بيروت... كيف يعيش الحب في المدن المنهارة؟

الجمعة 30 يوليو 202102:29 م
Read in English:

How Love Survives Beirut, the Fallen City

في اليوم الأول الذي أقرر فيه الخروج إلى المقهى، أمرُّ بجانب صف طويل من السيارات التي تنتظر الفرج. والفرج هو البنزين، على حد قول جارنا العجوز. أتابع مروري. لا شيء سيوقف رحلتي إلى المقهى اليوم، فلقد تأنقت للمناسبة بما يكفي، ووضعت بعض مساحيق التجميل، لعلّني أقول لنفسي أنا بخير، ولست مكتئبة.

الوجوه في الشوارع تتكرر. الوجوه نفسها لأناس خائفين وقلقين. فلا أحد يعلم متى تتساقط بيروت تماماً، ومتى تحترق، أو تفجّر نفسها، أو حتى تنتحر. نقاش حاد بين رجل وبائع الخضار. متى صار سعر الخضار غالياً الى هذه الدرجة؟ أبتسم. كان دائماً غالي الثمن، لكنني كنت أعيش دوماً في فقاعة، كغيري من الناس، وأدّعي أن البلاد بخير، وتتنفس، وتحبنا كثيراً. أمسح عرقي المالح، ولست أدري إن كان عرقاً أم دموعاً. أكره هذه الدموع. إنها لا تفيد بشيء. يقولون إن ابنة صغيرة اسمها جوري توفت البارحة بسبب نقص الدواء. أحتضن الجنين في رحمي، وأعاود البكاء.

في المقهى، يستقبلني النادل، وهو عابس الوجه. يقول لي: لقد شربت الكثير من الكحول البارحة، وعندما استفقت، أردت الاستحمام، ولم أجد مياهاً. تابع ممازحاً: ربما عليّ أن أملأ غالوناً من المياه، وأذهب لأستحم أمام مجلس النواب، أو السراي الحكومي، أو أي بيت سياسي أستطيع أن "أفش خلقي" أمامه.

صديقة تتصل بي، وتشكو صارخةً من أن العلاقات كلها تنهار في البلد. لا تتحدث إلى زوجها عن شيء، سوى عن مشكلات عالقة لا تنتهي. تقول إنها تشعر بالكره، وإن الصباحات نفسها تتكرر. ثم تسألني سؤالاً لا إجابة له: كيف يعيش الحب في مدن تنهار قيمها، ومقوماتها، وأساسيات الحياة فيها؟".

المغتربون يحملون الدواء في حقائبهم إلينا، ونحمل نحن في حقائبنا موتاً بطيئاً لمدينة تُعصر يومياً كحبة ليمون 

لا جواب. أنهي المكالمة، وأمسح الملح من عينيّ. أفكر في مدن أحببت يوماً زيارتها؛ بغداد السمراء. أبتسم. هي في قعر الانهيار أيضاً. ربما دمشق. اضمحلت هي الأخرى. طيب ماذا عن حيفا وعكا؟ تحت الاحتلال. ماذا عن اليمن ومصر؟ وقبل أن أكمل، يرن هاتفي مرة أخرى.

صديقة تعتذر عن موعد لقائنا، لأن ابنها يعاني من حرارة مفاجئة. وددت أن أحضنها عبر الهاتف، وأقول لها: ستجدين الدواء، والسرير، والأمن، والأمان، كوني بخير.

أنا محبطة مثل كثيرين في بيروت. الكهرباء لا نتذكر وجودها، ولا نأمل حتى بمجيئها. الهواء ملوث جراء انفجارات وقعت، أو ستقع. المياه قررت أن تتلاعب بنا هي أيضاً؛ تزورنا وقت تشاء. أما الدواء، فهو المصيبة الكبرى. المغتربون يحملون الدواء في حقائبهم إلينا، ونحمل نحن في حقائبنا موتاً بطيئاً لمدينة تُعصر يومياً كحبة ليمون.

في جلسة العلاج النفسي الأخيرة، بكيت طويلاً. قلت لطبيبتي إنه لا يمكنها أن ترحل إلى الخارج للعمل، وتتركني، وتتركنا هنا. حاولتْ الحفاظ على وجه متماسك قائلةً: "ما بقى فيني إبقى هون. ويا ريت بحمل بيروت كلها بالشنطة وبفل". حتى طبيبتي سترحل. وهذا يعني أن لا وجود لجلسات خميس، كي "أفش خلقي"، وأشتم هذا العالم الوضيع الحقير الذي يذل المدن كلما أراد.

القهوة لذيذة. أشربها بسرعة، وأردد أمام النادل حكايتي مع بطني المنتفخة. أنا أنتظر ابنة صغيرة. ويستطرد الأخ بدوره قائلاً: "لا يوجد حليب للأطفال عليك بالرضاعة". أدفع الحساب، وأعود راكضة إلى البيت. أصعد السلالم. أتنهد. أفكر بمحمود درويش. كيف قال ما قال؟ "بيروت خيمتنا"؟ كيف يا محمود يعيش الحب في مدن تنهار يومياً، وتحتضر أمام عينيك؟ كيف أقول لذاكرتي انهضي، وقاومي، غداً سيكون أجمل. بيروت علبة سردين، ووطن بلا ماء، ولا كهرباء، ولا دواء، ولا وقود.

القهوة لذيذة. أشربها بسرعة، وأردد أمام النادل حكايتي مع بطني المنتفخة. أنا أنتظر ابنة صغيرة. ويستطرد الأخ بدوره قائلاً: "لا يوجد حليب للأطفال عليك بالرضاعة"

أعود دائماً الى اللحظة الأولى التي يكتشف فيها القلب مدينته. لا أذكر لحظة واحدة لم نعرف فيها تقلباتٍ، ومخاوفَ، وقلقاً. بيروت مصابة بمرض اللا ثبات. مزاجية، وعصبية، وخائفة، وكثيرة الحب. يوم انفجرت كلها على رؤوسنا في الرابع من آب/ أغسطس، جلست طويلاً على الكنبة. حملت ملقط الشعر، ونتفت حواجبي، وشعر رجليّ، ويديّ. مرّ الوقت، وتملكني الخوف أكثر. أردت أن أرحل، لكن عندما أتخيل نفسي خارجها، أختنق من الوجع. أريدها بشدة، وهي لا تريد نفسها. يشرح الأصدقاء مطولاً الثوارت، وكيفية نشوئها، ولا أفهمهم. فبيروت لا تحبل بالثورات طويلاً، حتى يتم إجهاضها. ولا تموت تماماً، ولا تعيش كثيراً. بيروت في غيبوبة. تغيب في غيبوبتها عن الحياة. أي قيمة للحياة، وأنت في مدينة تعيش غيبوبة؟ إذاً نحن كلنا نائمون. لا نحن موتى، ولا نحن على قيد الحياة. آخ يا بيروت.

بعد الاغتيال، تمّ القضاء على الكثير من الوجوه السياسية، والثقافية، والفكرية. وكانت الفاجعة خسارة تلك الأرواح كلها، واغتيالها من دون أن نعرف من يقف وراء هذا كله. وتراوحت الأقوال بين تصفية مصالح دولية، واحتلال سوري، واحتلال إسرائيلي، وأمريكي، وإيراني، وروسي. لا يمكن الحديث عن هذه الحقبة بوصفها الانقسام الأول لبيروت. فهي عانت من الانقسام خلال الحرب الأهلية، ثم جاء الطائف ليؤكد الانقسام الطائفي، عبر تقسيم دولة القانون إلى مقاعد طائفية. بدأت المعادلة في بيروت تكبر وتتضخم؛ فمن الانهيار الاقتصادي، إلى التقاتل السياسي، والفساد، والتدخل الدائم من المحاور الدولية والإقليمية في القرارات الداخلية. وصلت بيروت إلى نقطة تُعد الأسوأ في تاريخها. لقد تمت سرقة الشعب اللبناني كله، من خلال السيطرة على ودائع المواطنين، وحجزها. وسقوط الليرة اللبنانية جعلنا ندفع ثمن تثبيت الليرة منذ الحرب الأهلية، حتى وقتنا هذا. وأخيراً تفجير مرفأ بيروت. هنا سقط كل شيء. وبات التوقع مفتوحاً على سيناريوهات من العتمة، والخطر، واللا أمان. للأسف، هذه البلاد ترزح اليوم تحت حصار داخلي وخارجي. والمسألة تخطت وقع الصبر والثبات. المسألة أصبحت تهديداً يومياً لحياتنا، نحن البشر. ومع اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة، قررت شخصياً أن أضحك طويلاً. الموضوع يا سادة معقد، وعصي على الفهم، إلى درجة تصيبنا جميعاً بالضحك. أنا مصابة بمرض الضحك من كثرة مصائب بلادنا هذه، وشرّ البلية ما يضحك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard