الطبقة السياسية اللبنانية على أبواب تجديد شرعيتها

الأربعاء 28 يوليو 202110:32 ص

لديّ أسباب كثيرة تدعوني للجزم بأن الطبقة السياسية التي تدير لبنان منذ عقود تعاني من أمّية في السياسة والاقتصاد والاجتماع. واعتقد أن أي مراقب نزيه يوافقني الرأي في هذا الجزم. إنما أيضاً لديّ أسباب أكثر للاعتقاد بأن هذه الطبقة ستجدد شرعيتها للحكم عاجلاً أو آجلاً.

هذا الاعتقاد لا يحدوني إليه الظن بأن هذه الطبقة السياسية ما زالت تملك موارد تأييد من شرائح كبيرة في المجتمع اللبناني المنقسم على عدة وجوه من الانقسامات. هي تملك شطراً من هذه الموارد بلا شك، لكنها تعجز عن تبرير نفسها في السياسة والإدارة والاقتصاد أمام مريديها. هكذا، تحكم هذه الطبقة في الوقت التنفيذي الضائع الذي يمر به لبنان، من دون حجة. لا تملك أي خطاب للحكم يتصل من أي باب بالأزمات التي تعصف بالبلد وباجتراح الحلول لها.

لكن هذا الضعف وهذه الهشاشة لن يعقبها، على الأرجح، سقوط مدوٍّ. وأغلب الظن أن هذه الطبقة ستبقى تدير هذا الانهيار، إلى أن تؤدي التغييرات الديموغرافية التي سيضطر اللبنانيون إلى إجرائها على اجتماعهم، إلى نوع من استقرار الاجتماع على البلاهة والجمود واللامبالاة التي لا تجيد هذه الطبقة السياسية صنعة سواها.

ليست هذه الطبقة مسلّحة حتى أسنانها، وقادرة على الدفاع عن نفسها. لكن ما تواجهه حقاً ليس مشروعاً تغييرياً على أي نحو. أهل الساحات والميادين لم ينجحوا في الانتقال من لحظة الاحتجاج إلى حركة الاحتجاج. الضوء الذي شكلته فورة الغضب الشعبي في أواخر عام 2019 وبدايات 2020، كان منتهياً إلى نفق مظلم. كان ضوءاً مؤقتاً، ولم يكن نهاية للنفق، بل بداية له.

حقق الغضب العام نوعاً من الرفض المطلق لكل الطبقة السياسية، وحيث أن حركة الغضب هذه لم تقترح بديلاً، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، فإن المقعد الوحيد الذي وجدته مجهزاً لها، هو مقعد السخط العام: أحكموا كما تشاؤون، ونحن سنشتمكم كما نشاء.

"حقق الغضب العام (في لبنان) نوعاً من الرفض المطلق لكل الطبقة السياسية، وحيث أن حركة الغضب هذه لم تقترح بديلاً، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، فإن المقعد الوحيد الذي وجدته مجهزاً لها، هو مقعد السخط العام: أحكموا كما تشاؤون، ونحن سنشتمكم كما نشاء"

استقرار المشهد السياسي اللبناني على هذه المعادلة المحبطة يعني أن الطرفين -أهل الساحات والميادين والطبقة المتسلطة- ينتظران حلاً من الخارج. وإذا لم يتوافر هذا الحل، وتوافره شبه مستحيل في واقع الأمر، فإن البلد سيبقى يجرّ أذياله في العفن والظلام إلى أن ينجح معظم اللبنانيين القادرين على الهجرة من البلاد في تحقيق مبتغاهم، ولا يبقى فيه غير متقاعدين ينتظرون تحويلات أبنائهم المغتربين، حتى الموت. في هذه الحال، يسهل حكم البلد على النحو الذي لا تكون فيه السلطة السياسية مطالبة بشيء على الإطلاق.

والحق، إن أهل الميادين لا يُلامون على عجزهم عن إيجاد البديل الأفضل للحكم. فهذا عجز عالمي، شهدناه في ميدان التحرير القاهري، وميدان الاستقلال الأوكراني، وميادين تقسيم وروتشيلد وبويرتا ديل سول في إسبانيا وسينتاجما في أثينا، إلى ساحة ألتاميرا في كراكاس وسائر حدائق الاحتجاج وبوليفاراته. ذلك أن المطروح على الناس عالمياً لا يرقى إلى مراتب البديل، لأن الطبقات السياسية في العالم أجمع لم تعد تملك السلطة وحدها، وتحتاج، لتأمين استقرار ما للبلد، إلى تضافر جهود قوى أخرى لا سلطة لها عليها، ولا طاقة لها على حكمها، قد تكون الرأسماليات المالية، والشركات العابرة للحدود في مقدمها.

"أخطر ما في هذا العجز عن الدوام والثبات في الاحتجاج واقتراح البدائل، يتمثل في أنه يتحول سريعاً إلى عودة لإضفاء الشرعية على الفئة المتسلطة، من خلال افتقاد البدائل الحقيقية التي تؤهل نخباً جديدة للتنطح للحكم"

هذا ما ضرب كل الحركات السياسية في مقتل وجعل كل حركات الغضب الشعبي والنخبوي، في الشرق والغرب، أشبه بانفجارات عارضة لا تملك طبيعة الثبات ولا تستطيع الحفاظ على دوامها. وهذه الانفجارات شهدها اللبنانيون عياناً ودفعوا جرائها أثماناً باهظة في الأرواح والممتلكات والنسيج الاجتماعي المتقهقر إلى ما فوق الصفر بقليل.

أخطر ما في هذا العجز عن الدوام والثبات في الاحتجاج واقتراح البدائل، يتمثل في أنه يتحول سريعاً إلى عودة لإضفاء الشرعية على الفئة المتسلطة، من خلال افتقاد البدائل الحقيقية التي تؤهل نخباً جديدة للتنطح للحكم، ليُترك الميدان خالياً للطبقة المتسلطة التي تؤكد كل يوم استعدادها للحكم ما دام أحد أو جهة من الغاضبين والمعترضين لم يتقدم لملء الفراغ الناشب في سدة السياسة.

ولن يطول الزمن حتى تنجح هذه الفئة المتسلطة في تقديم نفسها كضحية أجبرها انعدام البدائل على تنكّب مهمة حكم البلاد التي لا يريدها أحد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard