قطة بيضاء اسمها بيروت

الاثنين 29 مارس 202112:36 م

الطريق مظلم. ضوء الدراجة النارية الخضراء هو الأمل الوحيد في أن ترى. وراء كل أربع شجرات عمود إنارة. بين كل أربعة أعمدة واحد يعمل. العجوز التي تعجن الفطائر تدوّن على دفترها "2 جبنة، 2 محمّرة، 1 زعتر، 1 قريشة". التنور سينما دافئة... تسبّ العولمة حين تسكر ثم تصفّق لها حين تسمع غوران بريغوفيتش على طريق رأس شمرا. تعود والمدينة دائماً نهاية المشوار.

كان ربيعاً مرّ منذ سنين. المساء نفسه والبحر نفسه. جالسين على شرفة في مشروع البعث، وكل مشاريع البلاد الراقدة مشاريع بعث، تشربون كحولاً رخيصاً مستمعين إلى صوت الرصاص يأتي من الرمل الجنوبي. يبكي نديمك على حال البلاد، ثم يحدّثك عن الحرب والمسننات الرأسمالية التي تبتلعكم. يبكي ويحدثك عن لبنان، عن أن أباه كان مجنّداً هناك يأتي لهم في إجازة العيد بالموز وجزمات الكاوتشوك...

ثم، ولا أدري كيف أحكي لك هذا، في اللاذقية كنت أنت الغريب، ريفي في حسابات المدن، سليل شوارب داكنة ورايات حمراء، تحمل معك قصصاً من طين عن عتالين وتين جبلي ومناجل، تحمل حلماً قديماً عن طفل يختطفه الغجر ويثبتون له أرجوحة بين شجرتين... كنت الغريب هناك، تغريك المدن وأحوالها ويكبر في عينيك العارفون بالمدن، ثم يجرّ العارفون العارفين.

نديمك على الشرفة يكبر في عينك، ويكبر لبنان على صغره، ثم يكبر العارفون في لبنان، وتكبر الصحف هناك وقنوات التلفاز والمقاهي، وتكبر النوارس على بحر بيروت والصيادون...

صوت الرصاص يأتي من الرمل. قطة منزلية بيضاء راقدة على حافة حائط يفزعها الصوت... كحول رخيص على شرفة بالكاد تحملكم، بعد سنوات نتذكر سوية ما قلنا في البدايات: آه كم جميلة هي القاهرة، لكن من باريس.

****

خواتمكِ القديمة لمّاعة في الأصابع، وعلى الجدار تعويذة لصيد الأحلام خاطتها أمك. تملأ القطة لحظة سكون في غنائك إذ تمر غير مبالية أمام الكاميرا. ترددين "يا فجر لما تطل... يا فجر لما تطل".

كنتِ قد تركتِ اللاذقية باحثة بين زينة بيروت أيام الميلاد عن شرائط تشبه رمز أبدية هانئة... مرتْ السنون وبقيت هناك، يلهيك ما يجري حولك عن نفسك، وتقضين الوقت مراقبة حال الآخرين كي تهربي من حالك. شريط الزينة صار نسيجاً أحمرَ من خوف مغزولاً عند الباب.

****

من بيروت تأتي المطبوعات إلى مكتبة أو اثنتين في اللاذقية، بعد أن تمر على حواجز لجنود سوريين مرابطين على الحدود يمزّقون بجَلَد صفحة من جريدة الحياة لا تعجبهم. يختار المكتبي، وهو فيلسوف جدلي له حكايته، كيف يوزع الصحف القليلة علينا. نقرأ السفير للافتتاحيات، الأخبار لخواتم أنسي الحاج، نوافذ المستقبل هوساً بما يكتبه وضاح شرارة، ونبحث في الباقي عن ترجمات من عمل بسام حجار. نقرأ كل ما يأتي من بيروت وقوائم التفضيل تطول ولا تنتهي.

****

عراقي رحالة كان قد وصل بيروت قبل عقود من وصول السوريين الهاربين بعد الحرب الأخيرة. أقام البصراوي في المدينة وعاش حصارها ومنها كتب: "قالتْ لي فتاة فلسطينية ونحن بين صيادي بيروت: من هناك تأتي طائرات العدو.. كانتْ سبابتها تمسح العالم كله".

"من بعيد ندرك أن الصورة عن بيروت كانتْ صنيع خيالنا... صورة المدينة اتفاق بيننا، والأصل -نعرف وننكر- ليس ناصعاً كالصورة... نقص في مدننا جعلنا نرى كل ما يتجاوزنا جنة، وبيروت كانت قريبة، كانت حلماً آخر تطاله اليد بعد الشام أو قبلها"

نذكر الشاعر هنا لأنه حقاً أحب بيروت، ولأنه مثل شعراء لنا خيّب الظن، ولأنه كأهالي اللاذقية سليل ميناء عاش أهوالاً صارتْ مضرب المثل. ونذكره لأنه قبل كل ما سبق ترجم قصيدة عن مدن البحر اختصرتْ ما نريد وصارتْ قدراً نردده مستسلمين إذ تضنينا الأحلام والرحلات:

لن تجد أرضاً جديدة، ولا بحاراً أخرى
فالمدينة ستتبعك
وستطوف في الطرقات ذاتها،
وتهرم في الأحياء نفسها
وتشيب، أخيراً، في البيوت نفسها.
ستؤدي بك السبل، دائماً، إلى هذه المدينة
فلا تأْملن في فرار
إذْ ليس لك من سفينة
و لا من طريق.
وكما خربْت حياتك هنا
في هذه الزاوية من العالم
فهي خراب أنى ذهبْت..

الشاعر كان سعدي يوسف والقصيدة لكفافيس.

****

في البيت قصّتْ ماشا شعرها، شعر الغجر الذي تباهتْ به على شواطئ اللاذقية. تغنج قطتها "البيسة" صباحاً في شمس بيروت، ثم تغيب عن العيون حين تعتم وتعود بأسئلة عن غرف للإيجار أو عن أسعار الصرف وأوراق رسمية للسوريين العالقين هناك. تغيب، ويتعبها الغياب فتعود وتسأل عن أصحاب رحلوا ولم يدلّوا الباقين على سبل للهجرة.

"بيروت كانت -رغم زعمائها وأطنان القمامة فيها- تتجاوزنا على بعض مقاييس الحرية درجة أو اثنتين. نقص في مدننا جعلنا نحسدها على كثرة أنواع البيرة فيها، ونحسدها على كثرة أعلامها التي ما أن يرفعها أحد عالياً حتى تتكفل الريح بخفقانها القوي"

تتمدد جنب البيسة تالي الليل وتدندن: "صحي عيون الناس، محبوبي قبل الكل.. محبوبي قبل الكل".

****

بيروت بعيدة اليوم، واللاذقية كذلك، والمسافة في الحال هذه عون للرؤية... من بعيد ندرك أن الصورة عن بيروت كانتْ صنيع خيالنا، مستأنسين في تشكيلها بصور خيالية أخرى عن المدينة في عيون أهلها وعيون أهل طرابلس وبعلبك والباقين. صورة المدينة اتفاق بيننا، والأصل -نعرف وننكر- ليس ناصعاً كالصورة... نقص في مدننا جعلنا نرى كل ما يتجاوزنا جنة، وبيروت كانت قريبة، كانت حلماً آخر تطاله اليد بعد الشام أو قبلها، وبيروت كانت -رغم زعمائها وأطنان القمامة فيها- تتجاوزنا على بعض مقاييس الحرية درجة أو اثنتين. نقص في مدننا جعلنا "نحسدها على كثرة أنواع البيرة فيها، ونحسدها على كثرة أعلامها التي ما أن يرفعها أحد عالياً حتى تتكفل الريح بخفقانها القوي"، قالها سابقاً أصحاب من اللاذقية أحبوا قبلنا بيروت.

ظلتْ المدينة سطراً ناقصاً على قائمة الأماني، لم أزرها، لكني عرفت أيام اللاذقية قطة منزلية بيضاء كسولة تكره قطط الشارع وتظل راقدة على حافة حائط عال. في السر اسميتها بيروت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard