الأغنية في مواجهة القلق

الخميس 29 يوليو 202110:38 ص

منْ مِن أبناء جيلي من السوريين لم يسمع أغنية النصر الفوتبولي التي غنّاها عصمت رشيد في نهاية الثمانينيات. جاءت الأغنية بمناسبة دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط وكانت تقول: "هات الجول، جيب الجول، هزّ الملعب عرض وطول"، وتعاد على شاشات التلفاز عندما يربح المنتخب الوطني مباراة فوتبول.

كنت في الخامسة وقتها، ولأول مرة أكتشِف أنه يمكن للأغنية أن تكون "عن" شيء يمكن لي فهْمه، بعيداً عن الحب والوصال والهجران التي لم تكن إلا مجرد مفاهيم عصيّة على فهمي الطفولي. كانت من أول الأغاني التي حفظتها كطفل، وأذكر كم كنت أرددها بما يشبه التراتيل الوسواسيّة في باص المدرسة، أنا الطفل المسالم والطالب النجيب. كان للأغنية الفضل في أن تأخذني إلى مساحة عقلية آمنة بعيداً عن عفاريت القلق والخوف التي تأتي مع مفارقة حضن الأم إلى جوف المدرسة المليء بالأطفال المشاكسين المتنمّرين.

اللاذقية، ملكة التناقضات

في سوريا الثمانينيات القاسية، لأسرة ميسورة من أعلى الطبقة المتوسطة وفي "عروس الساحل"، تلك المدينة المعقّدة، ملكة التناقضات، النائمة في حضن المتوسط، علّمني أهلي الموسيقى الكلاسيكية الغربية بعمر السابعة عزفاً على البيانو. ربما لاهتمامهم بالفنون، أو لأنّها كانت موضة دارجة لتنمية مواهب الأطفال أو للاستعراض العائلي، أو كل ما سبق.

بدأت مشروع "تعشيق" في محاولة لتقديم قصيدة النثر السورية في المهجر الأميركي، مع عناصر من الموسيقى والفن البصري، كأنّه امتداد لرغبة خفيّة في داخلي كي أعمل شيئاً من عجينة الكلمة واللحن والصورة التي تعشش في رأسي وتنخر هواجسي

الحاصل أنّي تعلّمت مبادئها وقراءتها بفتور، لتكون لي معها علاقة حب وكراهية على مدى سنوات. حتى أمسكت العود لأوّل مرة في الرابعة والعشرين من العمر، فتغيّرت علاقتي مع الموسيقى. تعلّمت العود في سوريا مع أستاذي الأول حسن أبو الشملات، ومن بعده الكثير من عازفي اللاذقية الذين كان لهم فضلٌ عليّ.

في أميركا كان لهدّية من هدايا المهجر القليلة، أسبوع الموسيقى العربية (الرتريت)، وهو تجمّع موسيقي ثقافي سنوي يحتفي بالموسيقى العربية الكلاسيكية بأشكالها المختلفة، قد لا تجد له بصدق مثيلاً اليوم في العالم العربي، أن ينمّي اهتمامي بموسيقى أجدادي وأنا على بعد آلاف الأميال. فكان من حظّي أن يعلّمني الأساتذة سيمون شاهين، شربل روحانا والراحل بسّام سابا، في مخيّم صيفي في حرم جامعة ماونت هوليوك التاريخي. كما كان لفرقة "أستذة" للموسيقى العربية في جامعة بوسطن بقيادة نزار فارس، دور كبير في تمكيني من ريبرتوار الموسيقى العربية أكثر وأكثر.


أما الكلمة، فاهتمامي بها قديم قدم ذاكرتي بالأشياء. فلي عمّ شاعر غريب الأطوار اسمه عبّاس، كنت قد تأثرت بحضور ذكراه في عائلتي. توفّي وأنا صغير وأوصى أن يحفروا على شاهدة قبره بيتان من قصيدة له اسمها "راعي الدجاج"، مخالفاً بذلك تقاليد الدين وعادات أهله في وضع آيات قرآنية أو الاكتفاء باسم المتوفّي.

ومن جهة العائلة الأخرى/ لي خالٌ ورعٌ وإمام مسجد، عالم دين ضليع باللغة وأستاذٌ لها، علّمني اللغة العربية في دراستي الثانوية اسمه ياسر صاري، وساعدني بامتلاك أدواتها وأسرارها. فيبدو أن العائلة بتناقضاتها هي من أشعلت اهتمامي بالشعر. أوليس جوهر الشِّعر التناقض؟ التناقض بين الصورة والأصل؟ بين المرئي والمحسوس؟ فأنا مدين حقاً لتناقض جذوري بسوسة الشعر هذه.

بدأت بكتابة القصيدة العمودية في الصف السادس. ولولعي بالشعر أذكر أنني أنهيت موضوع التعبير لمادة اللغة العربية في امتحان الشهادة الإعدادية استشهد بقصيدة لي عن "التلفاز" ارتجلتها يومها في قاعة الامتحان. وبخبث تساءلت لاحقاً، عن سبب ضياع علامتين منّي في ذلك الامتحان، فلم أعرف إن كان سببه سهوي في أحد الاسئلة أو استثقال مصّحح الورقة للطالب الثقيل الذي يستشهد بقصيدة كتبها هو نفسه للامتحان. ومنْ يلوم ذلك المصحّح؟  

تمرّدت لاحقاً على رتابة القصيدة العمودية واكتشفت مفاتن قصيدة النثر فكتبتها. ولعرّابي الشعري، منذر مصري، الأثر الكبير في تشجيع إصدار كتابي الأول "فتّاحة الأمل المعلّب" في أغسطس/آب 2008 قبل أيام من هجرتي الطوعية إلى أميركا.

فتّاحة "الألم" المعلّب

في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة كنت أعتزم الهجرة وأريد أن أختم مرحلة "الوطن" من حياتي بكتاب. فخرجتْ قصائد "الفتّاحة" في فترة قصيرة من الزمن، ونشرتها على حسابي الخاص. لم أكن أريد أن ألعب لعبة دور النشر والأخذ والرد. ببساطة لم يكن لدي الوقت الكافي. كانت فيزا أميركا الثمينة "أملاً معلّباً" صالحاً لمدة ثلاثة أشهر فقط، وموسم التقديم على اختصاصات الطب على وشك البدء. كان لا بد من الهجرة.

أحكي مع المرضى بشكل يومي وأسأل نفسي معهم سؤال الهويّة المعقّد نفسه. من أنا؟ هل أنا طبيب أم شاعر أم موسيقي أم رجل على باب أبوّة، أم سوري مهاجر في أميركا، أم ماذا؟ يقولون كلّ هذا. أقول يمكن

كان لديّ إحساس قويّ بأنّ الوطن بات يضيق على صدري، على الرغم من مجموعة الأصدقاء التي زيّنت سنواته الأخيرة كباقة أزهار على قبر. كنت أريد أن أطوي صفحة الوطن وأخرج بأيّ شكل. فخرجت وفي حقائبي عشر نسخٍ لكتابي الشعري الأول وزّعتها على من صادفتهم من أصدقاء جدد من عرب أميركا، في صيف ذات السنة التي كان فيها باراك أوباما، أول رئيس أسود في تاريخ أميركا، يترشّح للرئاسة وينتخب وسط ترحيب كبير من الناس. وأنا منهم...

تغيّرت البلاد منذ ذلك الوقت، وأنا تغيّرت. تغيّر "الوطن" وتغيّرت معانيه. شهدت وقائع المقتلة السورية عن بعد وأنا أتدرّب كطبيب نفسي، فاهتممت بالعمل في قضية الإغاثة النفسية للاجئين على مدى سنوات، محاولاً عمل شيء ما وسط هذا العجز.

في شبابي، كان اختياري لدراسة الطب خياراً براغماتياً بحتاً. فلم أكن شغوفاً بالمهنة، على الرغم من أنني ولدت لأسرة من المتعلمين والدارسين ذوي الاختصاصات والمهن. وجملة "الفن ما بطعمي خبز" كانت ذات وقع كبير على لدن الشباب، ولا تزال. ترافقها الجملة الشهيرة "مجنون إذا ما بتدرس طب". فدرست الطب ولحقت "الجنون".

خلال سنوات دراسة الطب والهجرة إلى أميركا، جاء خيار الطب النفسي كمحاولة إنقاذ للنفس من براثن "الطبّ"، ومساومة مع المستقبل. مساومة بموجبها أبقى على مقربة من الإنسانيات فأقوم بدراسة فرويد ولاكان ونظريات التحليل النفسي وعلم النفس الحديث وعلاج المجموعة، بالإضافة للعلاجات الدوائية، وأتخصص لاحقاً في مشاكل الإدمان، فأصبح بحكم عملي على مقربة من الحالة الإنسانية ومعاناة النفس البشرية التي أفهمها أكثر كلما خبِرت أكثر.

أصبح على مقربة من الوجع والخوف والفرح، وحمّى القلق، ومحاولات الناس المستمرة لإيجاد الطمأنينة، أعيشها من خلالهم فتثْقِل كاهلي بعبئها بينما تصقل في الوقت ذاته جسر التعاطفِ الطويل الذي أعمل على بنائه وترميمه.

اضطرّ الشعر والموسيقى أن ينتظرا قبل أن يعودا إلى مركز الاهتمام. خاصة بعد احتراق الوطن تحت أشلاء الآلاف وثقل ملايين النازحين واللاجئين، وتأكيد اللاجدوى من أي عمل أقوم به كطبيب بعيد. القلق القادم من العجز حرّكني باتجاه الشِّعر مجدداً. القلق بوصلتي التي لا تخيب...

خيوط تمشي في الفراغ

جمعت في 2017 قصائد متفرقة في كتابي الثاني "طيور تدخّن الماريوانا" نشرتها هذه المرة عند دار "المتوسط" في سلسلة "براءات". كنت أكتب وقتها تحت اسم حسام جيفي، ولحديث الاسم والهويّة الشخصيّة مقام آخر. في تلك الفترة أيضاً، بدأت أترجم وأكتب الشعر بالإنجليزية. لي كتاب بانتظار دوره عند ناشرتي المستقلّة والبطيئة ذات القلب الطيّب صاحبة دار "شيرفانا بارفا" في مدينة سومرڤيل.


وفي نفس الفترة بدأت مشروع "تعشيق" في محاولة لتقديم قصيدة النثر السورية في المهجر الأميركي، مع عناصر من الموسيقى والفن البصري، كأنّه امتداد لرغبة خفيّة في داخلي كي أعمل شيئاً من عجينة الكلمة واللحن والصورة التي تعشش في رأسي وتنخر هواجسي. فيحلو لي اليوم أن أتخّيل اهتماماتي - الشعر والموسيقى ولاحقاً النفس البشرية - كخيوط تمشي في الفراغ، متباعدة حيناً، متقاربة أحياناً،

أقف أمام أبواب نفسي كأيّ نجّار يصلح أبوابه المخلوعة، جلّ ما يحتاجه هو مسمار أغنيةٍ يطرقه بشكل وسواسي ينجيه من عاصفة القلق القادمة

وملتقية دوماً، يغذّي بعضها الآخر. خيوط يجمعها "بهلول"، داعيكم بالخير، في عقدة زمنية فوق الأغنية، كمن يعقد خيطاً في قطبة جرح.

أحيانا يحتاج أكثر الأمور بديهيةً لوقت طويل كي تتّضح معالمه. ربما كان عليّ أن اتعلّم هذه الحقيقة بنفسي كي لا تبقى كليشيه. اليوم، تبدو كتابة الأغنية أمراً بديهياً لشخص مثلي يعشق الكلمات واللحن ويتنفس الموسيقى. أقضي حياتي بتوزيعٍ للجهد بين ما يكسب العيش وما يُغني الروح. أعمل كطبيب نفسي في النهار وأشتغل على الأغنية في الليل.

أحكي مع المرضى بشكل يومي وأسأل نفسي معهم سؤال الهويّة المعقّد نفسه. من أنا؟ هل أنا طبيب أم شاعر أم موسيقي أم رجل على باب أبوّة، أم سوري مهاجر في أميركا، أم ماذا؟ يقولون كلّ هذا. أقول يمكن. وأكشف جزءاً يسيراً من نفسي أمامهم وأشاركهم عجزي كما يشاركون. أشاركهم قلق جيل مهزوم، مهجّر، محزون. أصف لهم رياضة التأمّل كدواء وأمارسه. واقترح عليهم الموسيقى والكتابة والأغنية في مواجهة القلق. وأقف أمام أبواب نفسي كأيّ نجّار يصلح أبوابه المخلوعة، جلّ ما يحتاجه هو مسمار أغنيةٍ يطرقه بشكل وسواسي ينجيه من عاصفة القلق القادمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard