عد تنازلي... اللحظات الأخيرة قبل تدمير إسرائيل لبرج الجلاء في غزة

السبت 31 يوليو 202103:47 م

لا تنقطع الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية اليومية على حيوات الفلسطينيين وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأحدثها إطلاق النيران في جنازة الطفل الفلسطيني محمد العلمي يوم الخميس 29 يوليو/تموز الجاري، مما أدى إلى قتل أحد المشيعين بعد إطلاق الرصاص على رأسه وبطنه به، إصابة طفل شارك في الجنازة.

يأتي هذا بعد أسبوع واحد من قيام أحد جنود الاحتلال بقتل طفل فلسطيني آخر يدعى محمد التميمي في بلدة النبي صالح بالضفة الغربية أثناء سيره للبحث عن شقيقه الأصغر، ليكون محمد هو رابع طفل تقتله قوات الاحتلال من نفس العائلة من دون سبب أو محاسبة.

  عادة، تمر هذه الجرائم اليومية مرور الكرام، ولا تلتفت إليها أجهزة الإعلام العربية أو الدولية، بينما تحظى الاعتداءات الواسعة النطاق التي تضمن محاولات للرد من الفلسطينيين باهتمام، غالباً ما ينطلق من رصد "صواريخ حماس" وأثرها. 

لهذا لا تزال الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة التي طالت قطاع غزة والضفة الغربية والفلسطينيين في الداخل المحتل (عرب 1984) تحظى ببعض الاهتمام في الصحف العالمية، ومنها تقرير حديث نشرته الغارديان البريطانية حول وقائع هدم الأبراج التي استهدفها القصف الإسرائيلي على غزة.

 خلال العدوان الذي استمر 11 يوماً على القطاع المحاصر في أيار/مايو 2021، دمرت غارات جوية إسرائيلية خمسة أبراج متعددة الطوابق في قلب المدينة، منها برج الجلاء الذي ضم مكاتب وكالات وشبكات إعلامية عربية ودولية.

عادة، تمر الجرائم الإسرائيلية اليومية مرور الكرام ولا تلتفت إليها أجهزة الإعلام العربية أو الدولية، بينما تحظى الاعتداءات الواسعة النطاق التي تضمن محاولات للرد من الفلسطينيين باهتمام، غالباً ما ينطلق من رصد "صواريخ حماس" وأثرها

انتشرت صور المباني المنهارة عبر القنوات التلفزيونية في جميع أنحاء العالم، حين كانت غزة تتعرض لأعنف هجوم إسرائيلي منذ عام 2014. وقُتل ما لا يقل عن 256 فلسطينياً، من بينهم 66 طفلاً، و13 في الداخل المحتل (إسرائيل) منهم فلسطينيون، من بينهم طفل وطفلة عربيان.

 وزعمت إسرائيل أنها تستهدف فقط القدرات العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، التي أطلقت مئات الصواريخ على الأراضي المحتلة، إثر الاعتداءات المتكررة لإسرائيل في القدس، بشأن تهجير السكان الفلسطينيين ومداهمات شرطة الاحتلال للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

 قصة برج الجلاء

حول قصف الأبراج، تتساءل الغارديان: في كل مرة قالت إسرائيل إنها تستهدف حماس وإنها حذرت السكان أولاً. لكن ما هو شعورك إذا لم يكن لديك سوى بضع دقائق للإخلاء قبل مشاهدة حياتك تتحول إلى أنقاض؟

 في تقريرها المنشور بالتعاون مع منظمة Airwars لمراقبة الأضرار المدنية، روى عشرات السكان الأحداث التي عاشوها خلال ساعة واحد فقط قبل إخلاء برج الجلاء، الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في 15 أيار/مايو 2021.

 بني برج الجلاء في عام 1994 في إطار الطفرة العقارية التي أشعلتها اتفاقيات أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

كانت الطوابق الخمسة الأولى عبارة عن مكاتب، أما الطوابق من السادس إلى العاشر فتسكنها العائلات. في الطابق 11، وهو الطابق العلوي، مكاتب وكالة أسوشيتد برس وقناة الجزيرة، فيما كان الطابق الأرضي يحتوي على مستويين من المتاجر وتحته موقف للسيارات.

 وينتمي العديد من سكان البرج إلى عائلة المهدي، ومنهم صاحب المبنى جواد ونجله محمد. وكان جواد البالغ من العمر 68 عاماً يتاجر في إسرائيل قبل عام 2007، وهو نفس العام الذي حاصرت فيه إسرائيل القطاع بعد استيلاء حماس على الحكم في غزة. ومنذ ذلك الحين يدير شركته للملابس في القطاع وحده.

 يقول أفراد الأسرة في شهاداتهم إنهم مع بدء القصف، تجمعت الأسرة بكاملها في عدد قليل من الشقق في الطابق السادس طلباً للأمان، هذا الاحتماء العائلي تفكك أثناء اندفاعهم للإخلاء، عندما منحهم الاتصال الإسرائيلي ساعة واحدة فقط للمغادرة قبل دك البرج.

 تجمعت الأسرة بكاملها في عدد قليل من الشقق في الطابق السادس طلباً للأمان، هذا الاحتماء العائلي تفكك أثناء اندفاعهم للإخلاء، عندما منحهم الاتصال الإسرائيلي ساعة واحدة فقط للمغادرة قبل دك البرج

الجدول الزمني

في حوالي الساعة 1.35 مساءً يوم 15 أيار/مايو، تلقى طارق مهدي مكالمة هاتفية من الجيش الإسرائيلي، سجلها عبر تطبيق Call Recorder. أمره خلالها ضابط إسرائيلي بإخلاء جميع السكان، لأنهم – الإسرائيليون- سيدمرون المبنى في غضون ساعة.

تزعم إسرائيل أن المبنى كانت تستخدمه حماس، وهو ما ينفيه السكان وعائلة المهدي. ولك يذكر اسم الجيش الإسرائيلي خلال المكالمة الهاتفية، إلا أن الجيش أصدر بياناً لاحقاً زعم فيه أن الضربة نفذت وفقاً للقانون الدولي، وأن الإخلاء "كان دقيقاً" ومنع وقوع إصابات بين المدنيين.

 عند تلقي المكالمة، كان طارق رفقة ابن عمه محمد. رد طارق على المكالمة الهاتفية، ويقول محمد إنه وجد وجه ابن عمه يشحب "كان وجهه أبيض كما لو كان يتعاطى المخدرات". أما طارق فأخذ يبحث مرتبكاً عن عمه جواد. قال طارق لمحدثه الإسرائيلي: "ابق على الخط وتحدث إلى عمي. لماذا اتصلت بي؟".

 التقط العم جواد الهاتف وهو يتنفس بصعوبة. وسأل الإسرائيلي: "أي مبنى؟"

يرد الضابط الإسرائيلي: برج الجلاء (صوته غير مسموع تقريباً).

 يكرر جواد: "أنا لا أسمعك ... ماذا؟"، يعود الضابط ويقول: "برج الجلاء".

يرد جواد: "برج الجلاء؟! 15 طابقاً؟! هناك العديد من السكان وهناك قناة الجزيرة ووكالة أسوشيتد برس".

 1:45... تحذير السكان

 بينما كان والده جواد على الهاتف، ركض محمد عبر المبنى لتحذير السكان. محطته الأولى كانت في الطابق السادس، حيث يتجمع معظم أفراد عائلته.

 يقول محمد: "ذهبت إلى كل منزل في المبنى وصرخت: سوف يقصفون المبنى، غادروا الآن!"، أخبرهم محمد أنه ليس لديهم حتى الوقت لحزم أمتعتهم.

 في الطابق التاسع يصل إلى باب عائلة جاروشة حيث يعيش مهند وسوزان وابنتاهما الصغيرتان منذ سبع سنوات. لم تعرف الصغيرتان بيتاً آخر. بالنسبة للسكان، ومنهم عائلة جاروشة، كل المبنى أسرة واحدة ممتدة، وإن لم ينتموا لنفس العائلة فعلاً.

 كان مهند جاروشة خارج المنزل، فيما بقيت سوزان والفتيات وحدهن، وسمعن طرقاً على الباب. تقول سوزان: "شعرت بالذهول عندما سمعتهم يقرعون على جميع الأبواب المجاورة لنا أيضاً"، وأضافت: "فتحت الباب وقلت ماذا يحدث؟ قال لي"لدينا أقل من ساعة ويقصفون المبنى".

 أمسكت سوزان بابنتيها واندفعت مذعورة نحو الباب الأمامي، وشقت طريقها إلى الأسفل مع الطفلتين وحقيبتين للطوارئ، كانت قد حزمتها في بداية الحرب. تقول: "الطريقة التي بدا بها الناس - حتى الآن، ما زلت لا أستطيع التخلص منها من ذهني. كان الناس يصرخون - بنتاي أيضاً تصرخان. لم أكن أعرف كيف أنزل، كان لدي هذا الخوف في أعماقي. كان قلبي يبكي وأنا أنزل تلك السلالم".

 1:54 ظهراً

 وصلت سوزان والفتاتان إلى الشارع. في نفس اللحظة بالضبط، نشر أحد السكان، عصام مهدي صورة من نافذته على مجموعة واتسآب، وكتب "صلوا من أجلنا، يتم إجلاؤنا".

  كانت ابنتا سوزان ترتديان ملابس وردية وهي تسحب خلفها حقيبة أرجوانية. وكان فرد آخر من عائلة المهدي يصور فيديو "وداع" لمنزله، مع صوت لباقي عائلته وهم يخلون المبنى في الخلفية.

 يتذكر محمد مهدي بوضوح الكلمات التي كانت تتردد في الصالات، عن صراخ الأطفال، وصرخات النساء: " تقول الأم أين ابني ، ويقول الابن أين أمي؟"

ويقول محمد: "كان المبنى كله مثل شخص واحد، وصوت واحد. الجميع خائفون. الجميع مرعوبون".

 1:56 ظهراً

 في هذه الدقيقة، كانت سوزان تجري في الشارع بأسرع ما يمكن، وتنادي زوجها وهي تكافح الدموع والذعر يملأها. قائلة: "وين مهند؟ ... بيتي، بيتي".

 كل هذا وإحدى ابنتيها تواصل البكاء. تحاول سوزان تهدئتها لكنها تبكي وتقول "أمي، لقد نسينا القطط". في ظل هذه الفوضى، تُرك الحيوانان الأليفان، فلافي وميشو، في المنزل.

 2:06 ظهراً

 كان جواد وابنه محمد يواصلان طرق الأبواب. فيما كان حازم مهدي ينزل مع عائلته على الدرج حاملاً حقيبة.

 قال طارق لمحدثه الإسرائيلي: "ابق على الخط وتحدث إلى عمي. لماذا اتصلت بي؟"

2:10 ظهراً

 تم إجلاء معظم العائلات، لكن الشركات لا تزال تحاول إخراج وثائقها، بينما يتوسل جواد القوات الإسرائيلية منحه المزيد من الوقت.

 كانت بعض السيارات تأخذ أخوات محمد ونساء أخريات، كان لديهن حقائب ظهر صغيرة جاهزة تحتوي على جوازات سفرهن وبطاقات هوياتهن ووثائق مهمة، وتم نقلهن إلى مكان أكثر أماناً.

 2:11 ظهراً... عائلة منسية

 تذكر طارق أنه نسى عائلة واحدة؛ وليد حسين مهندس، عاش معظم حياته في الولايات المتحدة وعاد إلى غزة من الإمارات قبل أربع سنوات لرعاية والدته المسنة. لا يزال هو وعائلته نائمين. يندفع طارق إلى الطابق السادس ليقرع بابهم ويخرج الأسرة في غضون ثلاث دقائق، ولا يأخذون معهم شيئاً سوى الملابس التي يرتدونها. في الشارع أدركوا وجود مشكلة. يقول: "ذهبت لتشغيل السيارة ولكن لا يوجد مفتاح. لم أجده، إذن ماذا علي أن أفعل؟"


 2:17 ظهراً… سباق مع الزمن

 تحدث وليد على الهاتف مع شقيقه الذي يخبره أنه لا يزال لديه وقت للذهاب والحصول على المفاتيح. أرسلوا خليل، ابن وليد البالغ من العمر 17 عاماً، للإسراع في صعود السلم.

 قال وليد: "هل يمكنك أن تتخيل، عندما يصعد ابنك تلك السلالم، ما نوع المشاعر والعواطف التي لديك؟ ربما لن يعود هذا الطفل، فلن تسامح نفسك أبداً".

 لحسن الحظ، ظهر خليل مرة أخرى بعد دقيقتين حاملاً المفاتيح، وانطلقت سارة الأٍرة إلى ما يعتقدون أنه بر الأمان.

 2:20 ظهراً... عودة مهند

 يعود مهند إلى البرج ليجد زوجته وبناته في فيضان من الدموع. يحاول دخول المبنى لإنقاذ القطط لكنه يُمنع من القيام بذلك، فهم لا يعرفون كم من الوقت يتبقى على القصف. تركت العائلة القطط وراءها.

 2:30 ظهراً... ترقُّب

 المبنى أصبح فارغاً الآن. لم يتبق للسكان سوى المشاهدة والانتظار، ودعاء أن يغير الإسرائيليون رأيهم.

 أمضى محمد الساعة الماضية في عجلة من أمره، محاولاً بشكل محموم تأمين عائلته وكل من يعيش معهم. كل هذا الإلحاح قد تلاشى وأصبح لديه الوقت للتفكير والقلق.

 يحدق في منزله ويأمل في التراجع عن قصف البرج الذي كان بمثابة "حلم"، شيدته عائلته بعدما وصل أفرادها إلى غزة "لاجئين حفاة". كان يقضي صباحه على آلة المشي ويشرب القهوة، ويستمع إلى الطيور وينظر إلى قطاع غزة من أعلى.

2:50 ... نداء أخير

 اضطرب جواد من المكالمة الأولى، لكنه الآن بدأ في استيعاب الأمر. وصل ثلاثة صحافيين من وكالة أسوشيتد برس إلى المكتب بعد تنفيذ مهمة.

 يتوسل جواد من أجل بضع دقائق فقط تسمح لهم بالحصول على المزيد من المعدات من المكتب، فيما كان الجندي على الخط يرفض التزحزح.

 3:04... الضربة

 شنت الطائرات الإسرائيلية الضربات الأولى، وبعد بضع دقائق انهار المبنى. كان الناس يشاهدون الناس من الشارع المبنى وهو يسقط ويصرخون، طلباً للحماية من الله.

 3:25... بعد الهدم

اندفع حشد من الناس والسكان إلى حيث كان المبنى يقف في يوم من الأيام. كان محمد مهدي يبكي أمام أنقاض منزله ويبدو والده بائساً.

 حطام ومصائر

لم تستعد أسرة جاروشة قططها. يقول مهند إن ابنتيه ظلتا تبكيان وهو يعود إلى الأنقاض ناصتاً بانتباه ربما تبدر أصوات تدل على أن القطتين على قيد الحياة.

تقول زوجته "كل شيء أحبه ضاع. ذكرياتي مع بناتي التي احتفظت بها في ملابسهن التي ارتدينها بعد ولادتهما وسنواتهما الأولى. صندوق يحوى أشياء احتفظت بها لذكرى أبي، صوره وهاتفه ونظارته، هذه أمور لم يعوضني عنها أي شيء.

وليد حسين، المهندس الذي عاد من الولايات المتحدة تاركاً أطفاله ومستقبله المهني كي يرعى والدته المسنة، صار شبحاً. ليست لديه وثيقة واحدة تثبت هويته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard