في سنويته الأولى... انفجار بيروت كأنه حدث الآن

الاثنين 2 أغسطس 202105:35 م

لعب المكان دوره في زمان لا مفرّ منه، فتحوّل مركز فوج إطفاء بيروت في منطقة الكرنتينا إلى "بيت الشهداء"، بعد أن خسر عشرة من عناصره جرّاء انفجار مرفأ بيروت.

عند مدخل المركز، يستقبلنا "أهل البيت" بصورة تجمع الشهداء. ابتسامة "الأبطال" كما كُتب فوق الصورة، تتحدّث للمارة وتطالب بالعدالة وكشف الحقيقة. نتجاوز البوابة الحمراء العريضة، فنصبح وسط أحواض ترابية زُرعت فيها الأزهار، وأُسدلت صورة خاصة لكل شهيد/ة مع اسمه/ا على الجدران.

نبقى لبضع دقائق عالقين بين الصور والأسماء، نقف عند كل شهيد/ة على حدة، ونقرأ الأسماء بالترتيب: الرقيب أول شربل كرم، الرقيب أول الياس خزامي، الرقيب أول رامي الكعكي، العريفة سحر فارس، العريف رالف ملاحي، العريف جو بو صعب، العريف جو نون، العريف شربل حتي، العريف نجيب حتي، العريف مثال حوا.

جميع الشهداء العشرة في ريعان الشباب، لهم/نّ قصص وليسوا/ن فقط أرقام. تدور في الذهن مشاهد رحيلهم/نّ أو بقائهم/نّ مع أحبابهم/نّ، كما تترك صورهم/نّ فينا عشرات علامات الاستفهام والأسئلة التي تحتاج لأجوبة.

يحاول مركز فوج الإطفاء لملمة نفسه. سقالات تساند الكسور وطلاء، على الرغم من جدّته، إلا أنه لم ينجح في إخفاء ندوب الانفجار. ردم يشير إلى أن المكان تعرّض لأكثر من خسارة في الأرواح، هي خسارة الذكريات.

نسمع صوت صفارات عربات الإطفاء، ننظر جيداً لكن سرعان ما نكتشف أنها مركونة في مكانها، وأن ما سمعناه مجرد تهيؤات.

وعلى الرغم من ضوضاء إعادة الترميم، إلا أننا لا نرى أو نسمع سوى أصوات الشهداء والجرحى، وعصف لانفجار أخذ معه أجزاء من بناء متصدع أصلاً، وسيارات إطفاء قليلة خرجت من الخدمة مبكراً.

دمار شامل

أوضح رئيس مركز فوج إطفاء بيروت، الملازم أول جورج الكاشي، لرصيف 22، أن مرفأ بيروت يبعد بضعة أمتار عن المركز، ما جعل تأثير العصف مدمراً جداً، وفق قوله: "الانفجار لم يبق حجراً على حجر، حتى أن سيارة إطفاء طارت من مكانها، أما الأجهزة الأخرى، من مطافي وسيارات إسعاف، فخرجت عن الخدمة".

جميع الشهداء العشرة في ريعان الشباب، لهم/نّ قصص وليسوا/ن فقط أرقام. تدور في الذهن مشاهد رحيلهم/نّ أو بقائهم/نّ مع أحبابهم/نّ، كما تترك صورهم/نّ فينا عشرات علامات الاستفهام والأسئلة التي تحتاج لأجوبة

وعن حجم الانفجار وآثاره، قال الكاشي: "أمام أرواح شهدائنا البواسل، كل شي يرخص"، مشيراً إلى أنه إلى جانب الشهداء العشرة، تعرض ثلاثة من عناصر المركز لجروح متوسطة، وهم إلياس الخوري، إلياس صعب، محمود عبود.

وبالعودة إلى اللحظات التي سبقت الانفجار، كشف جورج أنه في البداية نشب حريق، وكان في المركز 35 عنصراً، 10 منهم خرجوا للمهمة الأخيرة، وبقي 25: "شهدائنا الأبطال لم يذهبوا فقط فداء للوطن، بل أنقذوا زملائهم. بعدما دق جرس المساندة، خرج العناصر للمؤازرة ووقَعَ الانفجار".

المركز بحالة سيئة

بعد عام على وقوع الانفجار، حالة مركز فوج الإطفاء لا تزال سيئة، كما أن أعمال الترميم قائمة.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال جورج الكاشي: "المركز تُرك وحيداً لترميم جراحه المادية والمعنوية"، منوّهاً بأن جمعية "فرح العطاء" قدّمت المساعدة في الترميم فقط، "بينما لا نزال نحتاج إلى الكثير من التجهيزات اللوجستية"، على حدّ تأكيده.

ولفت إلى أنه بعد عام فقط، نجح المركز في الحصول على هبة فرنسية: "هي عبارة عن سيارة إسعاف استغرق إخراجها من الجمرك عاماً كاملاً، إلى جانب 10 سيارات إطفاء إيطالية قديمة الطراز".

وتحدث الكاشي عن الوضع المزري لمركز فوج الإطفاء، والذي لا يرقى إلى مستوى التضحيات التي قدّمت، على حدّ قوله، مشيراً إلى أن هناك نقصاً في السترات الخاصة بالإطفاء، بالإضافة إلى عدم توفر أجهزة اتصال، والتي كانت سبباً في خسارة 5 عناصر تحت الأنقاض قبل سنوات.

وأوضح الملازم أول أن هذا الوضع يعود إلى ما قبل الانفجار، لكنه ازداد سوءاً بعد الأضرار البليغة التي نجمت عن الانفجار: "شبابنا بواسل، لكننا نتحمل مسؤولية عدم تأمين أبسط شروط الحماية لهم".

وختم بالقول: "كم عنصراً يجب أن نخسر بعد، وكم قلباً يجب أن يحترق لكي تنظر لنا بلدية بيروت وتؤمن أبسط مستلزماتنا؟".

الثلاثاء الأسود

في الرابع من أغسطس/آب 2020، أو كما بات يطلق عليه "الثلاثاء الأسود"، شهد مرفأ بيروت انفجاراً هائلاً وقع في مستودع العنبر رقم 12، ما أدى إلى سقوط 214 شهيد وإصابة أكثر من 6000 شخص، ناهيك عن تدمير أحياء عدة.

وأول قافلة شهداء كانت تضم العناصر العشرة في فوج الإطفاء.

واستذكر أحد زملاء الشهداء ممن كانوا في المركز حين وقع الانفجار، تفاصيل مرتبطة بالحادثة الأليمة، قائلاً: "رنّ جرس الحريق في المركز، أعقبه الاتصال الأول من شرطة بيروت، أفاد بنشوب الحريق في العنبر، ثم تلاه آخر من قوى الأمن الداخلي، وثالث من مخابرات الجيش اللبناني".

وأضاف المتحدث، الذي فضل عدم ذكر اسمه، لرصيف 22، أن "الشباب الموجودين على جدول الخدمة في ذلك اليوم سارعوا إلى المرفأ، وطلبوا الدعم فور وصولهم ومعاينة المكان، ودقّ الجرس في المركز. حينها سارعنا إلى عربات الإطفاء، ووقع الانفجار".

وتابع بالقول: "اهتزت الدنيا وما عليها، ومن شدّة عصف الانفجار طرت عدة أمتار وسقطت بالقرب من المدخل، وبعد أن صحوت وتلفت حولي، بدأت بتفقد زملائنا، وكان قد أصيب ثلاثة منهم، هذا وقد دمرّ العصف المبنى وبقية سيارات الإطفاء والإسعاف، باستثناء سيارة واحدة وضعنا داخلها الجرحى لنقلهم إلى المستشفى".

وفي تفاصيل الثلاثاء الأسود، قال العنصر إنه صودف مرور باص للمدرسة يقلّ أطفالاً: "بقدرة الله نجوا جميعاً، إذ إن السائق قبل دقائق ركن الباص جانباً بعد مشاهدة الحريق، ولكن لم يمنع ذلك أن الأطفال أصيبوا بالذعر، وأصبحت مسؤوليتنا مساعدتهم، وبالتالي كدسنا الأطفال فوق بعضهم البعض".

وتوقف الشاب عن الحديث متأسفاً على استخدام مصطلح "تكديس": "وضعناهم فوق بعضهم مع الجرحى في سيارة الإسعاف. كان الوضع أشبه بحرب، وكان التصرف الغرائزي الأولي هو حماية الأطفال وتأمين سلامتهم".

ولفت إلى أنه حينها كان قد مرّ نصف ساعة، وبدأت تتضح كارثة الدمار، فصرخ أحد الزملاء أنه لم يعد هناك وقت، وعلينا التوجه لعنبر رقم 12 لمساعدة الزملاء.

ووصف المشهد الصعب المترسخ في أذهانه، قائلاً: "لم أشهد بحياتي مثل هذا الدمار وهذا العدد الهائل من الجرحى والضحايا، ولكن هذا المشهد أعطى انطباعاً أننا ذاهبون لانتشال جثث زملائنا، وليس مساعدتهم. قبل وصولنا بكيت لأني علمت أنني فقدتهم للأبد، وشعرت بالذنب والعجز، وما زاد من آلامي أن مهمتي الآن العثور على جثثهم".

وتوقف عن الحديث معتذراً من أهالي الشهداء، قائلاً: "جميعنا أبناؤكم، وجميعنا خسرنا هؤلاء الأبطال."

أن يخسر المرء أولاده

قبل دقائق من وقوع الانفجار، أرسل شهداء الإطفاء صوراً إلى ذويهم، وفي إحداها يظهر الرقيب الأول شربل كرم، أمام باب العنبر وإلى يمينه زميله جو نون وأحد العاملين في المرفأ عماد زهر الدين، محاولين فتح العنبر، لكن بابه خذلهم، ففُتحت النيران والتهمت أجسادهم، بالإضافة إلى صورة أخرى لعروس الإطفاء وهي تخرج مبتسمة إلى مهمتها الأخيرة، قبل أن تظهر صور نعوش الشهداء وهي محاطة بقلوب ذويهم المحترقة على فراقهم، والتي إلى الآن لم تبرد لعدم حصولهم على العدالة.

في حوار أجراه مع رصيف22، قال طوني، والد الشهيد جو نون: "بعد عام انهارت حياتنا وتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة. خسر البيت قلبه وشبابه. نحن منهارون تماماً، حتى أننا توقفنا عن الحديث في المنزل".

وتساءل: "هل يفهم المسؤولون ما معنى أن نخسر أولادنا، وأن يموتوا بطريقة مروّعة، وما معنى أن يقدموا لنا أشلاء أولادنا لدفنها؟". وأضاف: "لقد قتلونا معهم، لا أستطيع أن أكمل حياتي بلا جو، عزائي الوحيد العدالة".

وأوضح أن مطلب أهالي الضحايا هو الوصول إلى المسؤولين عن وضع نيترات الأمونيوم لسنوات في المرفأ، ومحاسبتهم.

وعن إمكانية اللجوء إلى محكمة دولية في حال عدم تقديم القضاء اللبناني المتهمين للعدالة، قال طوني:"ليس لدينا ثقة بأي قانون دولي بعد تجربة المحكمة الدولية الخاصة بالشهيد رفيق الحريري، ونحن نثق بالشعب اللبناني وبالقاضي طارق بيطار".

"هل يفهم المسؤولون ما معنى أن نخسر أولادنا، وأن يموتوا بطريقة مروّعة، وما معنى أن يقدموا لنا أشلاء أولادنا لدفنها؟"

هذا وجدد والد جو نون، دعوته الشعب اللبناني إلى المشاركة في "يوم الغضب" في الرابع من أغسطس/آب: "ليس فقط لإحياء ذكرى انفجار مرفأ بيروت، بل أيضاً كي لا يسقط شهداء جدد ولا يخسر أم وأب أولادهما".

من جهته، حاول جورج فارس، والد الشهيدة في فوج الإطفاء، سحر فارس، أن يبدو أكثر تماسكاً، قائلاً لرصيف 22، إن "ما حصل نصيب وقدر"، ولكن سرعان ما تلاشى هذا التماسك، وأضاف بغصة: "أنا رجل عمري 65 عاماً، دفنت ابنتي وعمرها 27 عاماً. حياتي ليست بحياة".

واستطرد قائلاً: "هذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عن الفاجعة. على حيطان بيتي صور للشهيدة، أريدها أن تبقى معي. هذه طفلتي".

وتابع فارس بالقول: "قبل ربع ساعة من وقوع الجريمة، كنت أتواصل مع سحر، لم يكن يوم خدمتها، وكان يفترض أن تكون في إجازة. لكن اندفاعها وحبها لعملها ووفاء منها للبذلة التي ترتديها، ذهبت مع زملائها. ذهبت وحرقت قلوبنا. لا نريد تعويضاً مادياً، ولسنا هنا للحديث عن تعويض مادي. نحن نريد من القاضي طارق بيطار التحقيق مع المتهمين، وتسمية المجرمين. نريد أن نعرف من قتل أولادنا لمحاسبتهم".

بدوره، عاد وذكر بضرورة المشاركة في "مسيرة الغضب"، مضيفاً أن قبل المسيرة سيقام قداس عند المرفأ: "نحن وبيروت وشهداؤنا بحاجة للصلاة لراحة نفسنا، نحن جميعاً نتعذب، ونناشد العدالة فقط".

بعد مرور عام على حادثة انفجار مرفأ بيروت، يدعو أهالي الضحايا إلى "مسيرة الغضب" من بيت شهداء فوج الإطفاء، نحو المرفأ تحت شعار: "نطلق صرخة الوجع من قلب المرفأ ونصلي معاً، مسلمين ومسيحيين، ونعلي الصوت ليصل عند من نحب".

هل ستتمكن هذه المسيرة من تشكيل وسيلة ضغط على المسؤولين اللبنانيين لاستمرار التحقيق العدلي دون تدخلات سياسية لكشف الحقيقة كما هي؟ الجواب برسم الأيام القليلة القادمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard