زوجة تونسية في المزاد العلني

الثلاثاء 3 أغسطس 202112:23 م

"نحن نعيش في أَوج عصر التفاهة، حيث عقد الزواج أهم من الحب، ومراسم الدفن أهم من الميت، واللباس أهم من الجسد، وقداس الأحد أهم من الله" (إدواردو غاليانو).

"إلى ابني الوحيد، بعد هذه السنوات كلها، أشعر أنني مدينة لك باعتذار، لأني من خوفي الشديد عليك، خنقت حريتك، وتدخلت في حياتك الخاصة، وأجبرتك على الزواج، وعلى قبول خياري لك. بل جعلتك في مرحلة ما تعتقد أنه خيارك. الآن، وأنا أرى نتائج "جريمتي" في حقك، وحق حريتك الشخصية، أعتذر منك".

قرأت هذه الرسالة في صفحة "قصة من الواقع" التي كنت أشرف عليها في إحدى الصحف التونسية. ضحك خيالي على الفكرة، وراح يلعب بتغيير عنوان السلسلة الهزلية من "عايزة أتجوز" إلى "عايز أتجوز". ثم راح يكتب المشهد الأول: عرض لرجل في غرفة الصالون، طابور النساء أمام الباب، وأمه في الاستقبال تمنح تأشيرة المرور إلى الصالون حسب اختيار مبدئي يحكمه مزاجها. المشهد مسلٍّ جداً، حين نعتقد أنه خيالي، لكن كيف نتعاطى معه مدركين أن هذه المشاهد تحصل داخل الأسر التونسية عام 2021؟

وجود المرأة في نظر جزء كبير من الرجال الشرقيين، ليس إلا لوظيفة تناسلية. لهذا، يدخل العمر، والطاقة الجنسية، في إطار الحسابات وفق التصور التقليدي للمرأة 

الفتاة التي التقيتها مؤخراً، نفضت الغبار عن الكثير من القصص العاطفية الغريبة، ومنها قصتها، إذ تقول: "وثقت به، فأحببته. علم بأسراري كلها، فطمأنني بقوله: لا يهمني ماضيك. فكنت كمن عثر على كنز. وكنت كمن أُخرج من القذارة الدنيوية إلى عالم ملائكي. بل حملته في داخلي كمعجزة غير قابلة للتعويض. رغبت فيه كرغبته في كتبه. وكان يحتويني كوطن. اعتقدت أنه من باب البداهة الوثوق بعشاق فيروز، ومحمد عبد الوهاب، ونازك الملائكة، وأمل دنقل، وبدر شاكر السياب". وتتابع قائلةً: "سرعان ما انقشع جمال البدايات. ومع المشكلة الأولى التي اعترضتنا، طلب مني تغيير العلاقة من مشروع زوج، إلى مشروع صديق. قبلت ذلك قسراً. كان ذلك ‘تكتيكي الوحيد’، حتى أتمكن من استرجاعه كحبيب. وعاد، ثم ابتعد مجدداً، ثم عاد. وبعدها فهمت سر التردد. لقد علمت بطريقتي أن مقاييس الفتاة التي تبحث عنها عائلته غير متوافرة عندي، ومن بينها القدرة على الإنجاب؛ أي السن. بالإضافة إلى أني أكبره بسنتين. وقد أكد لي مرة: أنا وأنت قد نكون في أقوى علاقة عاطفية. لكن الزواج صعب جداً، فقد تعترضنا إشكالات في إنجاب الأطفال". سألت ضيفتي: "كيف قبلت أن يحدثك بهذا الأسلوب؟". فأجابت:" كان خوفي من خسارته يعميني. ولم أفتح عيني إلا حين اختار الخروج من حياتي بكل قسوة وعنف، من دون أي اعتذر. بعدها بفترة وجيزة اكتشفت أنه في علاقة مع فتاة من أولئك اللواتي رشحتهن العائلة، وقد تقدم لخطبتها. وعلمت أنها تصغره بـ13 سنة". ربما يغيب عن محدثتي أن وجود المرأة في نظر جزء كبير من الرجال الشرقيين، ليس إلا لوظيفة تناسلية. لهذا، يدخل العمر، والطاقة الجنسية، في إطار الحسابات وفق التصور التقليدي للمرأة. وكأن الخصوبة محددة بالعمر البيولوجي فحسب.

لقد تفشت في تونس مجدداً ظاهرة الزواج التقليدي، وصارت العائلات هي المكلف الرسمي لإيجاد فتاة تتناسب مع ميول العائلة، والأهم أن تكون عشرينية. إنه عمل منظم ومتقن؛ الولد المطيع يقوم بدراسة الفتاة واختبارها، والفتاة بدورها تعرف ذلك، فتصنع من نفسها خياره الأفضل كمرشحة، بحكم أنها مستلبة الشخصية، وترى في نفسها سلعة. ويكون التعارف في البداية من خلال المواصفات التي تتبجح العائلتان بنقلها. ثم من خلال صورة فيسبوكية. ينساق الشاب في تطبيق رغبات العائلة في تزويجه حسب مواصفاته، مع إيهامه وإقناعه بأنها خياره. وتقول ضيفتي في هذا السياق: "كنت أحترمه هو، وليس صورته الاجتماعية. كنت سعيدة بوجوده، وليس بوجود ‘الزوج’ الذي أبحث عنه. طبعاً لم أكن صيادة ماهرة، ولا متابعة وفية لرضوى الشربيني".

لقد تفشت في تونس مجدداً ظاهرة الزواج التقليدي، وصارت العائلات هي المكلف الرسمي لإيجاد فتاة تتناسب مع ميول العائلة، والأهم أن تكون عشرينية

تبادر إلى ذهني هنا قول لعالم الاجتماع علي الوردي: "التناقض الاجتماعي كامن في أعماق الشاب العربي. فهو يقلد الشاب الغربي في أفانين الغرام. لكنه في الزواج يريد تقليد أبيه وأعمامه وأخواله. إنه في غرامياته دون جوان، وفي زواجه حاج عليوي".

لكن كيف تتم عملية الزواج التقليدي عام 2021؟ تلجأ الأم إلى "خاطبة" (الخاطبة مفردة باللهجة التونسية تعني من تقوم بالبحث عن زوج أو زوجة حسب المطلوب). أحياناً يتم الاستغناء عن دور الخاطبة. تعوضها الأم الخبيرة بتقنية أخرى تراها أكثر نجاعة، إذ تحرص على توجيه دعوات للعائلات القريبة خلال وجود ابنها في المنزل. وهذه التقنية تُستعمل أكثر مع الابن المقيم خارج الوطن. فبعد سفره، يكتشف أن لديه عائلة موسعة جداً، تكاد تكون مستخرجة من القبور، فتنقب العائلة عن القرابات الممكنة. وإن كان الابن المعني في علاقة، تُوجَّه نحوها أسباب الفشل كلها، ويُغرس ذلك في عقله الباطني. فكل نجاح لعلاقة مع فتاة اختارها بمفرده، هو تعميق لحالة الصراع مع العائلة، والعودة إلى منطقة الخلافات معها.

تتم العملية على شكل مزاد علني، وكأنك في سوق نخاسة، وأمام متاجرة بالعبيد. يتم تقييم المرأة، كسلعة، بمقاييس تقييم السلع التجارية نفسها: مدى صلاحيتها، ومدى مطابقتها للمواصفات العائلية، ومدى مطابقتها للمواصفات الجمالية للابن. ولا نسمح لأنفسنا بالحديث عن مقاييس فكرية، لأني لا أعتقد أن من يخوض هذه التجارة يحمل فكراً حراً. والغريب أن بعض النساء يسمحن بأن تكون صورهن داخل ألبوم يُعرض على الشريك المناسب.

ولشدة ما دُهشت من تفاصيل هذه القصة، قررت أن ألعب اللعبة؛ اتصلت بعائلتي، وطلبت منهم أن يبحثوا لي عن زوج. كنت أرغب في تجريب الشعور: كيف يمكن لإنسان الانخداع والرضوخ لرغبات الآخر؟ بدأت العائلة فعلاً في البحث. قامت بالاتصالات الممكنة جميعها. جميعهم أخذوا دور الخاطبة. وأنا الأميرة التي أقبل بهذا، وأرفض ذاك. يجب أن يكون أكثر طولاً. لا، عيناه صغيرتان. لا أحب لون شعره. أصبح الرجال عبيداً تحت أمري؛ أمزّق صورة هذا، وأحتفظ بصورة ذاك. أتحدث مع هذا، وأقوم بحظر الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي. لعبة مسلية ومقززة في الوقت نفسه. كيف يمكن لعلاقة أن تؤسَس على هذه القذارة؟ زوجة أو زوج في المزاد العلني! لم أستطع احتمال اللعبة حتى آخرها، والالتقاء بالرجل الموعود، الذي نجح بتفوق في شد انتباهي بمواصفاته القريبة جداً من المطلوب، وقد حصل على علامة 18 من 20.

لا تمل العائلة من ابتزاز ابنها عاطفياً، بجملٍ مثل: "نحبك تعرس (تتزوج) قبل منام عيني"، أو "فرحني بولدك"، وهي تعابير منتشرة داخل العائلات التونسية 

تتفق دراسات علم النفس على أن لجوء الشباب إلى عائلاتهم للبحث عن زوج، هو نتاج تراكم فشل العلاقات العاطفية الذي يجعلهم يعانون من نقص في الثقة بأنفسهم، وبخياراتهم من جهة. ومن جهة أخرى، فالـ"خصاصة" العاطفية، والفقر العاطفي الذي يعانيه الشاب، منذ كان طفلاً، وخسارة مفهوم العائلة في مرحلة مبكرة، ومن ثم سفره وانشقاقه عن العائلة، هي عوامل تجعله يعيش خوف خسارة العائلة مجدداً، بما فيها من انتماء، وامتداد، وتجذر، وهوية، واحتواء، وارتكاز، وغيرها من المعاني التي يُحرم منها الشاب في طفولته، فتكون بمثابة تعويض له. وتصبح العائلة حاضرة في قراراته كلها، بما فيها الزواج. ومن الطبيعي أن ينسى الشاب ما يريده، وسط انتشائه بالتفاف العائلة حوله. إذ تنجح العائلة في تسريب شعور الاحتواء إليه، ومنحه صفات الابن المطيع الجيد الرصين، وهي خصال عادة ما نسمعها، ونحن أطفال، من عائلاتنا. وحين لا ننعم بها في طفولتنا، نعوضها لاحقاً في مشهد تمثيلي لعائلة لا يهمها في الحقيقة مصلحة الابن، قدر ما يهمها نجاح قدرتها في السيطرة عليه، وعدم خروجه من تحت هذه السيطرة.

في هذه المرحلة، لا تمل العائلة من ابتزاز ابنها عاطفياً، فتغرقه بجمل مثل: "نحبك تعرس (تتزوج) قبل منام عيني"، أو "فرحني بولدك". وهي تعابير منتشرة داخل العائلات التونسية التي تتدخل في حياة أبنائها. وفي نهاية الأمر، يجد الابن نفسه مقتنعاً بخيار العائلة، بل لعله يدرب نفسه على تقبل هذا الخيار بوصفه خياره الشخصي. وفي مرحلة ما، قد يوهم نفسه بولادة مشاعر تجاه شريكة الحياة المنتقاة في المزاد العلني.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard