"الشمس المشرقة"... البحث عن الأسباب الموضوعية للنهضة

الاثنين 23 أغسطس 202112:49 م

تتعدد وتختلف الآراء حول مصطفى كامل، وخطه في الحركة الوطنية المصرية. إلا أنه يبقى أحد أكبر قادتها في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. وبالإضافة إلى هذا الجانب من شخصيته، قدّم رؤية طرحها في كتابه "الشمس المشرقة" الصادر عام 1904، مع الانتصار الياباني في الحرب اليابانية الروسية.

قامت دعاية الاحتلال البريطاني، في أعقاب سيطرته على مصر، والتي نشرها عبر أبواق دعايته، وعلى رأسها جريدة المقطم، على أن تخلّف الشرق مطلق، كما أن حضارة الغرب، وتقدمه، لهما صفة الإطلاق نفسها، وعلى هذا الأساس فإن تقدم الشرق (المستعمرات)، ومدنيته، إنما يجب أن يقوما على أساس من النقل الكامل عن أوروبا، وبتوجيه منها.

إذاً، العملية، في أحسن أحوالها، أقرب إلى أن تكون عملية تكامل على أساس الزراعة في المشرق الذي يقدم المواد الخام الأولية للغرب الأوروبي، لكي يستثمرها في إطار الصناعة. فالحضارة والمدنية إنجازان أوروبيان أساساً، قامتا بفضل العرق الأبيض الذي يسمح للأوروبي بالتطور، بينما حكمت عرقية الشرقيين عليهم بأن يبقوا أسرى البربرية حتى ينقذهم الأوروبيون، إذ لا مجال لتقدم الشرق إلا بالتبعية المطلقة للغرب القادر على انتشال المشرق من مرحلة البربرية، إلى مرحلة الحضارة.

تلك الدعاية تركت أثرها لدى قطاع واسع من الشعب المصري، في السنوات الأولى للاحتلال، وأدت في ما أدت إليه، إلى انتشار حالة من الإحباط واليأس في صفوف الشعب المصري، دفعت الكثيرين إلى اتخاذ ردود فعل تعبر عن حالة اليأس هذه، كاللا مبالاة، أو الإقبال على أي مظهر فيه تقليد لعادات الأوروبيين.

شروط التقدّم

وسط هذه الظروف، عاد خطيب الثورة العرابية عبد الله النديم من منفاه الأول في يافا، ليصدر مجلة "الأستاذ"، وفيها ركز على دحض دعاية الاحتلال هذه، في مقالات عدة، مستنداً إلى التاريخ أساساً، سواء أكان التاريخ العربي، أو التاريخ الأوروبي، إذ أكد، من خلالها، على أن مسألة الحضارة والمدنية إنما هي نتاج ظروف وشروط موضوعية تفرض نفسها، وأن وقوع بلد تحت الاحتلال، إنما هو حادث عرضي في التاريخ تعرضت له الأمم المختلفة، بما فيها إنكلترا نفسها، والتحرر ممكن إذا ما تحققت شروط التخلص من الاحتلال.

وبرحيل النديم عن مصر، نفياً للمرة الثانية، بعد عودته بعام واحد، توقف إلى حينٍ الصوت الوطني الذي حاول البحث في الشروط الموضوعية، كأساس لعملية التقدم والتمدن. إلا أنه عاد إلى الظهور بعد سنوات قليلة مع مصطفى كامل، بداية من خلال خطبه، وبعض مشاريعه في نهاية القرن التاسع عشر، والتي أكد فيها على أن خلاص مصر من الاحتلال الأجنبي، إنما يرتبط بعدد من الأسباب الموضوعية، وعلى رأسها التعليم، حاملاً على عاتقه الدعوة إلى تعليم مدني أهلي مرتبط بأهداف الحركة الوطنية، وغير منفصل عنها (تماماً كما فعل النديم)، بالإضافة إلى الحديث عن الدستور، وسيادة الأمة، في مطلع القرن العشرين.

وفي عام 1904، كانت أخبار الانتصار الياباني على روسيا، أخبار الساعة، ربما في الكرة الأرضية بكاملها، إلا أن تأثيرها في كثير من المستعمرات الإنكليزية كان كبيراً، خصوصاً في مصر والهند، إذ كانت هزيمة جيش ينتمي إلى العرق الأبيض، على يد جيش ينتمي إلى العرق الأصفر الذي هو، حسب التصنيف العرقي للأوروبيين، من الشعوب البربرية غير القابلة للتمدن، في رأيهم، زلزالاً عصف بالدعاية الاستعمارية، إذ أكد الانتصار على أن هزيمة أصحاب العرق الأبيض، وارد تحقيقها.

وعلى هذا الأساس، أصدر مصطفى كامل كتابه "الشمس المشرقة" الذي يصفه د. رؤوف عباس حامد، في ورقة بحثية منشورة باليابانية، بأنه دراسة في التاريخ الياباني لعصر ميجي، بهدف فهم طبيعة النهضة اليابانية، واستلهام مصر لها.

"قامت دعاية الاحتلال البريطاني، في مصر، على أن تخلّف الشرق مطلق، كما أن حضارة الغرب، وتقدمه، لهما صفة الإطلاق نفسها، وعلى هذا الأساس فإن تقدم الشرق، ومدنيته، يجب أن يقوما على أساس من النقل الكامل عن أوروبا، وبتوجيه منها"

وعلى الرغم من أن الكتاب يشار إليه بأنه الجزء الأول فقط، إلا أنه لا دليل على وجود أجزاء أخرى له. وينقسم الكتاب إلى 13 فصلاً، بين تمهيد ومقدمة يوضح فيهما مصطفى كامل رؤيته للتطور الحضاري، وضرورة الاستفادة من التجربة اليابانية، ليتناول بعد ذلك جغرافيتها، وشيئاً من تاريخها، وصولاً إلى عصر ميجي، فيصف فيه الإمبراطور، وسعيه نحو التحديث. كذلك يصف معاوني الإمبراطور وأفكارهم، ثم يقوم بعرض النظام السياسي من حيث طبيعة الحكومة، والبرلمان، والأحزاب السياسية، والنظام المالي، والقضائي، والتعليمي، والصحافة، والجيش.

"الشمس المشرقة"

يقوم الكتاب على فكرة العرض أساساً، مستنداً إلى الكتابات الأجنبية عن اليابان، حتى وإنْ لم يصرح كامل بذلك.

ويمكننا من خلال قراءة الكتاب ملاحظة التالي:

1ـ في مقدمته، يحدد كامل أزمة مصر بأنها في السلطة المطلقة التي لدى الحكام، بينما اليابان انطلق حكامها من السلطة المطلقة، ليعطوا الشعب حريته، ودستوراً يحفظ هذه الحرية. كما نلاحظ أنه لا ينتقد المسعى الاستعماري لليابان، ويرى إليه على أنه دفاع عن الحقوق الوطنية.

2ـ يُظهر كامل، بشكل دائم، مسألة حب اليابانيين لبلدهم، وأن ذلك هو الدافع الوحيد لعملية النهضة التي قاموا بها، وأمكن، بهذه العاطفة الوطنية، قيام وحدة وطنية على أساس تنازل أصحاب الامتيازات عما لديهم، الأمر الذي يمكننا نقده استناداً إلى أن التطورات في الطبقات اليابانية آنذاك، هي التي أحدثت الأمر. لكن يبقى أن نقول إن هذه الإشارة من جانب مصطفى كامل، كانت لها أهميتها في إطار الدعاية لوحدة وطنية شاملة في مصر، إلى جانب تطور الأفكار في ذلك الوقت.

3ـ عند التعرض للدستور الياباني، يشير كامل إلى أن مسألة التدرج فيه كانت هي النافعة، بينما إعطاء الدستور كخطوة واحدة كان ليضر، لذا كان التدرج في إيجاد أشكال تمثيلية، أولاً لكي يمكن للدستور والنظام البرلماني الوجود في نهاية الأمر. وهو يعطف بشكل ملحوظ على فكرة السلطة المختلطة بين الإمبراطور، والحكومة، ورواتب الوزراء، خصوصاً عند مقارنتها بالرواتب الباهظة للوزراء المصريين في ذلك الوقت، من دون أن يكون لهم دور في الحياة السياسية، كنظرائهم اليابانيين.

"أحدث الانتصار الياباني على روسيا، عام 1904، أثره في كثير من المستعمرات الإنكليزية، خصوصاً في مصر والهند، إذ كانت هزيمة جيش ينتمي إلى العرق الأبيض على يد جيش ينتمي إلى العرق الأصفر، زلزالاً عصف بالدعاية الاستعمارية"

4ـ وعند عرضه للبرلمان الياباني، والأحزاب، نجد إعجابه أولاً بدور البرلمان الياباني القائم على الرقابة، وثانياً بنظام البرلمان الياباني القائم على الاختلاط بين الأحزاب، "فترى الحر مجاوراً للمحافظ"، وذلك استناداً إلى فائدة ذلك في عدم التكتل، والحفاظ على الوحدة الوطنية. كما يبدي إعجابه بالأحزاب عند التعرض لها، لإظهارها الوحدة في زمن الحرب مع الصين، ولاستخدامها المجلس النيابي لصالح الشعب، من خلال ضغوطها لعدم إقرار ضرائب باهظة. وعلى الرغم من أن كامل لا ينتبه إلى أن مرد اﻷمر هو وحدة المصالح (الاقتصادية خصوصاً)، بين هذه الأحزاب، لتمثيلها طبقة واحدة في النهاية، إلا أن هذا العطف يعود إلى أهمية مسألة الوحدة الشاملة في فكر الحزب الوطني آنذاك (وهو أمر استمر في مراحل لاحقة، وإنْ بصور مختلفة)، فكأنما وجد ما دعا إليه الحزب الوطني حقيقة مكتملة في النظام الياباني.

5ـ وعند عرضه لمسألة التعليم، يُظهر إعجابه بمبادرة الأثرياء اليابانيين لدعم التعليم، وهو ما أراد تطبيقه في مصر، ومن قبله عبد الله النديم، بوصفه ضمانة لإيجاد تعليم وطني مرتبط برؤى الحركة الوطنية المصرية، وأهدافها. كما يبدي إعجابه بنظام تعليم الفتيات القائم على تعليمهن بعض الحِرَف، بالإضافة إلى الآداب، مع عدم التقيد بشكل حرية البنات في أوروبا آنذاك، في إطار المحافظة على التقاليد اليابانية. كذلك كان معجباً بالرؤى الوطنية المعادية للأجانب عند اليابانيين، ورفضهم اعتماد اللغات الأجنبية (الإنكليزية تحديداً)، كلغة رسمية لنظام التعليم، والاستمرار في معاداة الأجانب لمحاولتهم السيطرة على اليابان، وفتحهم للموانئ اليابانية بالقوة، وهي أمور مرتبطة أيضاً بواقع مصر آنذاك، من حيث ربط الاحتلال نظام التعليم باللغة الإنكليزية من ناحية، واتجاه البعض إلى مسالمة الاحتلال من ناحية أخرى.

6ـ وبعد عرضه للصحافة اليابانية، والجيش الياباني، يصل كامل إلى خلاصة كتابه، مؤكداً أن النهضة اليابانية، والتفوق الياباني، إنما هما نتاج الوحدة الوطنية في الأساس.

تراث الحركة الوطنية

وبناءً على هذا العرض، نجد أن كامل وجد في اليابان، وتجربتها، تطبيقاً لأفكار الحزب الوطني في مصر، ودعواته، وهو ما دفعه للكتابة عن تجربتها، بوصفها دليلاً لعملية النهضة كما رآها الحزب الوطني. فهي تجربة درست ما تحتاجه من الغرب، ولم تنقل عنه نقلاً تاماً، وإنما وظفت التجارب الأوروبية في تأسيس تجربتها على نحو ينطلق من الذات، محافظاً عليها.

وعلى الرغم من المآخذ على هذا الكتاب، كلها، والتي تتمثل، في رأيي، في عدم إدراك كامل لمسألة تشكل الطبقات اليابانية، ودورها في عملية التحديث هذه، وهو أمر مفهوم، بالنظر إلى فكره السياسي، وأيضاً إلى عدم معرفته ببعض الوقائع، خصوصاً حركة حقوق الشعب، وانتفاضاتها المطالبة بالدستور، وبمجمل الحركة داخل المجتمع الياباني، إلا أن أهمية هذا الكتاب تكمن في دراسة سعي الحركة الوطنية المصرية بقيادة مصطفى كامل، إلى التأكيد على أن عملية النهضة والتمدن، لا ترتبط بعرقية من دون أخرى، ولا تعني النقل الأعمى لما هو أجنبي كله، وإنما تتمثل في شروطٍ وأسبابٍ موضوعية، إذا ما تحققت تتحقق النهضة، وأن النقل عن أوروبا يمكن أن يكون قائماً على تحديد المطلوب، لا النقل الأعمى.

وفي النهاية، فإن تراث الحركة الوطنية المصرية يحتاج إلى إعادة قراءة تقوم على تحديد سياق الأفكار التي تبنتها في مراحلها المختلفة، ومواقفها التي عبّرت عنها في أدبياتها، فالسائد عن مصطفى كامل، هو ربطه الحركة الوطنية بالخديوي، والدولة العثمانية (وذلك صحيح إلى حد كبير)، ولكن من دون دراسة ما طرحه، وتبناه، في سياقه، الأمر الذي يجعلنا في حاجة إلى إعادة قراءة تراثه، ومجمل تراث الحركة الوطنية المصرية، للوقوف على حقائقها، بعيداً عن الرؤى التي سادت عنها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard