موت مدينة؟

الثلاثاء 13 يوليو 202111:09 ص

يعيش في بيروت آلاف من الأشخاص الذين يعملون منها لصالح شركات ومؤسسات أجنبية. صحافيون وفنانون ومصممون ومهندسون ووكلاء تجاريون، وغيرهم كثيرون ممَّن لا يمكن جمعهم وإحصاؤهم بعجالة. هؤلاء يستطيعون العيش في المدينة والصمود في مواجهة الانهيار المتسارع للعملة الوطنية، وارتفاع نسبة التضخم إلى حد لم يعد يسمح للبنانيين بتأمين أبسط حاجياتهم اليومية التي تمكنهم من العيش في الكفاف.

لكن المدينة تعاني أيضاً، بسبب تسارع الانهيار في بنية الدولة نفسها، من فقدان قدرتها على تأمين أبسط المستلزمات التي يحتاجها هؤلاء الأشخاص للاستمرار في مزاولة أعمالهم.

بات القاطن في بيروت، أو أي مدينة مكتظة في لبنان، ملزَماً بأن يصرف جلّ وقته المتاح لتأمين حاجياته الضرورية: تزويد سيارته بالوقود اللازم يحتاج منه وقتاً لا يمكن تقدير زمنه، وتأمين أساسيات عيشه اليومية غير مضمون، فضلاً عن أن البلد يعاني من انقطاع شبه شامل للتيار الكهربائي، وندرة في مصادر المياه.

باختصار، ونظراً للطابع المديني الحديث لبيروت، يمكن القول إن هذه الحياة لا يمكن وصفها. أو يمكن القول، وبثقة محزنة، إن ما يُعاش اليوم في بيروت لا يمتّ لأسباب الحياة بصِلة.

كثيرون ممَّن عاشوا في المدينة معظم سنوات حياتهم يهجرونها اليوم إلى الأرياف، إلى قراهم التي تحدروا منها، أو بعض الحواضر في تلك الأرياف التي ما زالت تتمتع بتضامن أهلي، وتدير اقتصادات شبه تبادلية، تمكنّها من الصمود في مواجهة هذه الجائحة الاقتصادية-السياسية.

إلى هنا ليس ثمة ما لا يمكننا تخيله في وصف الانهيار المتسارع. لكن تعريف هوية الانهيار باتت اليوم ملحّة. فهذا ليس انهياراً قد يعقبه استقرار يعقبه ازدهار في ما بعد. هذا الانهيار يعادل خروجاً للبلد برمته من حيّز الوجود. اصرف/ي نظرك عن الادعاءات الفارغة لمَن يظنون أنفسهم منتصرين أو قادرين على الصمود. واصرف/ي نظرك أيضاً عن الذين يحسبون أن عودة المساعدات إلى البلد بعد تحقيق تنازلات سياسية تريدها الأطراف الخارجية قد تعيد لبنان إلى حظيرة العالم المضاء المسوّرة بالتقنيات. واصرف/ي نظرك أيضاً عن الذين يعتقدون أن إنتاج مشاريع سياسية جامعة تراعي المشترك بين اللبنانيين قد يكون ترياقاً شافياً لأزمة البلاد.

"بيروت تحتضر احتضاراً بليغاً، وموتها يعني انتفاء الحاجة إلى رابطة جامعة بين اللبنانيين، ويحوّلهم من ‘أشباه مواطنين’ كما كانت حالهم خلال العقود السابقة، إلى مجرد لاجئين في أرضهم وبين أهلهم، لا يملكون من الأمل أكثر من فسحة إبقائهم على قيد الحياة"

أن يهاجر أهل لبنان من عاصمتهم إلى أريافهم أمر يعني أولاً أن مكان اللقاء بالآخر أصبح قفراً. ولم يعد ثمة مكان يمكن أن يولد فيه المواطن، أو المستهلك، أو الزبون. هجران المدينة الجامعة يعني أن ثمة تفرقة تحط رحالها في قلب هذا البلد الذي يوزع الدم على أطرافه. وليس هذا الهجران عابراً ولن يكون.

يجادل كثيرون من أبناء النخبة الثقافية في لبنان بأن هذا الانهيار المتسارع قد يكون عابراً، بمعنى أن احتمال أن يعقبه استقرار أمر وارد وممكن. لكن ما لا ينتبهون إلى خطورته في هذه المجادلة الحامية أن المدن، والحديثة منها خصوصاً، وبيروت كانت مدينة حديثة، تشبه الأطفال الرضّع، لجهة حاجتها إلى الرعاية الدائمة والمستمرة بلا انقطاع.

بنية المدن الحديثة التحتية تحتاج إلى صيانة يومية وتجديد دوري، أبنيتها أيضاً، علاقاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية تحتاج إلى رعاية دائمة، وإلى مدى من الحرية في القول والاستماع، لا يتوافر من دون توافر وقت وتقنيات لدى المشاركين في هذا الحوار.

"اصرف(ي) نظرك عن الادعاءات الفارغة لمَن يظنون أنفسهم منتصرين أو قادرين على الصمود... (ما تشهده بيروت) ليس انهياراً قد يعقبه استقرار يعقبه ازدهار في ما بعد. هذا الانهيار يعادل خروجاً للبلد برمته من حيّز الوجود"

ثم، وهذا أيضاً أحد الشرايين الكبرى التي تتغذى منها المدن الحديثة، سُمعتها وصورتها بحاجة دائماً إلى صيانة وعناية وتلميع. ما تصدّره من صورتها إلى الخارج ليس تفصيلاً عابراً في بقائها من عدمه. المدن آلات غواية وإغراء، ومن دون نجاحها في الغواية والإغراء لا تستطيع أن تبقى، لأن شرط بقائها وازدهارها، في نهاية الأمر يتصل اتصالاً مباشراً بقدرتها على إغواء الغرباء عنها، أكانوا مواطنين نشأوا في أريافها، أم كانوا سائحين أو رجال أعمال يجدون في حضنها فرصة للتمتع أو الربح.

الهجرة من المدينة لا تعني أن اللبنانيين سينقرضون. لكن موت مدينة بسبب هجرانها ليس أمراً يمكن أن نمرّ عليه مرور الكرام. هذه المدينة تحتضر احتضاراً بليغاً، وموتها يعني انتفاء الحاجة إلى رابطة جامعة بين اللبنانيين، ويحوّلهم من "أشباه مواطنين" كما كانت حالهم خلال العقود السابقة، إلى مجرد لاجئين في أرضهم وبين أهلهم، لا يملكون من الأمل أكثر من فسحة إبقائهم على قيد الحياة، إذا اعتمدنا تعريف جيورجيو أغامبِن، أو مجرد أبناء غيتو لا يصدّر للخارج غير أسواره وموتاه، ولا يملكون أن يوحوا، لمَن يتفقد أحوالهم من الخارج، أنهم كانوا بشراً ذات يوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard