أكثر من مجرد اعتذار... بين اعتراف فرنسا بإرث الاستعمار المظلم وطيّ صفحته عقبات عدة

الأربعاء 15 يوليو 202004:58 م

في تاريخ فرنسا الحديث، ثمة فترة بغيضة يود كثرٌ نسيانها وهي حقبة استعمار دول عربية شهدت فظائع يستمر إرثها المظلم في أن يكون حاضراً.

ويعتبر مؤرخون الجماجم التي تحتفظ بها فرنسا للمقاومين الجزائريين في متاحفها، وآثار تجاربها النووية التي لا تزال ظاهرة على أبناء الصحراء، والطائفية التي غذتها في بلاد الشام… أشباحٌ تمزق المجتمعين الفرنسي والعربي، وحلها لا يكون إلا بالاعتراف الواضح والمباشر بهذه الأخطاء.

في حوار مع صحيفة "لوبينيون" الفرنسية، في 13 تموز/ يوليو الحالي، حذّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من عواقب التجارب النووية في الجزائر، والتي لا تزال حادة بالنسبة لبعض السكان، لا سيما أولئك الذين يعانون من تشوهات، لافتاً إلى أن بعض المواقع لم تتم معالجتها بعد.

وأوضح تبون أن معالجة مشكلات الماضي ستحل المشاكل التي تضر بالعلاقات السياسية، وتحسن مناخ الأعمال وتعزز العلاقات بين البلدين.

وفي المقابلة التي صادفت قبل يوم واحد على احتفال فرنسا بعيدها الوطني، في 14 تموز/ يوليو، اعتبر الرئيس الجزائري أن اعتراف باريس بجرائمها أهم من التعويض المادي، في وقت أعلن عن تعيين مؤرخَين، واحد يمثله، والثاني يمثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "سيتكفلان بوضع تصور لكيفية تجاوز ملف الذاكرة".

وإلى جانب إرث الاستعمار المظلم الذي يستمر دون حلول جذرية تطوي صفحة تلك الحقبة بشكل عادل لضحاياها، تساهم سياسات فرنسا الحالية في المنطقة في جعل ملف الاستعمار أكثر تعقيداً. 

في الأسبوع الماضي، انتقدت تسع منظمات حقوقية حفاظ فرنسا على حالة من الغموض حول مبيعات أسلحتها، واعتبرت سلوكها انتهاكاً لالتزاماتها الدولية في ما يتعلق بحقوق الإنسان.

حتى خصوم فرنسا الإقليميين يستمرون باللعب على هذا الإرث واستغلاله سياسياً، فعلى سبيل المثال طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العام الماضي من نظيره الجزائري منح أنقرة وثائق حول جرائمها من أجل ملاحقتها على الساحة الدولية.

الإرث المظلم

عند الحديث عن مجازر فرنسا في الوطن العربي خلال الاستعمار، تأتي في المقدمة جرائمها في الجزائر والتي تجاوز عدد ضحاياها الخمسة ملايين ونصف المليون من كل الأعمار، أي ما يمثل أكثر من نصف سكان الجزائر، وفقاً لتصريحات تبون.

خاض أكثر من 1.5 مليون مجنّد فرنسي حرباً مع الجزائريين، توفي منهم 23 ألفاً، وعاد كثر منهم بصدمات نفسية، بينما ضَمِنَت قوانين العفو للناجين منهم عدم المحاسبة على جرائم الحرب التي لا يمكن حصرها في تقرير واحد.

يعتبر مؤرخون الجماجم التي تحتفظ بها فرنسا للمقاومين الجزائريين وآثار تجاربها النووية والطائفية التي غذاها الاستعمار أشباح لا تزال حاضرة... مؤرخون كثر لا يرون في اعتراف فرنسا الشفهي بأخطاء حقبة الاستعمار كافياً لبدء مرحلة جديدة في العلاقات

غزا الفرنسيون الجزائر لأول مرة عام 1830، واستطاعوا أن يحولوها إلى مستعمرة مستقرة لهم عام 1875، لكنهم كانوا قد قتلوا ما يُقدّر بنحو 825 ​​ألف جزائري من السكان الأصليين في تلك الفترة.

بدأ الفرنسيون والأوروبيون بالهجرة نحو الجزائر حتى وصل عددهم تدريجياً إلى أكثر من مليون مهاجر، ثم صنفتها باريس كجزء لا يتجزأ من فرنسا، وأطلقت عليها فرنسا الثانية.

اللافت أن باريس استمرت في سلوكها الدموي منذ بداية الاستعمار حتى نهايته، إذ كانت أوروبا تحتفل بهزيمة ألمانيا النازية في يوم 8 أيار/مايو 1945، بينما كانت فرنسا تقمع بوحشية الاحتجاجات السلمية المناهضة للاحتلال في الجزائر.

في ذلك اليوم، خرج الآلاف في ولايات سطيف وقالمة وخراطة، ابتهاجاً بنهاية الحرب العالمية الثانية، مطالبين فرنسا بمنح الجزائر الاستقلال، فقوبل المتظاهرون بقمع غير مسبوق أدى الى مقتل أكثر من 45 ألف شخص.

وفي 17 تشرين الأول/أكتوبر 1961، قمعت فرنسا 60 ألف متظاهر جزائري طالبوا بالاستقلال، ما أدى إلى مقتل 1500 جزائري بالرصاص أو غرقاً في نهر السين، إضافة إلى 800 مفقود وآلاف المعتقلين.

الأسوأ هو ما رصده المؤرخون من قيام فرنسا بين عامي 1960 و1966، بعشرات التجارب النووية في عمق الصحراء بالجزائر.

في 13 شباط/فبراير 1960، قامت فرنسا بتفجير أول قنبلة ذرية لها في الجزائر لتصبح رابع دولة تقوم بذلك بعد الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا. وكان التفجير قرب مدينة رقان، جنوبي الجزائر.

تذكر بعض التقارير أن التجارب النووية أدت الى مقتل 42 ألف جزائري وتعرّض الآلاف لإشعاعات نووية أدت إلى إصابتهم بأمراض مختلفة، كما تلوثت البيئة وباتت المنطقة التي كان مسرحاً للتجارب، غير صالحة للحياة حتى يومنا هذا.

لم تقتصر جرائم الاستعمار الفرنسي على الجزائر فحسب بل وصلت إلى تونس التي احتلتها فرنسا من 1881 إلى 1956، وكانت الطائرات الفرنسية تقصف القرى التونسية حيث سقط العشرات من النساء والأطفال بين قتيل وجريح.

في يوم 8 شباط/فبراير 1958، قصفت الطائرات الفرنسية قرية سيدي يوسف وكل ما فيها من مدارس ابتدائية ومباني حكومية ومئات المنازل لما يقرب من ساعة عقاباً على دعمهم للمقاومة، ليموت 68 شخصاً من بينهم 12 تلميذاً وتسعة نساء، و87 جريحاً.

وهاجمت فرنسا مدينة بنزرت، عام 1961، بعد توقيع اتفاق الاستقلال بخمسة سنوات، ما أدى إلى مقتل خمسة آلاف شخص من بينهم 300 جندي، والباقي مدنيين، بحسب "هيئة الحقيقة والكرامة التونسية".

في لبنان أو سوريا حيث بقيت فرنسا حوالي ربع قرن، عايش السكان ما عايشته دول عربية أخرى من جرائم، وإن كانت لا تُذكر بالمقارنة مع المذابح التي جرت في الجزائر، لكن آثار الاستعمار لا تزال حاضرة في البلدين لجهة ما قام به الأخير من قرارات تقسيم أذكت العداء والطائفية فيهما.

"الذاكرة السياسية"

في مناسبات عدة، عرض ماكرون - وهو للمناسبة أول رئيس لفرنسا يولد بعد انتهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر - طمس هذه الذاكرة التي وصفها بـ"السياسية"، واقترح عدم الحديث عن الماضي على الرغم أن الجزائريين لا يزالون يدفعون ثمن التجارب النووية مثلاً.

وقال ماكرون: "الحرب الجزائرية غائبة اليوم عن ذاكرتنا السياسية… نحن لا نتحدث عنها، نحن نسحقها"، معتبراً أن هذه الحرب كانت جريمة ضد الإنسانية، وأنها "ذاكرة سياسية" سامة يجب طيها وعدم التفكير فيها.

ولفت ماكرون إلى أن الدولة جعلت التعذيب "سلاحاً يعتبر شرعياً"، ولكن قال إن الجيش نفسه لا يجب أن يُلام لأنه مُنح التفويض "القانوني" للتعذيب.

قوبلت تصريحات ماكرون هذه بإشادة مؤرخين فرنسيين اعتبروها "لحظة تاريخية"، يمكن أن تؤدي إلى تصالح داخلي. ووصف المؤرخ المتخصص في الشأن الجزائري ورئيس متحف فرنسا لتاريخ الهجرة بنيامين ستورا (وهو أحد المؤرخين اللذين تم تعيينهما لوضع تصور لتجاوز مرحلة الاستعمار بين البلدين) كلمات ماكرون بأنها "انتصار رائع"، وقال: "بدون اعتراف الدولة بالجرائم المرتكبة، لا يمكن للمرء أن يغلق هذا الملف. القتلى لا يزالون موجودين... إنهم أشباح".

وحول هذه المسألة، يعلق المحلل الجزائري مالك بلقاسم قائلاً إن ماكرون يدين الحرب الفرنسية لكن في الوقت نفسه يريد طمس هذا الملف لأن الاقتصاد الفرنسي يعيش أزمات متعاقبة ويرى في الجزائر بديلاً حقيقياً للتنمية، مشيراً إلى أن الجانب الفرنسي لا زال ينظر إلى الجزائر نظرة استغلال ونهب للثروات و يحاول دائماً التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

ويقول بلقاسم في حديثه لرصيف22: "أعتقد أن الجانب الفرنسي يريد طي مشكلة الذاكرة بمجرد اعتذار شفهي من قبل فرنسا الرسمية، وهذا لا يمكن أن يؤسس إطلاقاً لمرحلة جديدة مع الجانب الفرنسي".

ويردف: "في تقديري الشخصي، الجزائر لديها مقاربة واضحة تتمثل في الحصول على اعتذار رسمي إضافة إلى تسلم أرشيف الحرب الفرنسية على الجزائر وكل جماجم الشهداء الجزائريين المنهوبة في فرنسا".

هذه الإجراءات ليست كافية كذلك، وفق بلقاسم، إذ يتوجب على فرنسا أيضاً تعويض الدولة الجزائرية والأسر القاطنة في المنطقة الجنوبية عن كل التجارب النووية الإجرامية في صحراء الجزائر.

ويلفت بلقاسم إلى أن تبون يثير هذا الملف كثيراً لأنه تحت ضغط جماهيري كبير يصل أحياناً حد المطالبة بقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، مشيراً إلى أن الوعي بهذا الأمر أصبح قوياً بدرجة كبيرة بعد الحراك الشعبي، خاصة وأن هناك عدة شبهات فساد تحوم حول الشركات الفرنسية في الجزائر.

مجتمع ممزق

أحد المعوقات الماثلة أمام انخراط فرنسا بحل جدي لآثار هذه الحقبة، قد تكون في تعرض ماكرون لحملة شرسة من قبل النخبة الفرنسية وخاصة من اليمين عند الحديث بشكل "مرن" حول أخطاء فرنسا في الجزائر. 

يعتبر اليمين الفرنسي، وتحديداً المتطرف، أن المسؤولية عن "الماضي المظلم" لا تقع حصراً على فرنسا، معتبراً أن جبهة التحرير الوطني التي قاتلت من أجل استقلال الجزائر ارتكبت بدورها "فظائع رهيبة". 

"ماكرون يدين الحرب الفرنسية لكن في الوقت نفسه يريد طمس هذا الملف لأن الاقتصاد الفرنسي يعيش أزمات متعاقبة ويرى في الجزائر بديلاً حقيقياً للتنمية... الجانب الفرنسي لا زال ينظر إلى الجزائر نظرة استغلال ونهب للثروات"

وللرفض اليميني رواسب كذلك، فعلى سبيل المثال، "الجبهة الوطنية" التي هاجمت بشدة موقف ماكرون وتصريحاته، تم تأسيسها من قبل عدد من القوميين المتطرفين الذين استاءوا آنذاك من خسارة فرنسا في الجزائر، من أبرزهم بيير بوسكيه الذي أنشأ "الجبهة" مع جان ماري لوبان الذي كان جندياً في الجيش الفرنسي في الجزائر، وابنته مارين لوبان هي الزعيمة الحالية لهذا التكتل السياسي.

يتلقى اليمين الفرنسي منذ فترة طويلة دعماً من عائلات ما يسمى بـ" pieds noirs"، وهم يمثلون المليون مستعمر فرنسي الذين نزحوا قسراً من الجزائر بسبب موافقة فرنسا على الاستقلال، ويعيش الكثير منهم حالياً في جنوب فرنسا ويعبرون في مناسبات عدة عن شعورهم يشعرون بالخيانة من قبل بلدهم الأم.

وهذا يفسر لماذا أصدر الحزب الجمهوري عام 2005 قانوناً يعترف "بالدور الإيجابي للوجود الفرنسي في الخارج" وكان هذا تمهيد للتصالح مع المستعمرين وتعويضهم. تم تجميد هذا القانون بعد فترة وجيزة من قيام ضواحي فرنسية، تضم نسبة عالية من المهاجرين، بأعمال شغب.

وعلى الرغم أنه لم يتم ربط الحدثين رسمياً، يشير بعض المؤرخين والكتاب، بما في ذلك البريطاني أندرو هوسي، إلى أن تراث المشروع الاستعماري الفرنسي يغذي "انتفاضة فرنسية" جديدة على أرض الوطن وينشط الإرهاب الإسلامي.

ويذكر في كتابه "الانتفاضة الفرنسية": "مهما حاولت وسائل الإعلام الفرنسية أو المثقفون التقليل من المشكلة، فالحقيقة هي أن فرنسا نفسها لا تزال تتعرض للهجوم من ورثة المشروع الاستعماري الفرنسي الغاضب والمحروم".

يصر مؤرخون على ضرورة حل هذه القضية مؤكدين أن انعكاساتها لا تزال واضحة في المجتمع الفرنسي، إذ تقول المؤرخة الفرنسية المتخصصة في الحرب الجزائرية سيلفي تينولت: "لقد مزّقت هذه الحرب المجتمع (الفرنسي) واستمرت في التأثير عليه، لا سيما في السياسة حتى وإن كانت الأوقات قد تغيرت".

وتشير تقارير عدة إلى أن معظم المواطنين الفرنسيين من خلفيات جزائرية يعانون من التمييز في كل جانب من جوانب الحياة، ويشعرون أن التحيز ضد الإسلام هو الاتجاه السائد، وهو من رواسب الاستعمار كذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard