جريمة قتل جمال بن إسماعيل… تعيد الجدل حول تفعيل عقوبة الإعدام في الجزائر

الخميس 26 أغسطس 202101:50 م

في الجزائر، هذه الأيام، جدل قديم جديد، عنوانه "عقوبة الإعدام"، على الرغم من أن الفترة الحالية تتزامن مع العطلة السنوية. فالجريمة البشعة التي راح ضحيتها الشاب الجزائري المتطوع جمال بن إسماعيل في بلدة "الأربعاء ناث إيراثن"، في محافظة تيزي وزو الجزائرية (تبعدُ نحو 100 كيلومتر عن العاصمة)، في ذروة أزمة حرائق الغابات، والتي وضعت الجزائر برمتها على فوهة بركان الغضب، حركت مشاعر الرأي العام المحلي، وشحنت نفوس الجزائريين الذين يدعمون، بغالبيتهم المُطلقة، مطلب تفعيل حكم الإعدام المجمّد منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وبالتحديد سنة 1993.

الجدل الدائر حول هذه العقوبة، عاد بقوة في الآونة الأخيرة، بعد قضية التنكيل بالشاب جمال، الذي تم حرقه في مدينة تيزي وزو (مدينة الزيتون)، بعد ذهابه إلى هناك للتطوع والمساعدة في إخماد حرائق الغابات المشتعلة.

مشهد الحرق كان كافياً لإشعال نار الغضب في قُلوب الجزائريين، الذين ضاقوا ذرعاً باتساع رقعة الجريمة، بمختلف أنواعها من اختطاف، واغتصاب، وقتل، وتنكيل بالجثث، فلا يكاد يمر أسبوع، أو أسبوعان، من دون أن يستيقظ الجزائريون على جريمة يتجرد فيها الجناة من صفات الإنسانية كلها، ولا تختلف وحشيتهم عن وحشية تنظيم الدولة الإسلامية.

"إعادة تطبيق حكم الإعدام في حق القتلة، أصبح ضرورة ملحة، ويمكن التأكيد على أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين، وبعد الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الشاب المتطوع جمال، يؤيدون ذلك"

في ثورة الغضب المشتعلة التي كان وقودها جريمة تيزي وزو، عاد مطلب تفعيل حكم الإعدام ضد القتلة والمجرمين، الذي يعدّه الكثيرون في الجزائر حلاً رادعاً لتلك الجرائم.

وكانت السلطات الجزائرية قد جمّدت تنفيذ حكم الإعدام سنة 1993، إذ طبّقت آخر حكم بالإعدام سنة 1992 على المسؤولين عن عملية تفجير مطار هواري بومدين، الذي أودى بحياة 12 شخصاً، وجرح 125 آخرين، وعلى الرغم من أن الجزائر جمّدت تنفيذ هذه العقوبة، وحتى أنها صوتت على قرارات حديثة في شأن وقف عمليات الإعدام في أنحاء العالم جميعها، تبنتها الجلسة العامة للجمعية العام للأمم المُتحدة، ولعل أبرزها القرار الصادر بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر 2020، غير أن محاكمها لا زالت تنطقُ بهذه العقوبة، إذ أحصت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حُقوق الإنسان وهي تنظيم حُقوقي بارز، صُدور 750 حكماً في البلاد، منذ سنة 2008، يتعلق معظمها بجرائم الإرهاب، والقتل العمد، والجاسوسية.

الجدلُ الكبير الذي أثارته هذه الجريمة التي هزت الشارع المحلي، وحتى الدولي، وأعادت إلى الأذهان الجرائم البشعة التي ارُتكبت في تسعينيات القرن الماضي، أو ما يُعرف بـ"العشرية السوداء"، جعلت بعض الأطراف تتحرك لتبني الغضب الشعبي الذي تسببت فيه هذه الجريمة البشعة، وفي مقدمتهم مجموعة من المحامين الجزائريين، بينهم المحامي تواتي لحسن، وبورنان حسنة، وبوترعة إبراهيم، وزواوي محمد، وعادل إسماعيل، وبحبالي طارق، وبن جابر نبيلة.

الدعوة للقصاص

وطالب المحامون الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بالتدخل بما يملك من صلاحيات دستورية لمراجعة مصادقة الجزائر على القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، المُتضمن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، وإعادة تفعيله من جديد.

وقد انخرط في هذه الدعوات أيضاً، رجال دين، إذ بدأت القضية تأخذ بعداً دينياً يُعرف في المُجتمعات العربية جميعها بـ"القصاص"، إذ يقول رئيس نقابة الأئمة في الجزائر جلول حجيمي لرصيف22 إن إعادة تطبيق حكم الإعدام في حق القتلة، أصبح ضرورة ملحة، ويمكن التأكيد على أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين، وبعد الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الشاب المتطوع جمال، يؤيدون ذلك. ويؤكد أنه من أهم السمات التي تتميز بها الشريعة الإسلامية الحنيفة، القصاص كعقوبة للجرائم، وهذه العُقوبة في الشريعة الإسلامية ثابتة، ولها سندها في القرآن الكريم.

"حكم الإعدام في بعض الجرائم الكبيرة، خاصةً القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، أصبح أكثر من ضروري لاعتبارات عدة، أولها ردع المجرمين لأنهم يعلمون أن نهايتهم هي الموت، ولا أمل لهم في العفو، كما أن هذه العقوبة يمكن وصفها بـ’الحكم العادل’، من الضحية وأهلها، وهي بمثابة رد بعض الاعتبار إليهم"

ورأى أن الأحكام القانونية الصادرة حالياً، لم تحل مشكلة العنف، بل تفاقمت الظاهرة بشكل كبير، وفي كل يوم نستيقظ على مشاهد مرعبة، وعلى مزيد من الجثث.

ويحيط الكثير من الغموض بالطريقة التي تم من خلالها تجميد تنفيذ عقوبة الإعدام، إذ يتساءل الحقوقي والمحامي الجزائري عبد الحفيظ كورتل عن الجهة التي تقف وراء تعليق تنفيذ هذه العقوبة في الجزائر، على الرغم من أنها لا تزال قائمة في القانون، بدليل أن السلطات القضائية أصدرت أحكاماً عدة في هذا السياق، غير أنها لم تُنفَّذ، ويقول: "السؤال المطروح اليوم، هو من أصدر التعليمات الشفهية، أو الكتابية، لتعليق العمل بهذه العقوبة".

وفي رأي المحامي الجزائري، فإن مثل هذه الجرائم عقوبتها الإعدام لا محالة، وهو أقل ما يمكن فعله، خاصةً وأننا أمام جرائم من نوع خاص، فجريمة تيزي وزو اشتهرت بكثرة المنفذين، ومعظمهم عناصر يشغلون مناصب مرموقة في المجتمع، بينهم الجامعي المتخصص في الشريعة الإسلامية، والممرضة، والصيدلاني.

وأعلنت المصالح الأمنية في الجزائر، عن توقيف أكثر من 60 مُشتبهاً بهم إلى حين خطّ هذه السطور، وتم ضبط بعضهم متخفّين في ملابس نسائية، وكانوا على وشك امتطاء قوارب الهجرة السرية انطلاقاً من محافظة وهران غرب العاصمة الجزائرية، بينما تم إرجاع آخرين كانوا أيضاً في صدد قطع الحدود في اتجاه المملكة المغربية.

صراع سياسي حول الإعدام

ولم يبقَ النقاش حول هذه القضية محصوراً بالحقوقيين والمحامين في الجزائر، بل دخل على الخط سياسيون. فحزب العمال الجزائري الذي تقوده الزعيمة اليسارية لويزة حنون، منذ تأسيسه عام 1990، أعلن رفضه تطبيق عقوبة الإعدام في حق الجناة، حتى أنه قال إنه يرفض استغلال قضيته، لإعادة بعث تطبيق الحكم القانوني من جديد، وتفعيله، وليست هذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها الحزب ركوب موجة الداعين إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، ومبرره في ذلك أن هذا الحل لن يحل معضلة ظاهرة العنف في المجتمع الجزائري. ولتدعيم موقفه، استدل الحزب بأمريكا، وقال إنه لو كان حكم الإعدام كافياً، لخلت من الجرائم.

وعلى النقيض من ذلك، دعمت الأحزاب الإسلامية في الجزائر مطلب تفعيل عقوبة الإعدام، ويقول القيادي البارز في حركة مجتمع السلم الجزائرية (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد) أحمد صادوق، لرصيف22، إن حكم الإعدام في بعض الجرائم الكبيرة، خاصةً القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، أصبح أكثر من ضروري لاعتبارات عدة، أولها ردع المجرمين لأنهم يعلمون أن نهايتهم هي الموت، ولا أمل لهم في العفو، كما أن هذه العقوبة يمكن وصفها بـ"الحكم العادل"، من الضحية وأهلها، وهي بمثابة رد بعض الاعتبار إليهم.

ويقترح صادوق أن تشرّع الجزائر لهذا الحكم، حتى يُستعمل عند الضرورة، في مثل جريمة قتل جمال بن إسماعيل وذبحه، إذ اغتيل بوحشية، وهمجية، وبربرية، وتم التنكيل بجثته بشكل جماعي، وهؤلاء يُفترض أن يطبَّق في حقهم حكم الإعدام، حتى يكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه التمرد على القانون، والتجرؤ على ارتكاب الجرائم، ومن أمن العقاب أساء الأدب، كما فعل هؤلاء.

وحول ما إذا كانت الجزائر ستعود إلى تطبيق حكم الإعدام، وإن على جرائم محدودة، يستبعد الباحث في الشؤون السياسية مبروك كاهي، إعادة تفعيل هذه العقوبة، لارتباطات داخلية وخارجية، ويقول لرصيف22 إن القرار مرهون بمدى موافقة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كونه القاضي الأول في البلاد.

ومن بين الارتباطات الداخلية التي تحول دون تطبيق هذه العقوبة، يقول كاهي إن المجتمع الجزائري غير متعود عليها، فهي غير معمول بها منذ ثلاثين سنة تقريباً، بالإضافة إلى الضغوط الداخلية التي تتعرض لها الجزائر من قِبل منظمات حقوقية، كذلك يشير المتحدث إلى المخاوف القائمة حول إساءة استخدام العقوبة، وتفعيلها لتصفية حسابات سياسية، ولئلا تُستعمل كوسيلة للعودة للنظام الديكتاتوري الشمولي التسلطي.

ومن الناحية الخارجية، يؤكد كاهي أن الجزائر مُرتبطة باتفاقيات دولية عدة، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي، أضف إلى ذلك إمكانية دخولها في صدام قوي مع المنظمات الدولية، لا سيما الرافضة منها للعقوبة، والمدافِعة عن حقوق الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard