أنقذونا... أرجوكم... نحن نموت ببطء

السبت 28 أغسطس 202101:58 م

لم أعد أستيقظ على صوت المنبّه الغليظ. توقفت عن ضبطه منذ زمن.

أستيقظ باكراً مع موعد انقطاع التيار الكهربائي، وشرشفي الذي فرشته على أرض غرفتي، لاكتساب بعض البرودة، ممتلئ بعصارات جسمي العَرقية.

أسمع صوت دفتر جدتي المهترئ، في الغرفة الثانية، وهي تحاول التهوية به. تتمتم ببعض الدعوات على من أوصلنا إلى هذا الحال.

أبدأ يومي بشتيمة كالعادة، ثم أقوم من سريري المصطنع، مختنقاً من رائحة العرق الممزوجة برائحة مزيل العرق الرخيص جداً، إذ لم يعد في استطاعتي شراء "الريكسونا".

وأخيراً، امتلأ خزان الماء المجففة أنابيبه في الليلة الماضية، وصار في إمكاني الاستحمام، وإزالة روائح الصيف القاتلة، من جسمي، وإنعاش رأسي ذي الشعر المزيّت.

"داق خلقي يا صبي... من هالجو العصبي."

غنتها فيروز، وأنا أنغّمها تحت الدوش طرباً، لاكتسابي منحة الماء البارد الذي أنعش به مسامات جلدي، قبل الذهاب إلى العمل.

"يلا لا تطول، وتفضي الخزان، بعد بدي أطبخ، وأجلي، وأشطف. خلّص وطلاع لنشرب قهوة سوا"، تناديني جدتي بصوت مرتفع مع المروحة الورقية خاصتها...

على ضوء الشمعة، أضع ركوة القهوة على الغاز، فوق نارٍ خافتة جداً، خوفاً من هدره، لأنه مفقود أيضاً.

إلى جانب جدتي، ودفترها، نشرب القهوة، وهي تحدثني عن صباها، وأيام عزّها، وكيف أن جدِّي الراحل قد مات ألف موتة حتى قبلت به.

تحدثني عن بلادنا في الزمن الراحل، وكأنها تتحدث عن مدينة أفلاطون الخيالية اليوتوبية، وعمّا تسميه البَرَكة، وعن حب الناس لبعضهم البعض، وألفتهم، وتفانيهم، وأخلاقهم.

وبعد أن انتهت من الغوص في بحر ذكرياتها، وبعد أن سكن دفترها عن التحرك، تنهدت، ونظرت إليّ مبتسمةً ابتسامة شفقة، وقالت: "الله يعينكم على هالزمن... أيَّا مستقبل ناطركم أنتو الشباب يا ترى؟"...

حقاً، أُغمي عليّ، وهي تحدثني عن مدينتها اللازوردية الخيالية، ورحت أسبح معها، وكأني أعيش في كل مشهد تخبرني به، حتى أني تخيلت كيف أن جدي لم يكن يكترث لوجودها أصلاً.

تخيّلت كيف يمكنني أن أعيش بكامل حقوقي التي صارت مِنحاً، ومَكرماتٍ، وكيف يمكنني أن أكمل دراستي، من دون الحاجة إلى العمل نادلاً، بعد الدوام، وكيف يمكنني أن أجد وظيفة مناسبة، بعد تخرجي، مع ضمانٍ صحي واجتماعي... وكيف يمكنني أن أتزوج من دون الخوف المدقع، الذي يحل بحامل هذه الخاطرة في باله، في زمننا هذا.

حقيقةً، لقد شعرتُ بالنشوة والسلام، بضع لحظات، وأنا أتخيل عيشتي بكامل حقوقي.

ارتديت ثيابي، على عجل، لأصل إلى عملي، فلدي الآن معركة جديدة لإيجاد سيارة أجرة أستقلها، وأتجاوز الزحمة الخانقة على محطات البنزين.

ولم أنسَ، طبعاً، وضع مزيل العرق الرخيص جداً، في حقيبتي.

وقفت على الأوتوستراد ما يقارب نصف ساعة، تحت أشعة شمس ما فوق جُهنمّية.

"تحدثني جدتي عن بلادنا في الزمن الراحل، وكأنها تتحدث عن مدينة أفلاطون الخيالية اليوتوبية وعن حب الناس لبعضهم البعض وأخلاقهم... وبعد أن انتهت من الغوص في بحر ذكرياتها، تنهدت، ونظرت إليّ مبتسمةً ابتسامة شفقة، وقالت: الله يعينكم على هالزمن"

أخيراً أتت...

-"بونجور معلم، فرن الشباك؟".

-"خيّي شو فرن الشباك... كتير عجقة، عالعدلية، وعالمحطة، وما عم يعبوا بنزين، شوف غَيري."

خيبة أمل. أتصبب عرقاً كثيراً ناتجاً عن الجو الحار جداً، وأعصابي لم تعد تعرف الاسترخاء.

-"يعطيك العافية، فرن الشباك الله يخليك؟".

-"سرفيسين؟".

-"شو سرفيسين! فرن الشباك فشخة!".

-"خيّي كتير عجقة عالمحطات، وما عم يعبوا".

-"خلص، خلص، كرمال الله، رح أطلع."

وأخيراً، وبعد عناء، انتهت المعركة، واستقليت سيارة.

أخرجت من حقيبتي مجدداً مزيل العرق البائس هذا، وسيجارةً.

وأنا أسمع السائق كيف يندب طوال الطريق، بسبب غلاء الأسعار، وسعر صرف الدولار... وانتظاره ساعاتٍ طويلة، للحصول على القليل من البنزين، ليؤمن لأولاده كسرة خبز.

كان يردد دائماً أمنيته في أن تقصفنا إسرائيل، ونرتاح مما نحن فيه. كرر أمنيته هذه أكثر من عشر مرات، مع الكثير من الشتائم، والسُباب، والحسرة.

كان يجد الخلاص في الموت، إذ لم يعد يرى أي سبب لبقائه هنا.

كان يتحرك بشكل غريب جداً، من دون أن يدرك على ما أظن. رجّحت أن لديه مرضاً عصبياً ما. لا استغرب ذلك أبداً، وربما الكثير منا يعاني من آفات كهذه، من دون أن يعلم.

كنت أجلس على المقعد الأمامي، وإلى جانبي السائق هذا. أراقبه بصمت تام، من دون علمه، وأراقب نظراته، وعروقه المستنفرة في رقبته، وفي ساعديه، وعينيه الحمراوين المليئتين بالغضب، والحسرة، والتعب، مجتمعة بطريقة لن أقدر على وصفها.

"كنت أجلس على المقعد الأمامي، وإلى جانبي السائق هذا. أراقبه بصمت تام، من دون علمه، وأراقب نظراته، وعروقه المستنفرة في رقبته، وفي ساعديه، وعينيه الحمراوين المليئتين بالغضب، والحسرة، والتعب، مجتمعة بطريقة لن أقدر على وصفها"

حركاته غريبة: كان يضع يديه على أذنيه، ويسند رأسه إلى "الدركسيون"، عندما يقف في زحمة سير خانقة.

لا أنكر أبداً أنني شعرت بالخوف. ولو كان في استطاعتي إيجاد سيارة بسهولة، ربما لم أكن لأتردد في النزول.

على المقعد الخلفي، شابةٌ جامعية، كانت تشاركه الندب، والحسرات.

وأنا أستمع بصمت كامل، ومن دون إبداء ملاحظة، كيف تشكو إليه هموم الجامعة، وقِسطها الذي يقسم الظهر، وكيف أنها تبحث جاهدةً، عن عمل ما، تُرقّع به ثقوب مصاريفها الكثيرة، وكيف أنها خائفة على والدها، من جلطة، أو شلل، أو سكتة قلبية، في ظل تدهور القطاع الصحي، والمستشفيات، وتوافر الأسباب والوسائل كلها، التي تساعد على تحفيز أمراض مميتة كهذه.

سمعت صوت بكائها الذي لم يظهر إلى العلن.

التمست بحّةً حزينة في صوتها الخائف، والمرتجف.

أخيراً، لقد وصلنا.

نزلت عند حافة الرصيف، ورأسي ممتلئ بالأفكار، والهواجس، والمخاوف، وجثث الأحلام.

لم أعد أعلم كيف اختلط في رأسي كلام جدتي، والسائق، والشابة الجامعية.

لقد دققت كثيراً في ملامحهم، وفي كل مرة كان ذُعري يزداد.

وفي كل مرة أسمع صوتاً خفيضاً جداً، وغير منطوق، يقول: "انقذونا... أرجوكم... نحن نموت ببطء".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard