هل يكتب العرب كتبهم في المقاهي؟... حكاية مقاهٍ سحرت كُتّابها

الثلاثاء 17 أغسطس 202102:18 م

يُثير سؤال علاقة الكُتّاب العرب بحياتهم اليومية، وما يرتبط بها من طقوس الكتابة والقراءة داخل المقاهي العربيّة الكثير من المسرّات الوجدانية، لأنّها تجعلهم يُؤمنون بمفهوم "المقهى" كفضاء معاصر، ينتمي إلى ما سمّاه هابرماس فلسفياً بـ"الفضاء العمومي" الذي من جسده ينبثق فضاء المقهى وتتشكّل من خلال الرؤى والأحلام واللقاءات الغرامية والكتابة والقراءة والصمت والفرح والنميمة ومشاهدة الأفلام والاستماع إلى أغاني الطرب العربي.

لقد تغيّر المقهى خلال الفترة الاستعمارية من كونه مكاناً يجمع الوشاة و"قواد الاستعمار" وتداول أخبار الحركة الوطنية ومكامن القوّة والضعف في الاجتماع العربي، إلى أن يغدو أحد مباهج وأمكنة الحداثة بالعالم العربي. فهذا التحوّل الأنطولوجي الذي طبعه، سيجعل العديد من الكُتّاب العرب منذ ستينيات القرن العشرين، يرتادون المقاهي للتباهي بمؤلفاتهم، وللنقاش، وتداول الأخبار السياسية والثقافية وقراءة الجرائد المتوفّرة في مقاهٍ بعينها.

لكن شيئاً فشيئاً تحوّل المقهى من فضاء عرضي في حياة الكُتّاب العرب إلى جنّة مُحبّبة يرنون إليها، كلّما ضاقت بهم فسحة منازلهم للعمل والكتابة والتفكير؛ إذ رغم صخب هذه الأمكنة، فإنّ الكُتّاب يحرصون دوماً على ارتيادها، لما توفّر لهم من حرية التفكير، واختراق مكبوت الاجتماع العربي، والالتحام به سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

شخصياً كتبت كتبي الأولى في مقاهٍ بئيسة مُتعدّدة ومكتبات عامّة، كنت أتردّد عليها يومياً؛ بحيث أنّه في غمرة ذلك الصخب، وضوضاء الأخبار السياسية المُنبعثة من التلفزيون، ودخان السجائر الرديئة، تشكّلت معالم كتب ومقالات وتحقيقات وحوارات.

حساسيّة اللحظة وحميميتها، تجعل المرء يكتب أشياء من قاع المجتمع الذي ينتمي إليه. ورغم أنّ هذه المقاهي، لم تكُن ذات ميسم فنيّ أو جمالي من ناحية معمارها وأكسسواراتها وأدواتها وأوانيها، إلاّ أنّها استطاعت أنْ تُمارس سحرها الآسر عليَّ للكتابة والتفكير.

حتى تلك المقاهي العابرة، التي ندخلها مرة واحدة ولا نعود، والتي تستقبل وحشتنا حين نعبر بين مدينة وأخرى، فرصة لتأمل المسافات التي قطعناها والتي علينا قطعها

لم تكُن المقهى بالنسبة إليَّ فضاءً للكتابة، بل مكاناً للتعلّم في صمت وقراءة عشرات المتون الفكريّة والتاريخيّة والأدبيّة. ليس بالضرورة أنْ يكون المقهى أنيقاً وجميلاً حتّى أكتب؛ إذ أنّ كلّ ما أحتاجه سوى وجود الفكرة وتبرعمها داخل مخيّلتي، ألمح تجلّياته هناك داخل الثقافة اليومية.

في هذا التحقيق الخاصّ، يطرح موقع رصيف22 على الكتّاب العرب سؤال العلاقة بين المقهى والكتابة ومدى تأثير المقاهي على حياتهم الشخصية والعملية والوجدانية، وهم يرتشفون قهوة سوداء ويُحنّون إلى الكتابة وإرساء حداثة مُتخيّلة داخل اجتماعهم العربي.

ميس الريم قرفول (شاعرة سورية مقيمة في فرنسا): المقاهي تصنع الفرح وتخلق حالة توجس وانتظار

"الكراسي اصطفّت كما البنات." هذا ما أتذكره من نصّ كتبته مرة داخل دفتر أزرق جلدي في أحد مقاهي اللاذقية؛ صدى، عن ذلك المقهى بالتحديد، أو عن مقاه أخرى مماثلة. في "صدى" و"قصيدة نثر" بدأت بكتابة اول "خربشات" شعرية. ثمّ تتالت المقاهي لتقدم لنا مكاناً عابراً داخل عبورنا الدائم. هل الأمر مشابه لركوب أرجوحة داخل باخرة؟

كتبت أيضاً: "ينفرط لؤلؤ الضحكات." المقاهي تصنع الفرح، تخلق حالة توجس وانتظار، حتى ولو لم يأت الصديق والصديقة، فاحتمال قدومهما يولّد شعلة تشابه تلك التي تضمها جلدتي دفتر أبيض مليء باحتمالات الكتابة، أو كتاب جديد مليء بدفء الكلمات؛ كلمات تفوح رائحتها وتسافر وتدعونا للسفر معها.

فراغات جالسة على الكراسي، فراغات داخل الكؤوس، فراغات خلف الزوايا التي تحاوط المقهى، آخرون يمرون حتى يصيروا نهراً، تأمّلوا داخل المقهى كلّ ما يحدث خارجه وعبره وسيتحول محيطكم لنهر، لا يتوقف ولم يتوقف يوماً.

ربما هنالك ورقة بيضاء تدعونا لنكتب، نقبل أو نؤجّل، أو ربما فقط قلب يدق وعين تراقب، قلم يتوجس داخل جيب أو حقيبة نسائية بجانب قلم أحمر شفاه، مرآة صغيرة تخرجها منها وتنظر لنفسها ومن ثم تذهب لشؤون أخرى.

حتى تلك المقاهي العابرة، التي ندخلها مرة واحدة ولا نعود، والتي تستقبل وحشتنا حين نعبر بين مدينة وأخرى، جلوس وشراب ساخن أو بارد، فرصة لتأمل المسافات التي قطعناها والتي علينا قطعها، كأن المقهى نقطة بين جملتين، بين جمل كثيرة.

في فيلم إريك رومير، "الحب بعد الظهيرة"، يقول فريدريك "سأجلس في المقهى، حيت يحبّ الفرنسيون قضاء ساعات. أنا لا، ومع ذلك أحياناً... لا أنتظر أحداً، أرغب فقط وببساطة أن أكون هنا. لا اقرأ، أراقب فقط، أراقب الشارع، الطريقة التي يمشي بها الناس، الطريقة التي ينظرون بها... الناس يعبرون ويختفون ولا نراهم يكبرون بالعمر."

ويواصل: "ما يجعلني أتعلق أكثر بديكورات الشوارع الباريسية خلف الواجهة، هو الحضور الدائم وسريع التبخر لكل تلك النساء التي ستصادفونها كل لحظة، وكلكم يقين بأنها ستكون آخر مرة."

هذا التنقل بين الشكّ واليقين، بين الانتظار واللقاء، بين العبور والجلوس، لطالما كان نقطة صعب تعريفها كما يمكن تعريف البحر أو الجبل أو الغابة، لحظة مشكّلة من مكان وزمن وتراكم أشخاص وذكريات، بين ماضي الشجرة الذي صار كرسياً حتى طريق البنّ الذي وقع دفئاً وصحوة في عقولكم، مروراً بوجه العابرين والأصدقاء الذين لا بد أن يأتوا يوماً ما، ويدعونكم للكتابة، أو فقط للضحك والبكاء معاً.

حميد ركاطة (قاص وروائي مغربي): كتبت دراساتي ورواياتي بمقهى الحيّ

علاقة المُبدع بفضاءاته الأثيرة، تتحدّد انطلاقاً مجموعة من المعطيات؛ منها ما هو متعلّق بالجانب النفسي ومنها ما يكتسب عبر التعوّد والألفة مع المكان. فالأمكنة تسكننا بالفعل، لأننا نحملها معنا وبداخلنا، وتظلّ موشومة في ذاكرتنا للأبد.

من هذا المنطلق وطوال سنوات خلت، ظللت وفياً لبعض الفضاءات، التي اعتبرها شخصياً متنفساً حقيقياً، وملاذاً للإبداع.

أمكنة مهما حاولت الابتعاد عنها سرعان ما أعود اليها، وكأن قوة سحرية تجذبني إليها صاغراً رغم بؤسها أحياناً أو صخبها القاتل، فإنها تظل الملاذ الحقيقي للإبداع .

لقد أدمنت على الجلوس لسنوات عديدة في الزاوية نفسها والطاولة عينها بداخل المقهى ذاته، بل وقرب النافذة نفسها، محفوفاً بزمرة من الرواد الذين أتبادل معهم أطراف الحديث فقط عند دخولي، بعدما أحييهم تحية الصباح، ثم سرعان ما ألج عوالمي مستسلماً.

كتبت أغلب دراساتي النقدية، ورواياتي داخل فضاء مقهى الحي الذي أسكن فيه. استلهمت بداخله ملامح شخصيات قصصي وأمزجتهم، وانتماءهم الاجتماعي، بل وأحياناً أحدد شبكة العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية لعملي الروائي مستلهماً بعض المعطيات الواقعية التي يجود بها فضاء المقهى وتفاعلي الخاص مع بعض شخوصه.

أشعر بالسعادة وأنا اكتب، فضلاً من فصول رواية محفوفة بصخب رواد المقهى ولغطهم، بل أحياناً وهم يتابعون مقابلة كرة القدم.

لقد عوضني فضاء المقهى عن الاشتغال داخل فضاء مكتبتي الخاصة، التي تحول بفعل الإهمال إلى عالم يعج بالفوضى، لكنه عالم ساحر أستطيع أن أهتدي فيه إلى أي مرجع أبحث عنه، بكل سهولة.

تغيّر المقهى خلال الفترة الاستعمارية من كونه مكاناً يجمع الوشاة وتداول أخبار الحركة الوطنية. هذا التحوّل الأنطولوجي جعل العديد من الكُتّاب العرب منذ ستينيات القرن العشرين، يرتادون المقاهي للتباهي بمؤلفاتهم

علاقتي الأثيرة بالمقهى تحددت منذ ولادة أول نص كتبته في بداية مشواري الإبداعي، رفقة كأس قهوة سوداء، لأصبح مدمناً محترفاً، أخصص فترة الصباح للقراءة، وفترة الزوال للكتابة. وفي هذا الصدد كتبت روايتي "أسرار شهريار"، بشراكة مع المبدع الكبير الدكتور شريف عابدين خلال سنة كاملة بالمقهى، وخلال فترة زمنية محددة بين منتصف النهار والوحدة بعد الزوال، سودت فصولها على أوراق بيضاء من الحجم الصغير، أضعها دائماً بين دفتي عمل قصصي أو روائي أكون بصدد الاشتغال عليه نقديًا.

المقهى بالنسبة لي يعتبر أكثر من فضاء أثير، لأنه أثر في مساري الإبداعي، فهو مدرسة مكنتني من الاطلاع على أوجاع المجتمع، وقضايا وهموم وتطلعات أفراده، التي غالباً ما يتردد صدى أصواتها داخل العديد من أعمالي الروائية.

قاسم سعودي(شاعر عراقي): الكتابة الشعرية تحررت من وحي الأمكنة الحالمة

أظن أن سلطة المكان الجمالية أو الإنسانية بدأت بالتراجع بعد أن كانت تشكل قواربَ محملة بمخرجات الطقس الشعوري للنصوص الإبداعية. اليوم وبعد الركض البشري السريع والتفاعلي مع نوافذ العولمة ولذة الحداثة أرى أن لا سلطة لأي مكان؛ مثلاً في المقهى أو الباص او غرفة إنعاش القلب أو في السوق قرب بائعة السمك أو على ظهر مركبة فضائية تغزو كوكباً جديداً.

"الكتابة الشعرية تحررت من وحي الأمكنة الحالمة"

الكتابة الشعرية تحررت من وحي الأمكنة الحالمة، وصارت مع الناس وفي الرأس الساخن الذي نحمله، مع كل شيء يتحرك ويصرخ ويبصر الجميلات الكادحات في الشوارع والأسواق والحدائق. الفكرة هنا هي كتابة الصمت أو كتابة العزلة التي هي صوت الناس، الفكرة هنا هي من تتقد وتكتب نفسها لأننا في حضرة كائنات شعرية كبرى تعيش بيننا وفي لحظة ما نشعر بها، فيخرج النص من تلقاء نفسه.

عادة أجلس في أماكن كثيرة ولا أشعر بأي شيء ممكن ليكون قصيدة. ربما أنا مخطئ كبير، وربما ما أكتبه ليس سوى الوهم. الوهم صديق الصمت، صديق العزلة، صديقة الكلمات الميتة. ما يخرج من أنبياء المكان ليس سوى كلمات ميتة، لكن ثمة نصوص ميتة تركض في الشوارع والهواء والبراكين وخنادق الجنود والحدائق الخلفية الصغيرة للناس في البيوت وعلى أسطح البنايات والجسور العالية. ربما هناك ينجو النص .

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard