مطرقة ثور وعصى موسى وسيف ذو الفقار... ما حمله الآلهة والأنبياء والقادة

الاثنين 6 سبتمبر 202110:58 ص

إن الباحث في الميثولوجيا والتاريخ، سيلاحظ أن هناك ثمة علاقة وطيدة بين متعلقات الآلهة والأبطال من جهة، وثقافة العصور التي عاشوا بها من جهة أخرى، الأمر الذي يمكن فهمه من خلال الرجوع لمجموعة كبيرة من تلك المتعلقات، ومنها على سبيل المثال ميولنير وهي مطرقة الإله ثور في الأساطير الإسكندنافية، وعصا النبي موسى في الكتب الإبراهيمية المقدسة، فضلاً عن ذي الفقار، السيف الأسطوري لعلي بن أبي طالب، والذي أسهبت المصادر الشيعية في الحديث عنه.

مطرقة ثور وعصى موسى وتاج المسيح وسيف ذو الفقار... ما حمله الآلهة والأنبياء والقادة في الميثولوجيا والتاريخ

العصا: من دبوس نعرمر إلى درة عمر

من المُرجح أن أول استخدام بشري منظم للعصا قد وقع أثناء مرحلة الجمع والالتقاط، حيث استخدمت بعض العُصي المصنوعة من فروع الأشجار للوصول إلى بعض الثمار العالية، تلك التي لم يكن بوسع الإنسان الوصول إليها.

استخدمت العُصي بعد ذلك في مرحلة أكثر تحضراً، وهي تلك التي عرف فيها الإنسان الصيد، وكذلك بعد أن تمكن من استئناس العديد من أنواع الحيوانات، فصار من الطبيعي أن يحمل راعي القطيع العصا في يده، وكان يستعملها في جمع القطيع وتنظيمه، وربما استخدمها أيضاً في عقاب بعض الحيوانات غير المطيعة.

من هنا، فإن العصا قد احتلت منذ تلك الأزمنة السحيقة مكانة خاصة في منظومة الرمزيات المرتبطة بالسلطة، وفي هذا السياق برزت عصا شيخ القبيلة، والتي نُظر إليها على كونها رمزاً مهماً من رموز السيطرة والحكم. من المهم هنا أن نشير إلى احتمالية وقوع الارتباط بين العصا من جهة وهيئة الأعضاء التناسلية الذكورية من جهة أخرى، الأمر الذي يفسر رمزية العصا، والتي تماشت مع الهيمنة والسطوة التي حظي بها الذكور، مع التحول المجتمعي من عصر الماترياركي/ الأمومية إلى العصر البطرياركي/ الأبوي.

في الميثولوجيا اليونانية القديمة ظهرت العصا بأشكال وصور متعددة، على سبيل المثال اشتهرت عصا أسكليبيوس، إله الطب والشفاء عند اليونانيين القدماء، وهي العصا التي صارت ترمز الآن للأدوية والعقاقير. أيضاً، اشتهرت عصا هيرميس، والتي تتحدث الميثولوجيا الإغريقية أن الإله زيوس -كبير الآلهة- قد أهداها لرسول الآلهة هيرميس، وأن الأخير قد استخدمها للفصل بين حيتين متصارعتين.

في الميثولوجيا اليونانية القديمة ظهرت العصا بأشكال وصور متعددة، على سبيل المثال اشتهرت عصا أسكليبيوس، إله الطب والشفاء عند اليونانيين القدماء، وهي العصا التي صارت ترمز الآن للأدوية والعقاقير

في أحيان أخرى تم تعديل صورة العصا لتتحول إلى سلاح في يد الإله، ومن ذلك الحربة العظيمة ذات الشعب الثلاث، والتي ظهرت في يد بوسيدون إله البحر في التماثيل القديمة.

في التاريخ المصري القديم ظهرت العصا كرمز قوي من رموز السلطة، فعلى سبيل المثال تظهر لوحة نعرمر (وهي لوحة شهيرة تعود للألف الرابع قبل الميلاد) الملك نعرمر، أول ملوك مصر الموحدة، وهو يمسك بعصاه/ دبوس القتال، ويهوي بها على رأس أحد الأسرى من الوجه البحري، في إشارة واضحة لفرض سطوته التامة على الدلتا وتوحيده مصر في كيان سياسي واحد.

عصا الراعي (حكا) والمذبة (انخخ)، كانا أيضاً من ضمن الرموز المستخدمة في المجتمع المصري القديم. إذ كانت عصا الراعي رمزاً للملكية، بينما عبرت المذبة عن خصوبة الأرض، وكانت أشهر النماذج التي تؤكد على أهمية العصا والمذبة في المعتقد المصري القديم، تلك النقوش التي حُفرت على تابوت الملك المصري توت عنخ أمون، وهي النقوش التي ميزت هذا التابوت الذهبي الفخيم، الذي أدهش الملايين حول العالم.

القرآن الكريم أكّد على الأهمية الكبرى التي حظيت بها عصا النبي موسى، إذ سأله الله عنها عندما كلمه فوق جبل الطور، وبحسب ما ورد في سورة طه، فإن الله لما سأله: "وما تلك بيمينك يا موسى"، أجاب النبي: "قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى".

عصا موسى كانت سبباً في الكثير من المعجزات التي عرفها بني إسرائيل في الحقبة الموسوية، إذ يحكي القرآن الكريم أن موسى قد ألقى بها أمام فرعون لتتحول إلى حية عظيمة وتبتلع حبال وعصي السحرة، كما أنه لما ضرب بها الحجر تفجرت اثنا عشر عيناً ليشرب منها بني إسرائيل الماء العذب.

أما أهم المعجزات المنسوبة لعصا موسى، فقد تمثلت في قدرتها على شق البحر وتأمين ممر لهروب بني إسرائيل من فرعون، الأمر الذي يحكيه القرآن الكريم في سورة الشعراء: "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ. فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ".

في المسيحية، تظهر أهمية العصا كأحد أدوات السلطة الكهنوتية، ففي الكنيسة الأرثوذكسية يحمل البطريرك خلال الاحتفالات الليتورجية، ما يُعرف بـالعصا الأسقفيّة أو عصا الرعاية أو العكاز، وهي العصا التي يتحدث عنها القمّص إشعياء عبد السيد فرج في كتابه "مقدمة في علم اللاهوت الطقسي"، ويشرح دورها، فيقول إنها تشير إلى الحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية لكي تنقذ من ينظر إليها، لما زادت لدغات الأفاعي وعانى منها بنو إسرائيل أثناء فترة التيه. من المهم هنا أن نذكر أن الصليب، وهو أهم الرموز المسيحية على الإطلاق، يجمع في شكله عصا خشبية.

في التاريخ الإسلامي أيضاً، تمتعت العصا بأهمية بالغة، ولا سيما كرمز للسلطة السياسية، فكان القضيب/ الصولجان من رموز السلطة المهمة التي تمتع بها الخلفاء/ السلاطين، فتباهوا بها، وتفننوا في تزيينها بشتى الوسائل.

من بين أشهر العُصي التي عرفها التاريخ الإسلامي، تلك المعروفة بدرة عمر بن الخطاب، وكانت نوع من العُصي القصيرة، التي تشبه السوط وقد اشتهرت بين العامة والخاصة حتى قيل: "كانت دِرَّة عمر أهيب من سيف الحجّاج"

من بين أشهر العُصي التي عرفها التاريخ الإسلامي، تلك المعروفة بدرة عمر بن الخطاب، وكانت نوع من العُصي القصيرة، التي تشبه السوط.

المصادر التاريخية تحكي أن الخليفة الثاني قد استخدم درته كثيراً لتأديب الولاة، وقمع البدع والمظالم، والقضاء على الدعوات الخارجة عن الإسلام، وقد اشتهرت تلك الدرة بين العامة والخاصة، حتى نُقل عن التابعي عامر الشعبي قوله: "كانت دِرَّة عمر أهيب من سيف الحجّاج"، وذلك بحسب ما يذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان".

السيف والقوس: إكسكاليبر وذو الفقار

رمز السيف دائماً للشرف والمروءة، كما أنه كان السلاح الذي تنافس فيه عظماء الأبطال وكبار المحاربين على مر القرون. ظهر السيف في ميادين القتال في العصر الحديدي، وتطور بعدها شيئاً فشيئاً ليأخذ الكثير من الأشكال والأحجام، والتي اختلفت من بلد إلى أخرى، ومن شعب لآخر.

الكثير من الأمم المحاربة، ومنها شعوب الفايكنج على سبيل المثال، كانت ترى أن وجود السيف في يد المقاتل عند مقتله، الشرط الوحيد اللازم الذي يضمن لروح المتوفى الدخول إلى الجنة الأبدية فالهالا.

من هنا نستطيع أن نفهم سبب إقحام رمزية السيف في الكثير من القصص والأساطير شرقاً وغرباً. على سبيل المثال، حيكت الكثير من الروايات عن سيف الملك الأسطوري أرثر المسمى إكسكاليبر، ومنها أنه كان مثبتاً في كتلة من الصخر، وأنه كان من المستحيل أن ينجح أي شخص في سحبه من تلك الكتلة، إلا الشخص الموعود، الذي شاءت له الأقدار أن يعتلي كرسي العرش. كما قيل إن صاحب هذا السيف لا يُقتل في المعارك، وإن أرثر لما سحبه من الصخر فأن وميضه قد أعمى عيون العشرات من الأشخاص.

فيما يخص الثقافة العربية، نجد أن السيف قد حظي بقدر هائل من الرمزية، تلك التي ارتبطت بالسياسة والحكم والسلطة. بحسب الكثير من المصادر الإسلامية، فإن سعد بن سيل الزهراني، جد قصي بن كلاب لأمه، كان أول من حلّى السيوف بالفضة والذهب. أما أهم السيوف في الثقافة الإسلامية، فيتصدرها بالطبع سيف الرسول، والذي أوردت بعض المصادر قصص التنافس عليه بين الخلفاء الأمويين والأئمة العلويين.

أشهر السيوف التي عرفتها الثقافة الإسلامية، هو سيف علي بن أبي طالب، المسمى بذي الفقار. فما هو أصل هذا السيف؟ وما هي الظروف التي وصل فيها إلى يد عليّ بن أبي طالب؟

فعلى سبيل المثال، يذكر الحسين بن حمدان الخصيبي، في كتابه "الهداية الكبرى"، أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حاول أن يجرد علي بن الحسين من ميراثه الروحي، فطلب منه أن يشتري سيف الرسول ودرعه مراراً وتكراراً، وألحّ عليه في هذا الطلب، وعرض عليه مبالغ ضخمة، ويروي أنه لما أصر عبد الملك على طلبه وهدد علي بن الحسين إذا بقي على موقفه الرافض، طلب الأخير منه أن يكتب كتاباً يُشهد فيه قبائل قريش، على كونه وارث رسول الله دون كل هاشمي وهاشمية، فوافق عبد الملك.

أما أشهر السيوف التي عرفتها الثقافة الإسلامية، فكان هو سيف علي بن أبي طالب، المسمى بذي الفقار. الروايات التاريخيّة اختلفت بخصوص تعيين أصل هذا السيف، والظروف التي وصل فيها إلى يد عليّ بن أبي طالب. إذا ما رجعنا للكتابات السنية، ومنها "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري، و"فضائل الصحابة" لابن حنبل.

فإن ذا الفقار كان سيفاً غنمه الرسول في غزوة بدر، وفي غزوة أحد، لما انهزم معظم المسلمين وتركوا الرسول وحيداً أمام المشركين، فإن الرسول قد أعطى سيفه لعليّ، الذي تصدّى للكفار وأبعدهم عن الرسول بعدما قتل وجرح الكثير منهم. بعض الروايات تذكر أن علياً لما قام بذلك، فأن جبريل قد نادى من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.

أما إذا ما تطرّقنا للروايات الشيعيّة التي تحدّثت عن سيف ذي الفقار، لوجدناها في أغلبها تتجه لإضفاء الطابع الخوارقي والإعجازي على هذا السيف.

في بعض روايات كتاب "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي، ورد أن هذا السيف كان لنبي الله آدم، وأنه كان مصنوعاً من أوراق إحدى الأشجار في الجنّة، فلما نزل آدم إلى الأرض، أخذ معه السيف وحارب به أعداءه من الجنِّ والشياطين، وانتقلت ملكيّة هذا السيف بعد آدم في سلسلة الأنبياء والرسل، حتى وصل يد النبي محمد، فأهداه لابن عمّه عليّ بن أبي طالب، ويُحكى أنه كان مكتوباً على نصل هذا السيف "لا يزال أنبيائي يحاربون به نبي بعد نبي وصديق بعد صديق حتى يرثه أمير المؤمنين فيحارب به عن النبي الأمي"٠

وإذا كان السيف قد ارتبط في المخيال الشيعي بشخصية علي بن أبي طالب، فإنه قد ارتبط في المخيال السني بشخصية خالد بن الوليد، ذلك القائد العسكري المظفر الذي تمكن من الانتصار على جيوش الفرس والروم في العشرات من المعارك الكبرى، والذي اشتهر بكونه سيف الله المسلول، وبأن الرسول قد مدحه قائلاً: "نعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ؛ سيفٌ من سيوفِ اللهِ"، وذلك بحسب ما يذكر الترمذي في سننه.

إذا كان السيف قد ارتبط في المخيال الشيعي بشخصية علي بن أبي طالب، فإنه قد ارتبط في المخيال السني بشخصية خالد بن الوليد

القوس والنشاب

القوس والنشاب كانا أيضاً من بين الأسلحة التي وقع الاهتمام بها، إذ رمزا لنوع من أنواع القوى السحرية، التي من شأنها أن تطول العدو البعيد. على سبيل المثال، ظهر كل من الإله العراقي أشور، والإله اليوناني أبولو في النقوشات والرسومات القديمة، وفي يدي كل منهما قوس يوجهه ناحية أعدائه.

أما العهد القديم فقد حدثنا عن حادثة قتل داود للمحارب الفلسطيني جليات، عندما استخدم الأول مقلاعه فأصاب جبهة الثاني، قبل أن يجهز عليه بالسيف بعدها، في واحدة من أهم اللحظات الملحمية في التاريخ الإسرائيلي.

في التاريخ الإسلامي أيضاً وقع الاهتمام بالقوس، فعلى سبيل المثال اشتهر الصحابي سعد بن أبي وقاص بمهارته في رمي السهام في المعارك، وكان أول من رمى في الإسلام، وقد نُقل عن الرسول قوله مشجعاً لسعد في أحد المعارك "ارْمِ سعد فِداك أبي وأمِّي"، وذلك بحسب ما يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري".

القبعة

لما كان الإنسان قد اهتم بتغطية رأسه منذ زمن بعيد، حمايةً لنفسه من أشعة الشمس الحامية أو الأمطار، فأن فكرة القبعة/ التاج/ العمامة قد أخذت موقعاً مهماً في الثقافة الإنسانية، وارتبطت بالكثير من الرمزيات السياسية والمجتمعية المعتبرة.

النقوشات المصرية القديمة أبرزت تفوق نعرمر على الوجه البحري من خلال رسمه وهو يضع تاج الشمال على رأسه، أما الميثولوجيا اليونانية القديمة، فقد حرصت على تصوير الإلهة هيرا وهي ترتدي التاج الذي يؤكد تفوقها على باقي الآلهة.

في بعض الأحيان، تحظى بعض أشكال القبعة بمجموعة من القدرات السحرية، ومنها خوذة الإله هادس، التي تخفي صاحبها عن الأنظار، وهي الأسطورة التي ستشيع فيما بعد في شتى الثقافات الإنسانية.

تاج الشوك

 القيثارة، الناي، والعود... الآلات الموسيقية التي ارتبطت بالآلهة والملوك

أما في الثقافة المسيحية، فسنجد اعتباراً خاصاً لتاج الشوك الذي وضع على رأس المسيح عند تعذيبه قبل صلبه، فيما سيُستبدل التاج بالعمامة في الثقافة الإسلامية، إذ سيهتم الملوك بها، للدرجة التي ستجعل منها رمزاً معبراً  للمكانة الاجتماعية والأصول الأسرية، ولا يزال رجال الدين الشيعة الذين ينحدرون من نسل الرسول حتى اليوم يضعون العمامة السوداء فوق رؤوسهم، تمييزاً لهم عن أقرانهم من العامة الذين يستخدمون العمامات البيضاء التقليدية.

القيثارة والناي

فيما يخص آلات العزف والموسيقى، فقد نالت هي الأخرى حظاً وافراً من الاهتمام، ومنها على سبيل المثال كل من قيثارة الإلهة الكنعانية عشتار، والتي ستنتقل إلى الميثولوجيا اليونانية مرتبطةً بالبطل اليوناني أورفيوس بن الإله أبولو، قبل أن تعود أدراجها إلى أرض فلسطين مرة أخرى، إذ يحدثنا الإصحاح السادس عشر من سفر صموئيل الأول عن ارتباط داود بالقيثارة/ العود، وكيف أنه قد اعتاد العزف للملك شاؤول لـ"يطيب ويذهب عنه الروح الردي".

الناي أيضاً يظهر كمتعلق من متعلقات الألهة المصرية القديمة، فبحسب ما ورد في بعض الأساطير، فإن أوزيريس قد علم المصريين عزف الناي ليعبروا عما يجيش بصدورهم من شكاوى وآلام، وقد تبدو هذه الأسطورة مفهومة في ظل الزراعة الكثيفة لنبات القصب البري -الذي صُنع منه الناي- في العصور القديمة. أيضاً يظهر الناي في الصور المعروفة للإله الهندوسي كريشنا، والتي يقدم فيها هذا الإله في صورة أمير صغير يستخدم الناي ببراعة ليعزف أجمل الألحان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard