من جمهورية الموز إلى جمهورية البطاطا

الأحد 29 أغسطس 202103:00 م

بيني وبين البطاطا عداوة تاريخية. تعود إلى سن السادسة أو السابعة، عندما أقلعت عن أكلها لمدة عشرين سنة، وكانت عودتي إليها تدريجياً قبل أن أعود إلى تركها. كنت تلميذاً بالسنوات الأولى وكانت ترمى لنا نحن الأطفال الفقراء، في تلك الخرابة بالمدرسة الابتدائية، أواني الألمنيوم المهشمة بها مرق خفيف، هو عبارة عن ماء مغلي ترقص فيه قطع كبيرة من البطاطا غير المقشرة.

كنت لا أطيقها، ووجدت حلاً أمام الطباخة الضخمة سالمة، التي تدور بين الصفوف تراقب أكلنا. كان بجانبي تلميذ جشع لا يكفيه صحنه، فكنت أسرب إليه حبات البطاطا. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تغيّب فيه، ووجدتني وحيداً في مواجهة صحن البطاطا والطباخة سالمة. كنت ألتفت يميناً ويساراً عندما انتبهت إلى وإلى ارتباكي. هرولت نحوي. اكتشفت أني دفعت البطاطا بعيداً في جانب الصحن.

لماذا لم تأكل البطاطا؟ سألتني في غضب.

لا أحبها. همست.

وفجأة جحظت عيناها، وتحولت سالمة إلى وحش، وأخذت تمسك البطاطا وتحشوها في فمي حتى أفرغت الصحن. كانت سالمة الضخمة تدس بأصابعها السمينة الوسخة البطاطا في فمي، وأنا أغالب الغثيان. كان الأطفال يسترقون النظر إلي في رعب. كان فمي مليئاً بالبطاطا، وكان صوتها مليئاً بالصراخ.

بصعوبة أفلت منها وركضت إلى الباب، حيث قذفت ما بفمي وما بجوفي. وتركت "الكنتيلا" (مطعم بالمدارس الابتدائية تقدم فيها وجبات مجانية فقيرة للتلاميذ) للأبد. "الجوع أفضل من البطاطا الملعونة"، قلت لأمي في البيت.

عندما رأيت قيس سعيد يؤمم البطاطا من مخازن التبريد ويبشر بها التونسيين في أول انجازاته بعد احتكاره كل السلطات، عاد لي مشهد الطباخة سالمة وهي تحشو فم الطفل الذي كنتُه بالبطاطا. كانت الديمقراطية التونسية مثل ذلك الطفل. كان الشعب في أول سنة ديمقراطية عندما حشا الرئيس فمه بالبطاطا.

هل يكون قيس سعيد قد أجهز على آخر شريان للثورة وعاد بتونس إلى الاستبداد؟ وهل سبق لتونس أن احتكر رئيس من رؤسائها كل السلطة بهذا الوضوح؟ ألم تكن الدكتاتورية في تونس تتخفى وراء شعارات الديمقراطية لأنها تخجل من نفسها؟

فان كوخ وآكلو البطاطا

في شهر ميسان/أبريل من سنة 1885، بدأ فان كوخ برسم لوحته الشهيرة "آكلو البطاطا". كان مشهداً سوداوياً يعكس حياة الفلاحين الفقراء، يقول الرسام معلقاً على لوحته: "كما ترون، فقد أردت وبشدة تخليد تلك اللحظة. لحظة هؤلاء الناس وهم يأكلون البطاطس على ضوء مصابيحهم الصغيرة، بأيديهم الخشنة التي يزرعون الأرض بها. مطمئنين أنهم حصلوا على طعامهم بأمانة. إن هذه اللوحة تخلد نمط عيش مختلف كلياً عن النمط الحضاري. لذلك فأنا لا أريد أي أحد أن يعجب باللوحة بدون أن يعرف لماذا قمت برسمها".

هكذا يقف بعض معارضي سعيد موقف فان كوخ: "افهموا أولاً لماذا نعارضه".

 قيس سعيد ومسعود  

في مشهد غريب بفيديو بصفحة رئاسة الجمهورية، يظهر شخص بثياب رثة، يتقدم من باب مخزن ويضربه بآلة حديدية حادة فيقطع القفل، ثم يظهر رئيس الجمهورية، يدخل مع عدد من حراسه المخزن، يقلب البطاطا المتراكمة في أكوام. بدا المشهد لا يمت للتحضر بصلة، رافقه صراخ الرئيس في عاملين من العمال البسطاء بالمخزن، وراح يلقي عليهم درساً في مقاومة الفساد ومحاربة الاحتكار. كان المواطنان ينظران بخوف وجزع إلى الرجل الطويل الذي يهدد، عبرهم، صاحب المخزن، ويورطهم في مواقف ينتزعها في المباشر من رب عملهم.

ذكّرنا المشهد بالحاكم بأمر الله في مصر سنة 887م، وما قام به أثناء انحسار ماء النيل، ما نتج عنه غلاء الأسعار. يقول المقريزي في إغاثة الأمة: "اشتد خوف الناس، وعظم الأمر، وانتهى سعر الخبز إلى أربعة أرطال بدرهم". فما كان من الخليفة إلا أن جمع المحتكرين من التجار، وأحكم قبضته على ما بحوزتهم من غلال، وأمر ألا تباع إلا للطحانين.

وقام بتسعير القمح، "كل تليس بدينار"... ثم أنه كان يتعاطى حسبة القاهرة بنفسه، فيلبس جبة صوف أبيض، ويركب على حمار أشهب، قدر بغل، يسمى "القمر"، ويطوف أسواق مصر والقاهرة، ومعه عبد أسود طويل عريض، يمشى في ركابه، يقال له مسعود، فإن وجد أحد السوقة غش في بضاعته، أمر ذلك العبد مسعود بأن يفعل به الفاحشة العظمى، فيفعل به على دكانه والناس ينظرون، حتى يفرغ من ذلك، والحاكم بأمر الله واقف على رأسه؛ وقد صار مسعود هذا مثلاً عند أهل مصر، إذا مزح بعضهم مع بعض بالقول: "أحضر له مسعود".

أعادنا ذلك الرجل بشاكوشه وهو يخلع باب المخزن إلى مسعود، فهل سيمضي قيس سعيد في نهج الحاكم بأمر الله ويمنع فتح المحلات نهاراً؟

أن يقع مقايضة الشعب بالإسلام السياسي مقابل الديكتاتورية هو إجرام جديد تمارسه الدولة ضد شعبها، سبقتها إليها أنظمة أخرى جارة، قايضت شعبها بالأمن مقابل الفساد، وأخرى بعيدة، الأمن مقابل النفط

بعد أيام من حادثة خلع مخزن البطاطا، أطل علينا الرئيس قيس سعيد في مطار تونس قرطاج، مفنداً أن يكون ديكتاتوراً أو أن يكون الوضع السياسي انتكاسة نحو الديكتاتورية، فهو، كما قال، لم ينصب المشانق ولم يطلق الرصاص على أحد.

تبرير مروع قذف به الرئيس الذي جاء إلى السلطة عبر انتخابات شعبية نزيهة في نظام ديمقراطي. فقد قدم في المطار مفهوماً جديداً للديكتاتورية، وهي النظام الذي ينصب المشانق ويطلق النار على الناس، أما عدا ذلك فهو ديمقراطية. 

جمهورية البطاطا

يخرجنا هذا الخطاب السياسي الجديد للقائد الأعلى للقوات المسلحة، قيس سعيد، واجتراحاته المفاهيمية، من جمهورية الموز التي قدمها الكاتب الأمريكي أوليفر هنري، إلى جمهورية البطاطا. وانتقلنا من تجميد النواب إلى فك التجميد عن البطاطا، ونخشى أن ننتقل من الباستافارية، أو ديانة وحش السباغيتي الطائر، إلى البطاطافية، ويدخل العالم في موجة البطاطافوبيا.

على الرغم من بعض فوائد البطاطا إلا أنها تبقى ثمرة خطيرة أيضاً على الجسم، فقد يؤدي الافراط في استهلاكها إلى السمنة المرضية، ولعل السيد الرئيس الذي تضاعف وزنه منذ دخوله القصر الجمهوري، يعرف هذه النقطة بالذات، ويعلم أثر زيادة الوزن في عمره، لكنه مع ذلك مصرّ على إغراق الشعب في البطاطا، وحشو فمه ببطاطا الطباخة سالمة، ليخرس صوته إلى الأبد.

كانت البطاطا عبر التاريخ مرتبطة بحوادث الموت عبر الأكل، فكم من شخص مات مختنقا بحبة بطاطا تسرّع في التهامها، لكن على الأرجح أن الإعلام الذي تحول فجأة إلى إعلام بروباغندا، وشدّه الحنين لأيامه الخوالي ما قبل 2011، سيقدم برامج في أكلات البطاطا.

فيمكنك أن تقليها أو تشويها أو تشكشكها أو تطحنها "بيري"، والبطاطا أساسية في وجبة الكسكسي، وحتى في وجبة المكرونة والمرق و"الكفتاجي"، وحتى في "البرودو"، أكل المرضى، و"الراغو"، أكل المساجين. والبطاطا من المواد الغنية بالألياف والنشويات، لذلك مازال الشعب تحت أثر النشوة، نشوة الانقلاب، وفي عبارة الانقلاب ايحاء جنسي ووقعها في الأذن مستحب، فأنت في المجامعة غانم مهما كانت طبيعة الانقلاب ووضعيتك.

مرّ الشهر الآن الذي حدده الرئيس لنفسه لكي ينهي الحالة الاستثنائية ولم نر شيئاً من محاربة الفساد، ولا رأينا محاكمات وإصلاحات، ولا حتى حكومة، كل ما رأيناه تعيينات لبعض المقربين منه، والمفسرين لبرنامجه السياسي الطوباوي الذي أطلقه أثناء حملته الانتخابية، والذي قال عنه كل الخبراء والمؤرخين إنه برنامج غير واقعي ولا عقلاني.

إن براغماتية حركة النهضة وهوسها بالحكم يجعل منها "خطراً جسيماً" على الديمقراطية، لذلك، فرفض الأحكام العرفية التي تعيشها تونس هو الدفاع عن مطالب الثورة ومكاسبها، والتي أهدرتها حركة النهضة نفسها وأتباعها أولاً قبل أن يعصف ببقاياها الانقلاب

مازال الشعب يهلل لما حدث، منتظراً الإنجازات، فإلى متى سيبقى يهلل للوعود وللتهديدات التي يطلقها الرئيس لخصومه، ولا يفعل شيئاً، مع أنه أصبح صاحب الحل والعقد وكل السلطات تحت يديه؟ بل كان حتى في تعييناته الأخيرة مرتبكاً، يعين ويعزل بعد أيام، كما حدث مع تعيين المدير العام لوحدات التدخّل، حيث اكتشف تحت ضغط أسر شهداء بتالة أن الذي عينه متورط في قتل التونسيين، فاستبعده وغيّره بآخر دون أن يكون عنده الجرأة لعزله.

فهل يكون قيس سعيد قد أجهز على آخر شريان للثورة وعاد بتونس إلى الاستبداد؟ وهل سبق لتونس أن احتكر رئيس من رؤسائها كل السلطة بهذا الوضوح؟ ألم تكن الدكتاتورية في تونس تتخفى وراء شعارات الديمقراطية لأنها تخجل من نفسها؟ وهل ستبقى النخبة صامتة بسبب الحرج الذي وقعت فيه، عندما يصبح الدفاع عن الديمقراطية يصب خراجه في صالح أحزاب الإسلام السياسي؟

حركة النهضة تدخل بيت الطاعة وتغصّ في البطاطا

بدأت حركة النهضة من خلال زعيمها راشد الغنوشي تقدم في التنازلات يوماً بعد يوم، منذ 25 كانون الثاني/يناير، لكسب ود الرئيس قيس سعيد، دفاعاً عن مصالحها وإنقاذاً لنفسها، فقد غابت كلمة انقلاب منذ البيان الثاني لراشد الغنوشي، وظل يتنازل حتى حل المكتب التنفيذي للنهضة، وقدم البلاغات الكثيرة التي تؤكد وقوفه مع الرئيس الذي يسخر منه طوال الوقت.

لا يبدو أن فيما يقدم عليه راشد الغنوشي أي حكمة، ولا يمكن رده إلى الدهاء السياسي، بقدر ما هو أسلوب النهضة القديم/الجديد. وهذا ما سيجعل الأحرار يتخففون من عبء الإدلاء بمواقفهم في تماسها مع أزمة النهضة في المشهد السياسي، وسيظهر من يدافع عن الحرية من أجل الحرية نفسها وعن الديمقراطية، من المدافعين عن النهضة التي تلعب الآن لعبة القط الأليف الذي يداعب أسفل ساق الرئيس بذيله.

إن دخول حركة النهضة إلى بيت الطاعة لا يعني الأصوات الحرة في شيء، فقد دخلته منذ 2011، وبعدها حتى انتدبت أميناً عاماً (التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي نفسه) محمد الغرياني، في تحد فاضح لمشاعر الشعب وشهدائه، ودخلت بيت الطاعة قبل ذلك، عندما بايع مرشدها، راشد الغنوشي، الرئيس بن علي عندما أخرجه من سجنه.

إن براغماتية حركة النهضة وهوسها بالحكم يجعل منها "خطراً جسيماً" على الديمقراطية، لذلك، فرفض الأحكام العرفية التي تعيشها تونس هو الدفاع عن مطالب الثورة ومكاسبها، والتي أهدرتها حركة النهضة نفسها وأتباعها أولاً قبل أن يعصف ببقاياها الانقلاب.

لم يكن الدفاع عن الحريات قبل 2011 غايته تمكين حركة النهضة أو دعوة لظهورها من جديد، بل دفاع عن المبادئ والحريات الإنسانية للتونسي ليمارس حقوقه وفق نظام ديمقراطي. إن دخول حركة النهضة إلى بيت الطاعة من جديد دليل على تورّطها وانتهازيتها السياسية، واستعدادها التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، والتضحية بالشعب والأرض من أجل استمرار وجودها السياسي، وما مغازلتها للدكتاتور الصغير القادم على مهل إلا دليلاً آخر على ارتباطها التاريخي الإخواني بثقافة عدم الخروج عن الحاكم حتى لو كان جائراً.

يبقى التونسيون يتساءلون: لماذا لم ينخفض حتى سعر البطاطا المحررة سيادة الرئيس؟

ولا يمكن أن ننسى أنها ساندت قيس سعيد في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فهي لا ترى تناقضاً بين مشروعه "السلفي "ومشروعها الرجعي إلا في التفاصيل. ولا يمكن أن ننسى أنها جنحت إلى التكتل مع كتلة منافسه في الانتخابات التي صوتت ضده، نبيل القروي، بعدما وصفته بأشنع الأوصاف في الحملة الانتخابية واعتبرته رمزاً للفساد. لذلك لا تعد النهضة ومواقفها المتحولة مرجعاً لكي يتخذ التونسيين موقفاً مما حدث.

إن غصّت النهضة بالبطاطا فهذا متوقع، لأن على النضال الحقوقي الحق والفعلي من أجل الديمقراطية، أن يكون حراً ومتحرراً من كل تحزب، ولا اصطفاف إلا خلف الحق في الحرية وإرادة الحياة. 

أن يقع مقايضة الشعب بالإسلام السياسي مقابل الديكتاتورية هو إجرام جديد تمارسه الدولة ضد شعبها، سبقتها إليها أنظمة أخرى جارة، قايضت شعبها بالأمن مقابل الفساد، وأخرى بعيدة، الأمن مقابل النفط.

إن ابتسامة رئيس دولة النادرة التي ظهرت في زيارته لمصر بجانب المغنية لطيفة العرفاوي، والتي أًصبحت حدثاً، فقد ابتسم المكفهر أبداً، تلعب دور الإشارة أو عبارة "ديليسبس" التي جاءت في خطاب عبد الناصر لتأميم قناة السويس، ولكنها أيضاً تنهض مؤشراً على هذه التعاسة التي زجّ فيها الشعب التونسي بفضل منظومة سياسية فاشلة، يترأسها رئيس ساخط طوال الوقت، يقذف كتنين لعابه على كاميرا الرئاسة وجمهورية البطاطا، معلناً تمديد الاجراءات الاستثنائية لغاية إشعار آخر، ويجيب أسئلة شعبه والعالم عن خارطة الطريق:

"اذهبوا إلى كتب الجغرافيا"، ففيها خرائط كثيرة، ومندداً بكل من يصفه بالديكتاتور، فهو لم يشنق أحداً، ولم يطلق الرصاص على أحد. ويبقى التونسيون يتساءلون: لماذا لم ينخفض حتى سعر البطاطا المحررة سيادة الرئيس؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard