إسرائيل والسودان... تطبيع بالإكراه ومع إيقاف التنفيذ

الاثنين 16 أغسطس 202109:21 م


غالباً ما سيفضي بحثك بالعربية أو الإنجليزية عن أخبار حول العلاقات بين السودان وإسرائيل إلى العثور على عدد زهيد من الأخبار، معظمها يتصل بطلعات جوية إسرائيلية قديمة فوق الأجواء السودانية، لقصف مصنع أو ورشة هنا أو هناك يعتقد أنها تستخدم لتصنيع أسلحة أو مأوى لمجموعة "إرهابية". لكن أخبار التعاون بين البلدين عقب الاتفاق المبدئي على تطبيع العلاقات بينهما في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، تكاد تكون معدومة، حتى أن التوقيع نفسه تأخر شهوراً عديدة بمماطلة سودانية، حتى تم أخيراً تحت ضغوط في يناير/ كانون الثاني 2021، خلال أيام ترامب الأخيرة في البيت الأبيض، ومن دون حضور إسرائيل. ولم يكن التردد السوداني بعيداً عن الرصد، حتى استنتج خبراء سياسيون أن السودان إنما قبل التطبيع مكرهاً وتحت ضغط شديد.

انضم السودان إلى ركب الدول المتصالحة مع إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي باتفاق مبدئي على تطبيع العلاقات، بعد وعود من الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب، برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما يتوقع منه أن ينعكس على وضع السودان دولياً، ويؤدي تالياً إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، والتي تمنع تدفق استثمارات خارجية يحتاجها السودان بشدة لدفع اقتصاده المتعثر.

كان نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير يرفع – ككثير من الأنظمة العربية- راية الممانعة بشكل علني، لكن تحت السطح، كان اتصالات البشير وإسرائيل قائمة منذ العام 2014 على أقل تقدير

البشير ليس بريئاً

كان نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير يرفع – ككثير من الأنظمة العربية- راية الممانعة بشكل علني، لكن تحت السطح، كانت اتصالات البشير وإسرائيل قائمة منذ العام 2014 على أقل تقدير، وبحسب صحيفة الشرق الأوسط الممولة سعودياً، بادرت إسرائيل إلى فتح قنوات الاتصال مع نظام البشير بعدما اتخذ الأخير قرار قطع العلاقات مع إيران في العام 2016. إلا أن ميل السودان نحو قبول التطبيع ظهر قبل ذلك، تحديداً في العام 2014 خلال المؤتمرات التي عقدها حزب المؤتمر الحاكم في عهد البشير، إذ "بدأت تسمع نغمة التطبيع مع إسرائيل من أجل تحول اقتصادي في السودان". وعرفت الأوساط السياسية السودانية – المؤيدة والمعارضة- بعرض إسرائيلي للمساعدة في رفع العقوبات المفروضة على السودان، مقابل الاعتراف والتبادل الدبلوماسي، والأهم فتح الأجواء السودانية أمام رحلات الطيران الإسرائيلية المتوجهة إلى دول إفريقية.

ولم يجد نظام البشير غضاضة في التعبير صراحة عن استعداده لـ"الحوار" بشأن الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها برعاية أمريكية، على لسان وزير خارجية البشير، إبراهيم الغندور، في العام 2016، في مقابل رفع العقوبات وبخاصة تلك المفروضة على شخصيات تنتمي إلى نظام الإنقاذ (نظام البشير).

في العام 2018، تدخلت تشاد التي تتمتع بعلاقات طبيعية مع إسرائيل للوساطة بين نظام البشير وحكومة نتنياهو. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية عن تعيين مبعوث خاص للاتصال مع السودان. والتقى هذا المبعوث بمسؤولين سودانيين رفيعي المستوى، منهم محمد العطا الذي صار سفيراً للسودان لدى الولايات المتحدة، إلا أنه وقتذاك كان كادراً رفيعاً في مخابرات البشير ومنصبه الرسمي "مساعد مدير جهاز الأمن سابقاً".

ماذا ربحت إسرائيل؟

يعرف الكتاب والمتابعون في إسرائيل أن "السلام" مع الدول العربية لا تعني بالنسبة لحكوماتهم سوى فتح أسواق جديدة لمبيعات البرمجيات والأمن والسلاح أولاً، ثم المشروعات الزراعية والمائية في المقام الثاني.

لا تختلف الحالة السودانية عن غيرها بالنسبة لإسرائيل، سوى في مكسب إضافي يتصل بتسهيل الوصول إلى أسواق قائمة بالفعل في القارة الإفريقية، وتعد أجواء السودان محطة مهمة في الطريق إلى وسطها وغربها وجنوبها. بالإضافة إلى مكسب إستراتيجي آخر يتمثل في أن البحر الأحمر بات بحيرة من المتعاونين مع إسرائيل، ما يمنح إسرائيل مزية أمنية إضافية في المنطقة، ويغلق باباً من أبواب تهريب السلاح والسلع إلى قطاع غزة المحاصر بحسب تقارير نشرها موقع الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) الإسرائيلي.

في أبريل/ نيسان 2020، أعلنت الحكومة السودانية إلغاء قانون حظر بيع المنتجات الإسرائيلية بالسوق السوداني، إذ كان يحظر استيراد المنتجات الإسرائيلية بشكل مباشر أو غير مباشر، ويحدد عقوبة تصل مدتها إلى 10 سنوات من السجن المشدد في حال ضبط منتجات إسرائيلية لدى تجار أو مواطنين سودانيين.

ورغم أن هذه الإلغاء يفتح الباب – نظرياً- أمام تحول السودان الذي يعاني من نقص سلع أساسية ودوائية إلى سوق مفتوح للمنتجات الإسرائيلية، فليس هناك شواهد (بعد مرور أربعة أشهر على إلغاء القانون) على وجود فاعل للمنتجات الإسرائيلية في السوق السوداني، خاصة مع تراجع القدرات الشرائية لدى معظم الأسر السودانية.

اكتفت السودان بالتصريح من دون التنفيذ. فبمجرد الإعلان عن نية البلدين عقد اتفاق "سلام"، قالت الحكومة إنها تنتوي عقد محادثات حول التعاون في مجالات التجارة والهجرة والزراعة مع إسرائيل، لكن هذه المحادثات لم تجر

مكاسب للسودان؟

بحسب تحليلات سياسية جديرة بالاعتبار، وقّع السودان اتفاقية التطبيع مع إسرائيل بسبب ضغوط سياسية واقتصادية.

أمل السودان في أن يكون رفع اسمه من قوائم الدول الراعية للإرهاب، ثم القرض الذي حصل عليه من البنك الدولي باباً ينفتح على قبوله دولياً، وإنعاش اقتصاده المستمر في التراجع.

لم يقدم السودان على توقيع اتفاقات جديدة في مجالات الزراعة والري مع حكومة نتنياهو ولا مع حكومة بينيت التي تلتها، على الرغم من أن الدول العربية الأخرى التي وقعت اتفاقات متزامنة مع إسرائيل، وهي الإمارات والبحرين والمغرب، سارعت إلى توقيع اتفاقات مشروعات وفتح مجالات تعاون اقتصادي كثيرة مع إسرائيل.

صوت السودانيين الذي لا يزال مرتفعاً بعد انتصار ثورتهم جزئياً بإزاحة البشير، لا يزال يضع العراقيل في وجه الانخراط السوداني الكامل في التطبيع

اكتفت السودان بالتصريح من دون التنفيذ. فبمجرد الإعلان عن نية البلدين عقد اتفاق "سلام" في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قال بيان رسمي سوداني إن الحكومة تنتوي عقد محادثات حول التعاون في مجالات التجارة والهجرة والزراعة مع إسرائيل.

 وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، زار وفد إسرائيلي من الحكومة ورجال الأعمال السودان رسمياً لمناقشة "التعاون الاقتصادي والإنساني" مع الجانب السوداني. ومنذ الإعلان السوداني والزيارة الإسرائيلية التي تلته، لم يوقع السودان أية اتفاقيات رسمية أو مذكرات تفاهم ذات شأن اقتصادي مع الجانب الإسرائيلي.

إلا أن صوت السودانيين الذي لا يزال مرتفعاً بعد انتصار ثورتهم جزئياً بإزاحة البشير، لا يزال يضع العراقيل في وجه الانخراط السوداني الكامل في التطبيع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard