تونس حائرة بين مطالبة فرنسا بالاعتذار عن الاستعمار واتهامات بورقيبة بـ"العمالة" لها

الأربعاء 10 يونيو 202012:58 م

رفض مجلس النواب التونسي، في ساعة متقدمة من مساء 9 حزيران/ يونيو، مشروع لائحة تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة لمطالبة فرنسا بالاعتذار للشعب التونسي عن جرائمها إبان فترة الاستعمار بعد أكثر من 15 ساعة من المناقشات.

لكن الجلسة، التي خصصت لمناقشة اللائحة، شهدت مبارزة كلامية حادة وتحولت عن مسارها باتخاذ موقف من الاستعمار ودولته إلى اتهامات بـ"الخيانة والعمالة" لمصلحة فرنسا للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية (بين عامي 1957 و1987).

وفي 12 أيار/ مايو الماضي، ذكرى توقيع تاريخ معاهدة الحماية عام 1881 وتاريخ معاهدة الجلاء الزراعي عام 1964، تقدم ائتلاف الكرامة، رابعة الكتل في البرلمان التونسي، ولديه 19 نائباً من أصل 217، بمشروع اللائحة المثيرة للجدل.

وطالب نص اللائحة باعتذار صريح من الدولة الفرنسية للدولة والشعب التونسيين عن كل جرائم الاستعمار الفرنسي منذ العام 1881، مروراً بإبرام معاهدة الاستقلال في 20 آذار/ مارس عام 1956 ومعارك استكمال السيادة الوطنية التي توجت بالجلاء العسكري التام في 15 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1963.

وشدد على مطالبة البرلمان لفرنسا بـ"تعويض الدولة التونسية وكلّ المتضرّرين من جرائم الاستعمار وكلّ الذين انجر لهم الحق قانوناً، تعويضاً عادلاً مجزياً طبق ما تقتضي القوانين والأعراف الدولية بما من شأنه أن يساهم في مسح الآلام والأحزان والمآسي التي تسبب بها الاحتلال البغيض". وذلك لـ"طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ الدولتين"، مذكراً بجرائم "القتل والاغتيال والتعذيب والاغتصاب، والتهجير القسري ونهب الثروات الطبيعية" التي ارتكبت في تلك الحقبة بحق التونسيين.

وبرغم تصويت 77 نائباً بـ"نعم" لمصلحة المشروع، ورفض خمسة نواب وتحفظ 46 آخرين، فإن تمرير المشروع كان يتطلب تأييد 109 نواب على الأقل.

"طرح هزيل ومتاجرة تقضي نهائياً على القضية"... البرلمان التونسي يرفض مطالبة فرنسا بالاعتذار عن حقبة الاستعمار وجرائمه وسط شكوك في توقيت المطالبة ودوافعها ومخاوف على العلاقات الثنائية

جدل ومخاوف

وتباينت مواقف النواب والأحزاب من اللائحة بين من رآها أقل تعويضاً عن حقبة ملآى بالانتهاكات والمجازر، وبين من تخوف من أن تضر بالعلاقات الثنائية بين البلدين "الحليفين" حالياً، مشككاً في توقيتها و"ما خلفها".

ومن المآخذ على اللائحة حاجتها، بحسب نواب وأحزاب، إلى مزيد من توضيح الفترة الزمنية التي يشملها الاعتذار وحول تخصيص اعتذار محدد لمنظمات وشخصيات وطنية مثل الشهيد فرحات حشاد والحبيب بورقيبة وغيرهما، وضبط بعض المفاهيم الواردة في اللائحة. 

وانتُقدت اللائحة لعدم مراعاتها "أي تنسيق واتفاق بين أهم مؤسسات الدولة، أو الإعداد القانوني والتقدير السياسي السليم، وتضمنها عبارات لا ترقى إلى مستوى الخطاب السياسي الحكيم والملتزم بثوابت السياسة الخارجية التونسية القائمة على الاحترام المتبادل بين الدول وإعلاء المصلحة العليا للشعب التونسي". وجرى التأكيد مراراً أن خطوة كهذه قد تكون لها ارتدادات سياسية واقتصادية عميقة على العلاقات الثنائية العالقة بملف تصفية الإرث الاستعماري الفرنسي في تونس لا سيما أن "فرنسا شريك اقتصادي إستراتيجي أساسي مهم لتونس ويعيش داخل أراضيها قرابة المليون تونسي من مختلف الأجيال"، وسط تساؤلات بشأن توقيت طرح اللائحة ودوافعها.

ورأت رئيسة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسى في الطلبات الموجهة في صلب اللائحة "مخالفة للقانون، لأن هناك الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية، وأن رئيس الجمهورية هو المكلّف رسم السياسات الخارجية وفقاً للدستور".

وأوضحت: "هذه ليست لائحة لردّ الاعتبار إلى تونس، بل هي لائحة لتصفية الحسابات السياسية".

وبلغ الأمر بالمؤرخ والأكاديمي التونسي البارز عدنان منصر إلى أن وصف المبادرة بـ"الطرح الهزيل"، متسائلاً "طرح مبادرة بهذه الخفة يخدم هذه القضية أم يقضي عليها نهائياً؟ هل يمثل وعياً حقيقياً بتضحيات أجيال من التونسيين، أم استخفافاً بها و‘مجرد متاجرة‘ بقضايا كبرى في سوق محلية، ولاعتبارات محلية؟".

على الجانب الآخر، أصر رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف على أن "تونس اليوم تدين لشهداء الحركة الوطنيّة وجرحى الاستعمار والمنفيين وغيرهم ممن تمّ التنكيل بهم. وما التقدّم باللائحة لمجلس نواب الشعب سوى عرفان بجميل الشهداء وتصحيح للتاريخ".

ونبّه إلى أن "مطلب الاعتذار هو مطلب تقدمت به كل الشعوب المضطهدة، من بينها فرنسا التي طالبت ألمانيا بالاعتذار"، قائلاً إن العلاقات بين البلدين توطدت إثر تقديم ألمانيا اعتذاراً رسمياً إلى فرنسا.

وشدد على أن "الاعتذار تصحيح لوضعية واعتراف بجرائم ارتكبت في حقّ الإنسانية، خاصّة أنّ الرئيس الفرنسي الحالي صرّح بأن الاستعمار جريمة ضد الإنسانية".

النهضة تحذّر

كان موقف حركة النهضة، التي ينتمي إليها رئيس البرلمان راشد الغنوشي، واضحاً من البداية برفض اللائحة والتشكيك في غاياتها. ودعا القيادي في "النهضة" ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض إلى عدم تمرير اللائحة "لإعفاء تونس مما هي في غنى عنه"، معتبراً أنها تضر بالمصالح العليا لتونس.

المناقشات حادت عن مطالبة فرنسا بالاعتذار لدى اتهام أحد النواب للرئيس بورقيبة بـ"الخيانة والعمالة للاستعمار". النائب قال إن "الاحتلال لا يكرّم عملاءه"، متسائلاً: لماذا تشيد دولة الاستعمار تمثالاً لـ"المجاهد الأكبر" إذا صح أنه أخرجها من أرض تحتلها؟

وعقب رفض اللائحة، أبرزت "النهضة" في بيان أنها ترفض وتدين جميع أشكال الاستعمار، معبّرةً عن "قلقها من طرح مثل هذه المبادرات الهامة والحساسة من دون تنسيق وحوار مسبق بين مؤسسات الدولة وفاعليها الأساسيين في السياسة الخارجية، ومن دون تحقيق توافق وطني واسع على تفاصيل بنودها بين كل مكونات المشهد السياسي والمجتمعي".

ولفتت الحركة إلى "ضرورة التنسيق مع رئيس الجمهورية في مثل هذه المبادرات التي تتّدخل في صميم صلاحياته، خاصة في ظل ظروف استثنائية تعيشها البلاد على وقع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لوباء كورونا".

هجوم على بورقيبة

اللافت أن مناقشة المطلب الذي طالما أثير في نقاشات النخبة الثقافية في تونس، وطرح للمرة الأولى سياسياً ورسمياً على البرلمان، حادت تماماً عن مسارها عندما هاجم النائب راشد الخياري الرئيس بورقيبة، الملقب بـ"المجاهد الأكبر"، قائلاً إنه "خائن وعميل للاستعمار".

وعلل الخياري، وهو نائب مستقل عقب استقالته من ائتلاف الكرامة، اتهامه بأن فرنسا نصبت تمثالاً لبورقيبة في العاصمة باريس، مستدركاً "الاحتلال لا يكرّم إلا عملاءه".

في السياق نفسه، أشار النائب إلى إطلاق بورقيبة اسم الجنرال الفرنسي شارل ديغول على شارع في قلب العاصمة برغم أنه أمر بقصف بنزرت قصفاً أدى إلى مقتل أكثر من خمسة آلاف تونسي خلال معركة الجلاء.

وشدد على أنه قبل طلب الاعتذار من فرنسا، ينبغي أولاً إزالة جميع رموز فرنسا من الشوارع والفضاءات العامة التونسية.

وشهدت الجلسة حالة من التوتر إثر مداخلة الخياري التي أثارت حفيظة نواب الحزب الدستوري الحر وكتلة الإصلاح الوطني وقلب تونس. وتوقفت الجلسة وسط تبادل الاتهامات، فيما اشترط رئيس كتلة الإصلاح حسونة الناصفي سحب مداخلة الخياري والعبارات التي هاجم فيها الحبيب، وإلا فلن تستكمل الجلسة.

ودافعت النائبة عن التيار الديمقراطي سامية عبو عن بورقيبة ولفتت إلى أنه "تعرض لأبشع أنواع الظلم والقهر حياً وميتاً"، مسترجعةً وضعه في المنفى القسري 13 عاماً كاملة ومنعه خلالها من استقبال زوار ومحاولته الانتحار مرتين.

واتهمت عبير موسى الغنوشي بالمسؤولية عما قاله الخياري واصفةً ذلك بـ"محاولة تصفية حسابات" من قبل الغنوشي مع بورقيبة. ورد الغنوشي بأنه بريء من "كل إساءة ذميمة" جرى التفوه بها خلال الجلسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard