بالمؤسسة الدينية الرسمية التي تملك أدوات متنوعة لإسكات معارضيها، بداية من قوانين حسبة إلى النبذ المجتمعي.

تلخص كل هذه الممارسات أحد أشكال أزمة مصر التي تظهر كبلد متنوّع لكنه يحارب تنوّعه. لا يمكن أن تختفي المحجبات من مصر كما لا يمكن أن تختفي غير المحجبات، وهذا دليل تنوّع في صالح المجتمع المصري. لكن، بينما لا تطالب غير المحجبات بمحاربة الحجاب، هناك رغبة على الطرف الآخر في توحيد الزي وفرض الحجاب ولو بقوة العرف إنْ عجزت قوة القانون.

في القاهرة وفي كابول نجحت السلفية كحركة اجتماعية، وإنْ كان نجاحها في مصر بدرجة أقل، في فرض العنف المقدس وإعادة تشكيل الوعي العام بدرجة تجعله أقل تسامحاً في قبول الاختلاف وأكثر رغبة في عقاب المختلف.

تتسلح السلفية بتحقير المخالفين وعزلهم حتى يصبح مجرد الدفاع عنهم فعلاً مشيناً. وتكمن هنا نقطة قوة التبشير السلفي. فهو ليس فقط تبشيراً بفكرة، بل يتعدى ذلك إلى التبشير بكراهية الفكرة المضادة وممارسة العنف والقمع والنبذ على معتنقيها.

تنشر السلفية حالة كراهية عامة تكره كل ما خرج عنها وتحقّره باسم المقدس. وهنا مكمن القوة الذي يجب مواجهته، فالسلفية حريصة على تجفيف كل مصادر التنوع ومحاربة كل مصادر الاختلاف وفرض وحدة مقدسة يقمع فيها الكل وينتشر فيها العنف، وأسوأ مراحل العنف وأكثرها خطورة هو العنف المسكوت عنه الذي يتواطأ فيه المجتمع على القمع ويُخرس عن عمد أصوات الضحايا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard