هل ينقل اللاجئون الإثيوبيون صراعاتهم إلى السودان؟

الأحد 8 أغسطس 202105:17 م

يستقبل السودان بصورة يومية آلاف اللاجئين الإثيوبيين الفارين من ويلات الحرب في بلادهم، وذلك على الرغم من التوترات التي تتسم بها علاقة البلدين حالياً، جراء الأزمة الناشبة بشأن سد النهضة، والنزاع الحدودي حول منطقة الفشقة ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.

وبلغت التوترات ذروتها اليوم الأحد 8 أغسطس/ آب، مع قرار السودان استدعاء سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور، على خلفية رفض إثيوبيا مبدا الوساطة السودانية لحل الأزمة في إقليم تيقراي. على الرغم من أن تدفقات اللاجئين بسبب الحرب جعلت السودان متورطاً في الأزمة الأهلية الداخلية.

وفي ظل هذه الموجة الكبيرة، تبرز تساؤلات عن التبعات التي قد يفرضها تقاطرهم الكثيف على الحدود الشرقية للسودان.

تسونامي بشري

صرح مسؤول محلي لوكالة الأنباء الرسمية (سونا) في الثالث من أغسطس/ آب الجاري، إن بلاده استقبلت يوم الإثنين الفائت فقط، ثلاثة آلاف لاجئ من قومية الأمهرا الإثيوبية، في أكبر موجة نزوح منذ اندلاع الحرب في إثيوبيا في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.

وتقول إحصائية صادرة عن وزارة الخارجية السودانية، إن أعداد اللاجئين الإثيوبيين الواصلين إلى معسكرات اللجوء شرقيِّ البلاد  تقدر بحوالي 78 ألف لاجئ، معظهم من قومية تيقراي، فيما يمكن أن ينضاف إليهم حصيلة بالآلاف، قوامها الفارين من تمدد الصراع القائم بين إقليمي الأمهرا، وبني شنقول، حيث يقام سد النهضة.

السودان استقبلت في يوم واحد فقط، ثلاثة آلاف لاجئ من قومية الأمهرا الإثيوبية وحدها، في أكبر موجة نزوح منذ اندلاع الحرب في إثيوبيا في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي

معسكرات اللجوء

من معسكر للاجئي التيقراي شرق السودان - اليونيسيف

يتمركز معظم اللاجئين الإثيوبيين في السودان بأربعة معسكرات، هي (حمداييت والهشابة) بولاية كسلا، ومعسكري (طنديبة وأم راكوبة) بولاية القضارف.

وتشرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على هذه المعسكرات بشكلٍ مباشر، بمعاونة السلطات السودانية، التي تحظى مواقفها بالإشادة من قبل المنظمات الدولية والمحلية على حدٍ سواء.

وقالت الأمم المتحدة إن السودان بحاجة إلى 150 مليون دولار لتوفير المأوى والخدمات الصحية للاجئين، وهو رقم يبدو حالياً غير كافٍ بالمرة لتخطي أعداد اللاجئين لأكثر من 80 ألف لاجئ، وصل جلهم مع حلول موسم الأمطار (يونيو/ حزيران)، ما يزيد من صعوبة توفير المأوى، والحركة، وبالتالي يعوق عمليات انسياب المساعدات وتقديم الخدمات بالمعسكرات.

إن حجم الأزمة وتمدد الصراع في إثيوبيا يفوقان قدرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، ويضعان أعباء على الحكومة السودانية التي سيتخطى عدد اللاجئين الإثيوبيين فيها 100 ألف شخص بنهاية آب الجاري

تحديات اقتصادية

يظل التحدي الاقتصادي أحد أكبر العقبات في قضية اللاجئين الإثيوبيين، طبقاً للمتخصص في شؤون منطقة القرن الإفريقي، ناظم محمود.

ويُذكر ناظم في حديثه مع رصيف22 بأن السودان لن يحتمل كل هذه التدفقات البشرية في ظل معاناته من صعوبات اقتصادية كبيرة، وتضخم مهول يتخطى 400%.

وقال لأغراض المقاربة، إن الاتحاد الأوروبي بكامل قوته يعاني من أزمة اللاجئين، فما بالكم بالسودان الذي يعاني من مرحلة تحول انتقالية شديدة الهشاشة.

مشيراً إلى أن حجم الأزمة، وتمدد الصراع في إثيوبيا، هو أمر فوق قدرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، ويضع أعباء على الحكومة السودانية التي تشتري اندماجها العالمي بعد فترة من العزلة بالإشادات الدولية، ولكن ذلك لن يستمر –طبقاً لناظم- الذي يتوقع أن يتخطى اللاجئون حاجز 100 ألف نسمة بنهاية أغسطس/ آب الجاري.

ويرى ناظم بأن من ضمن مشكلات اللجوء التي يتحملها السودان، مشكلة تسرب أعداد كبيرة من اللاجئين إلى المدن السودانية، ما يجعلهم خارج مظلة الأمم المتحدة، وشركاء للأهالي في مصادر رزقهم الشحيحة.

وأخرى صحية

يلفت محمد نور الدين، وهو طبيب متطوع في مبادرة إنسانية تنشط بمدينة القضارف، إلى تردي  الأوضاع الصحية بمعسكرات اللجوء الإثيوبية.

 حذرت منظمة أطباء بلا حدود، ضد تفشي التهاب الكبد الوبائي في أوساط اللاجئين، حيث سجلت 278 حالة إصابة بالمرض في مخيم الهشابة ذي الغالبية الإثيوبية.

ويقول لرصيف22، إن موجات اللاجئين "تحل على السودان في ظل غياب شبه تام للمسوحات الطبية، وفي وقتٍ تتفشي سلالات جديدة من فيروس كورونا المستجد".

ونوَّه إلى التحذيرات التي أطلقتها منظمة أطباء بلا حدود، بشأن تفشي التهاب الكبد الوبائي في أوساط اللاجئين، حيث سجلت 278 حالة إصابة بالمرض في مخيم الهشابة.

تعقيدات أمنية

يعتقد الخبير الأمني، اللواء  مصطفى الزيان، إن أكبر تحدٍ يواجه السودان في أزمة اللجوء الإثيوبي، هو التحدي الأمني.

يقول الزيان لرصيف22، إن استقبال السودان للاجئين من قوميات إثيوبية متناحرة، يمكن أن يخلق احتكاكات وصراع داخل معسكرات اللجوء، تنذر بانفجار الأوضاع على كامل الشريط الحدودي.

ويعتقد الخبير الأمني أنه "من الممكن جداً" أن ينشب صراع بين التيقراي المناوئين للحكومة الفيدرالية والأمهرا المساندين لرئيس الوزراء آبي أحمد، وفي الإمكان أن ينقل الأمهرا عمليات التمييز والاضطهاد التي بدأوها ضد قومية (كومنت) التي يدين غالبية أفرادها باليهودية بعد أن فرَّ الأخيرون من مقارهم المعزولة حول حاضرة الإقليم مدينة غوندور إلى السودان بأعداد تقدر بالآلاف. وكذلك يمكن أن يدخل الأمهرا في في صراع مع قومية القمز القاطنين لإقليم بني شنقول حيث يقام سد النهضة، بسبب نزاعات حول السيطرة والأرض. وتابع "ومن غير المستبعد أن يصل عدد من مقدر من اللاجئين الأريتريين الذي تنظر إليهم جبهة تحرير تيقراي على أنهم أعداء جراء مواقف بلادهم الداعمة لأديس أبابا، الأمر الذي يزيد من إمكانية تحول المخيمات السودانية إلى ميدان جديد للتناحر الإثيوبي".


"كارت" بيد من؟

هل يمكن أن يتحول اللاجئون إلى "كارت" يمكن توظيفه في صراعات السودان وإثيوبيا؟

سؤال وجهناه إلى اللواء الزيان، الذي أكد أن السودان هو الخاسر الأكبر من أزمة اللاجئين في كل الظروف، فهو يدفع الكلفة الاقتصادية، والأمنية بفرار آلاف العناصر المسلحة والمدربة، والعناصر الاستخباراتية.

وأضاف "السودان يستقبل حتى قبل الحرب أكبر جالية إثيوبية في أراضيه، فما الذي استفاده من هذا الوجود".

وعلَّق رئيس المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة فيليبو غراندي، في وقتٍ سابق، على أنباء وصول من بين 500 إلى 600 لاجئ إثيوبي للسودان، بالقول: أنه "ليس عددًا صغيرًا، وإنما يمكن أن يؤدي إلى انهيار دولة غنية".

بيد أن المحللة السياسية بمركز دراسات شرق إفريقيا، تماضر ضياء الحق، ترى أن الإثيوبيين يمكن أن يكون "كارتاً سياسياً رابحاً في يد الخرطوم"، حيث "يمكن إدراجهم في قضية التفاوض بشأن سد النهضة أكثر من أي وقتٍ مضى".

وتواصل "في وجهٍ ثانٍ للأزمة في إثيوبيا، سيتمكن الجيش السوداني، من رد التحية لإثيوبيا التي استغلت انشغال نظام المخلوع عمر البشير بالحروب الأهلية، لتضع يدها على المنطقة قبل عقود، وذلك من خلال عملية إعادة انتشار واسعة النطاق بدأها مع اشتعال الأوضاع في إقليم تيقراي نهايات العام الماضي".

المشهد في إثيوبيا

 يقول المشهد في إثيوبيا إن البلد الذي حقق معدلات تنموية هائلة قبل سنوات، سيعاني من مشكلة وجودية، بسبب صراع الكل ضد الكل تقريباً.

وبعد استعادتهم لعاصمتهم التاريخية (مكلي)، وسعّت جبهة تحرير تيقراي من نطاق حربها ضد الحكومة الفيدرالية إلى إقليمي الأمهرا وبني شنقول.

في الأثناء، بدأت تحركات عسكرية في منطقة أوغادين، الذي يطالب قادته بالانضمام إلى الصومال.

وعمّا قريب سيجد الأورمو وهم أكبر قومية من ناحية الكثافة السكانية، وينتمي إليهم رئيس الوزراء آبي أحمد، أنفسهم في معركة ضد تيقراي الباحثين عن استعادة نفوذهم بعد إجبار ديسالين هيالي مريام على التنحي في 2018.

ولن تكون أريتريا بعيدة عن الصراع، إذ شاركت قواتها في الحملة ضد قادة تيقراي، ما يجعلها مكون رئيس في الصراع.

وفي الصدد، رفض السودان في وقتٍ سابق، حسب تسريبات حكومية لرصيف22 وساطة أسياس أفورقي بينه وبين إثيوبيا، لكونها جزء من تعقيدات المشهد، وحليف رئيس لآبي أحمد.

من يسدد الفاتورة

في ظل التناحر الداخلي في إثيوبيا، وخلافاتها مع دول الجوار بما فيها السودان، لن يدفع الثمن عشرات الآف من اللاجئين في مصداق للمقولة "إذا تصارعت الأفيال، تموت الحشائش".

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard