الانفجار يعصف بعكّار... منظومة الفساد تحرق الناس بالوقود

الأحد 15 أغسطس 202104:57 م

نعرف المشهد وحفظناه: الأهالي يطالبون بالإعلان عن أسماء الجرحى والضحايا، ووسائل الإعلام تُطلق عليهم صفة "أهالي المفقودين". التعبير الذي يُستخدم منذ عقود ليصف الأهالي الذين فقدوا التواصل مع أبنائهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية، يُستخدم اليوم في عكّار، حيث الأب يبحث عن ابنه.

الحالات الحرجة تملأ المستشفيات غير المجهّزة، حيث لا أدوية ولا كهرباء، ووزير الصحّة حمد حسن، وجّه نداءً لإجلاء جرحى انفجار بلدة التليل إلى خارج لبنان. الطاقم الطبّي يعلن عن وجود جثث متفحّمة ويطلب من الأهالي أن يتوجهوا إلى المستشفى الحكومي في طرابلس لإجراء فحوصات الحمض النووي.

سنشاهد انكسار الآباء، والأمّهات سيحملن الصور. سنكتشف أعمار الأطفال الذين تيتّموا. هؤلاء حين سيكبرون ويُسألون عما حدث، سيقولون: انفجر خزّان الوقود ومات أبي

هناك من احترقوا اليوم، بسبب انفجار جديد ومادّة جديدة، الانفجار الأوّل كان سببه مادّة النترات، وحتّى اللحظة لا نملك الحقائق حول أسباب تخزينها. الانفجار الثاني سببه تخزين مادّة البنزين واحتكارها، من قبل تجّار يفضّلون أن يسجن أبناء بلدتهم في منازلهم على أن تقلّ أرباحهم.

لا تهم الأسباب، فالنتيجة واحدة. الانفجار الجديد وصل هذه المرّة إلى عكّار، حيث انفجر خزان وقود داخل قطعة أرض في بلدة التليل، قرابة الساعة الثانية فجراً، كان قد صادره الجيش ظهر يوم أمس لتوزيع ما بداخله على المواطنين.

الانفجار أدّى لسقوط عدد من الإصابات بين مدنيين وعسكريين، وأعلن وزير الصحة أن عدد القتلى وصل إلى 22، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 79.

وبحسب بيان أصدره الجيش اللبناني، اليوم الأحد، بوشرت التحقيقات بإشراف القضاء المختص لمعرفة ملابسات الانفجار. كما أن مديرية المخابرات أوقفت قيد التحقيق ابن صاحب قطعة الأرض التي انفجر فيها خزان الوقود، والمتهم حالياً بإطلاق النار على الخزانات والتسبّب بانفجارها.

المجازر مستمرة في لبنان

لم نعد نفهم أسباب موتنا في هذا البلد، لكنّنا نعرف أن انفجار عكّار، كما انفجار بيروت، ناتج عن دولة غائبة تقتل شعبها.

يوم أمس، فرح أبناء بلدة التليل حين صادر الجيش اللبناني خزّان الوقود المخبّأ. فرحوا لأن الكمية الموجودة بداخله ستعيد النمط الطبيعي إلى حياتهم لمدّة شهر على الأقل.

الطاقم الطبّي يعلن عن وجود جثث متفحّمة ويطلب من الأهالي أن يتوجهوا إلى المستشفى لإجراء فحوصات الحمض النووي

فجر اليوم، وبحسب الأخبار المتداولة، أثناء استرجاع الأهالي للوقود والمازوت، أراد ابن صاحب الخزّان أن ينتقم من مصادرة ما اعتبره ملكاً له، فأطلق النّار باتّجاه صهاريج المحروقات ووقع الانفجار.

وفي رواية أخرى، يقولون إن أحد المواطنين أشعل سيجارة قرب الخزّانات وهو ما أدى إلى اشتعال الحريق والانفجار. حتّى اللحظة لا نعلم ما هي الرواية الحقيقية التي أدّت إلى وقوع الانفجار، لكنّنا نعلم أن المنظومة بأساليبها التي لا تنتهي هي المسؤولة المباشرة.

التهريب الذي يقتل

بحسب ما يتداوله أهالي عكار، فإن صاحب الخزانات، المدعو جورج الرشيد، يحظى بغطاء سياسي من نائب التيار الوطني الحر أسعد درغام. ولذلك أحرق الأهالي صور الأخير لأنه يسمح بحصول عمليات التهريب، كما توجّهوا إلى منزل جورج الرشيد، وهناك حاولوا اقتحامه ومن ثمّ أشعلوا النار فيه.

لم نعد نفهم أسباب موتنا في هذا البلد، لكنّنا نعرف أن انفجار عكّار، كما انفجار بيروت، ناتج عن دولة غائبة تقتل شعبها

يدلي أهالي عكّار بتصريحاتهم مباشرة على الهواء. يقول الشاب إن تهريب المحروقات من لبنان إلى سوريا يحصل أمام أعين الجميع، وإن المحتكرين أطلقوا النار عليهم أمام الأجهزة الأمنية، وأن هناك خزانات أخرى قد تنفجر بأهالي المنطقة ما لم يتم السيطرة عليها.

الضحايا الذين سنحفظ أسمائهم

سعد الحريري يُصدر بياناً، التيار الوطني الحر يتهرّب من المسؤولية ورئيس الجمهورية غائب في مكان آخر، ومن هناك يطالب بتحقيق واسع، ودعا لإعلان طرابلس منطقة أمنية. كل هذا يحصل بينما نحن ننتظر برعب الكشف عن أسماء الضحايا، عن وجوههم وعن قصصهم التي ستخلق بداخلنا وجعاً جديداً. سنشاهد انكسار الآباء، والأمّهات سيحملن الصور. سنكتشف أعمار الأطفال الذين تيتّموا الساعة الثانية فجراً في 15 آب/أغسطس من العام 2021. هؤلاء الأطفال حين سيكبرون ويُسألون عما حدث، سيقولون: انفجر خزّان الوقود ومات أبي، وسنسمع شهادات الجرحى الذين طُبع على جلدهم، بالنار، فساد الدولة اللبنانية.

القصص قادمة، وستعلن لنا أن من حرقتهم المنظومة اللبنانية ومن قتلتهم، هم نحن، وجوه تبحث عن القليل من النور

القصص قادمة، وستعلن لنا أن من حرقتهم المنظومة اللبنانية ومن قتلتهم، هم نحن. وجوه تبحث عن القليل من النور للتنقل من غرفة النوم إلى الشرفة. أيادٍ لا تريد الكف عن العمل. آباء يريدون أن يفسّحوا أولادهم. أشخاًص فرحوا حين تم الإفراج عن الوقود، لدرجة أنهم انتظروا حتى الفجر للحصول عليه، ربّما كي يعيدوا تحريك سياراتهم ويخرجوا قليلاً من البلدة، أو ربّما ليذهبوا فقط إلى العمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard