ميراث البشير… أطفال يحملون السلاح في السودان

الخميس 12 أغسطس 202104:37 م

في أحد نهارات شهر تموز/ يوليو 2019، خرج فتية في مقتبل عمرهم، من مدارسهم، ليتظاهروا احتجاجاً على النقص الحاد في المواد الأساسية، مثل الخبز، والوقود، والكهرباء، ومياه الشرب، في مدينتهم الأُبَيْض، في غرب السودان. اصطدمت مسيرتهم السلمية بقوة صغيرة الحجم، شديدة التسلح، تابعة للدعم السريع، وتتمركز بواسطة عربة نقل تحمل "دوشكا" (مدفع رشاش مضاد للطائرات يمكنه اختراق درع سمكه أكثر من 15 ملم).

أطلق طلاب المدارس هتافاتهم، فأطلق أفراد الدعم السريع رصاصات الدوشكا في واقعة عُرفت إعلامياً باسم "مجزرة الأُبَيض".

المحاكمة

الضغط الجماهيري والإعلامي والسياسي، أجبر قيادة الدعم السريع، على رفع حصانتها عن عناصرها المشاركين في الواقعة، وعددهم تسعة أفراد، وتم تقديمهم للمحاكمة المدنية.

تم التداول في القضية في المحاكم على مدار عامين ونصف العام، شهدت خلالها انعقاد أكثر من عشرين جلسة، إلى أن صدر مؤخراً قرار مولانا قاضي محكمة جنايات الأُبَيض أحمد حسن، ببراءة عنصرين ثبت أنهما لم يحملا السلاح، بل كانا يحاولان إثناء زملائهما عن إطلاق النار، وبإعدام ستة عناصر لثبوت "تورطهم في القتل، واستخدام الأسلحة النارية، بقصد إزهاق الأرواح"، كما أقرت المحكمة بمشاركة المتهم محمد أحمد عبد الله (مواليد 2001)، في القتل العمد، لكنها أحالته إلى "محكمة الطفل"، لأنه وقت وقوع الجريمة كان في سن الطفولة.

أزمة تجنيد الأطفال في السودان

أشارت تقارير مستقلة عدة، إلى تورط العديد من الأطراف داخل السودان في عملية تجنيد الأطفال، منها تقرير أمين عام الأمم المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن في آب/ أغسطس 2007.

وتناول التقرير بالتفصيل، عبر 28 صفحة، الانتهاكات التي يتعرض لها أطفال السودان من مختلف الفصائل المتناحرة، مع توضيح مدى التزام كل طرف بالاتفاقات المبرمة، ومحاولة تقنين أوضاعه، وبالرجوع إلى التقرير نلحظ ظهور اسم الجنجويد كميليشيا غير نظامية موالية لنظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير.

يتقاضى المرتزقة راتباً يتراوح قدره بين 480 و530 دولاراً أمريكياً، شهرياً، حسب تجربتهم، ومستوى تدريبهم. وفي حال مشاركتهم في العمليات القتالية بصورة مباشرة، يحصلون على زيادة من 185 إلى 285 دولاراً شهرياً

من هم الدعم السريع-الجنجويد؟

هي قوات مقاتلة غير أكاديمية، بدأت كميليشيا حملت اسم "الجنجويد"، بهدف قمع المعارضة المسلحة في إقليم دارفور، ورصدت تقارير صحافية عدة تورطهم في جرائم ضد الإنسانية. الرئيس المخلوع عمر البشير وضعها تحت مسمى الدعم السريع، في خطوة سمحت للطرفين بالاستفادة من دعم الاتحاد الأوروبي لمواجهة ظاهرة الهجرة غير القانونية، في قلب أفريقيا.

 أطفال دارفور يقاتلون في اليمن

منذ انطلاق ما يُعرف بـ"عاصفة الحزم"، والنظام السوداني متورط في تقديم القوات اللازمة لخوض المعارك البرية على الأراضي اليمنية، الأمر الذي تعرضت له جريدة نيويورك تايمز في كانون الأول/ ديسمبر 2018، عبر تقرير صحافي رصدت خلاله أن بعض من حاربوا في صفوف هذه القوات، أطفال تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً، ويشكلون ما لا يقل عن 20% من إجمالي عدد المقاتلين، بل ويؤكد آخرون أن نسبتهم تصل إلى 40%.

"الأهالي يقدمون أبنائهم للميلشيات، سعياً للحصول على المال، لا انجرافاً وراء العقيدة"، هكذا يبدأ المحلل السياسي أسامة عزاوي حديثه مع رصيف22، ويقول: الفقر والعوز المحيطان بأُسر هؤلاء الأطفال، هما ما دفعا الأهالي لتسليم أبنائهم إلى جماعات الموت، وكثيراً ما يتم ذلك قسراً.

يتقاضى المرتزقة راتباً يتراوح قدره بين 480 و530 دولاراً أمريكياً، شهرياً، حسب تجربتهم، ومستوى تدريبهم. وفي حال مشاركتهم في العمليات القتالية بصورة مباشرة، يحصلون على زيادة من 185 إلى 285 دولاراً شهرياً.

لاقى التقرير انتشاراً واسعاً، ومصداقية في الداخل السوداني العالم بانهيار الوضع الاقتصادي، والمعيشي، في الإقليم الذي مزقته الحرب الأهلية، ما دفع بالدعم السريع للرد عبر المتحدث الرسمي باسمها (لاحظ هنا وجود متحدث رسمي خاص بها)، الصوارمي خالد سعد.

السودان... تاريخ مظلم من تجنيد الأطفال

في 3 تموز/ يوليو الماضي، أي قبل بضعة أسابيع، رفعت الولايات المتحدة اسم السودان من قائمة الدول المتورطة في تجنيد الأطفال، وعبرت عن ذلك سفارتها في الخرطوم، عبر حسابها على تويتر، قائلةً إن السودان وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها جائحة كورونا عليه، وعلى موارده، إلا أنه تمكن من تحسين سجله في مكافحة الاتجار بالبشر، من خلال بذل مزيد من الجهود بشكل عام، وتم رفع تصنيفه إلى المستوى الثاني في تقرير الاتجار بالبشر لعام 2021.

تجنيد القُصّر في السودان أزمة تحتاج إلى جهود كبيرة ومخلصة لحلها، فالأمر لا يقتصر على تجنيد الأطفال بشكل علني يمكن رصده، وحصره، ومكافحته، فالوضع يصل إلى حد التلاعب بأعمار الأطفال من خلال التسنين الموجه، وتزوير الأوراق الثبوتية

سريعاً ما احتفى السودان بالقرار، عبر سفيره لدى واشنطن نور الدين ساتي الذي صرح قائلاً: تتوالى القرارات الإيجابية من الولايات المتحدة، التي حذفت اسم السودان من قائمة الدول المتورطة في تجنيد الأطفال، ورفعت تصنيف السودان في بند الاتجار بالبشر من المستوى الثالث إلى المستوى الثاني، ما يعني تحسناً كبيراً في تصنيفه.

لكن هل هذه الوصمة تخص الإدارة السودانية السابقة فحسب، أم أنها تخص أيضاً قوات الدعم السريع "الجنجويد".

هل تجند الدعم السريع الأطفال "الشُفَّع"؟

على مر السنين، تنوعت المصادر والتقارير، لكن اجتمعت غالبيتها على معلومة واحدة مفادها أن هذه القوات تقوم بتجنيد الأطفال منذ كانت "جنجويداً"، إلى أن صارت الدعم السريع. فبخلاف ما سبق من تقارير، وفي تموز/ يوليو 2019، أعلنت نفيسة بن شفيق، ممثلة اليونيسف، عن تأكدها من عشرات حالات تجنيد أطفال لصالح قوات الدعم السريع.

وقبل ذلك، حين كانوا جنجويداً تحت قيادة موسى هلال، انتشرت أنباء عن توقيع اتفاق بين الأمم المتحدة عبر بعثتها في دارفور "يوناميد"، والقائد الميلشياوي، حول مكافحة تجنيد الأطفال، وإعادة تأهيل المُسرحين منهم، ودمجهم في المجتمع، حسب ما نشرت صحيفة الراكوبة في نهاية تموز/ يوليو 2013، وهي الأنباء التي سارعت المؤسسة الأممية إلى نفيها بشكل رسمي.

المحامية والناشطة الحقوقية أمال الزين تحدثت إلى رصيف22 قائلةً: الدعم السريع جنّد أطفالاً في مراحل مختلفة من النزاعات الداخلية في السودان، منذ كانوا ميليشيا قبلية، وحتى بعد أن صاروا جهة تابعة للسلطة. طوال هذا الوقت عملوا على تجنيد الأطفال بشكل منهجي.

ثم جاءت المشاركة في حرب اليمن، وهي في رأيي حرب ارتزاق، وتم فيها تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال، إذ استغلت الدعم السريع الأموال التي حصلت عليها لكونها شريكة الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير القانونية، هذا بخلاف استيلائها على منطقة جبل عامر الغنية بالذهب، وبيعه خارج البلاد لحسابها الخاص، ما وفر لها أموالاً طائلة مكنتها من إغراء أسر الإقليم "المنهار اقتصادياً بسبب سنوات الحرب الأهلية"، للموافقة على تجنيد أطفالهم للمشاركة في حرب اليمن.

نحن في وسط السودان وشماله، لم نحتك بالجنجويد، فلم يكن لهم وجود في هذه المناطق، إلا حين استدعاهم الرئيس المخلوع خلال احتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2019، لكن مع تمركزهم في العاصمة وضواحيها صار أمر تجنيد الأطفال واضحاً لنا، خاصةً عند فض الاعتصام، إذ رأينا بأعيننا أن غالبيتهم يبدون دون الخامسة عشر من العمر.

وإحقاقاً للحق، لا أعتقد أنهم من يجندون الأطفال فقط، فبقية الحركات المسلحة لم تسلم من الأمر ذاته.

معضلة إنسانية وقانونية

تجنيد القُصّر في السودان أزمة تحتاج إلى جهود كبيرة ومخلصة لحلها، فالأمر لا يقتصر على تجنيد الأطفال بشكل علني يمكن رصده، وحصره، ومكافحته، بالتوعية من جانب، وتغليظ العقوبات من جانب أخر، فحسب، فالوضع يصل إلى حد التلاعب بأعمار الأطفال من خلال التسنين الموجه، وتزوير الأوراق الثبوتية، لإضفاء صفة القانونية على تجنيد أطفال، عبر منحهم أوراقاً تفيد عن بلوغهم السن القانونية.

على هذا الأمر علقت الزين قائلةً: القانون السوداني فيه مشكلات بخصوص السن، فقانون الطفل عرّف الطفل بأنه الشخص الذي لم يبلغ الـ18 سنة، ما يعني، بمفهوم المخالفة، أن الشخص الذي أكمل 18 سنة ما عاد طفلاً. لكن بالنظر إلى قانون الأحوال الشخصية، نجد أنه يسمح بالزواج لمن هم دون الثامنة عشر، شرط وجود ولي أمرهم، ولا نعرف هنا من سيدير تلك الأسرة المفترضة: هل هم الأطفال المتزوجون، أم الأولياء الذين زوجوهم، والذين يديرون شؤونهم المالية الرسمية.

مسألة السن في القانون السوداني لا تخلو من المشكلات، وفي الوقت نفسه، وطوال السنين الماضية، كانت هناك حالة من عدم احترام القانون بشكل عام، لذا من الوارد جداً ان تجد في السودان أشخاصاً مجندين في قوات نظامية، وأعمارهم أقل من 18 عاماً، إذ إن باب التزوير مفتوح على مصراعيه لمختلف الأوراق الرسمية.

أزمة تجنيد الأطفال في السودان، ظلم دام عقوداً، واليوم مع صدور الحكم الأخير، يتطلع الكثيرون إلى تحريك الوضع، وإلقاء الضوء الكافي لحل هذه الإشكالية، شريطة توافر الإرادة السياسية لدى مختلف أطراف السلطة في السودان، لحل هذه الأزمة الشديدة الارتباط بمستقبل الوطن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard