عشر سنوات من الدم التونسي المُراق حقيقة ومجازاً

الجمعة 30 يوليو 202101:01 م

غريب هو التهافت والتسرّع اللذان اتصفت بهما آراء وردود جيراننا وأشقائنا العرب حول ما حدث في تونس في الآونة الأخيرة. أحكام مطلقة لم تترك للنقاش ثغرة. آراء ذات وجهة واحدة لا تقبل الآراء المخالفة. فتوافدت عناوين من قبيل: انقلاب بمباركة عسكرية، تهديد للمسار الديمقراطي والحريات الخ...

غريب هو التهافت والتسرّع اللذان اتصفت بهما آراء وردود جيراننا وأشقائنا العرب حول ما حدث في تونس في الآونة الأخيرة. أحكام مطلقة لم تترك للنقاش ثغرة. آراء ذات وجهة واحدة لا تقبل الآراء المخالفة

لماذا لا يبذل إخوتنا العرب جهداً بسيطاً من أجلنا؟ كأن يبحثوا قليلاً في المسألة السياسية التي امتدت منذ الإطاحة بنظام بن على الأسبق. عشر سنوات غامضة لا يفهمها إلا من اكتوى بنارها. خطاباتها متضاربة: إذ هي في الظاهر ديمقراطية تامّة المعالم، نعيم من الحرية والاعتدال، حزب إسلامي تحول بعصا سحرية إلى حزب مدني وفصل بين الدَعَوي والسياسي، دكاترة في الحكم، في الطب والسياسة وعلم الاجتماع، شرائح اجتماعية بسيطة لا تحمل ربطة عنق، متواضعة تمشي جنباً إلى جنب مع البسطاء في الأسواق...

إلى آخره من ذلك البهرج الذي سحر لب جيراننا، فتحوّلت تونس إلى معيار المعايير ومحرارٍ تُقاس به درجة الديمقراطية في المنطقة... أليس كذلك؟

عشر عجاف

 حسناً! ألَمْ يأتكم نبأ تدليس العقول الذي تم اعتماده كعملة انتخابية على مدى السنوات العشر العجاف؟ ألم يأتكم نبأ الشيوخ والدعاة وهم يقتفون أثر المفطرين خلسة في مقاهٍ تغطيها جرائد، وبالجرائد أخبار يومية عن اشتعال السوق واشتعال الرؤوس شيباً؟

ألم تخبركم شاشاتكم عن كمّ الاغتيال السياسي الذي استهدف الذكاء التونسي؟ ألم تروْا رأسَ راعيين مقطوعيْن في ثلاجة الأم التي شقت صدرها لمجابهة الجبل المجاور الذي لم يعد آمناً؟ ألم تروا جملة الرؤوس المقطوعة لجنود يحملون أحلاماً بسيطة في تمام الشباب والنعومة؟ ألم تروا كيف كانوا يشترون صوت الناخب ببضعة مليمات وبسندوتش حقير أو بصلاة كاذبة أو بدم تونس على قمصان الجميع، هل ظننتم بأن ذلك الدمَ دمُ ذئب؟ لا يا سادتي، هي عشر سنوات من الدم المراق واقعاً ومجازاً.

عن أي انقلاب تتحدثون؟ اسألوا أول سوري يعترضكم عن "التونسي"، اسألوا أول فرنسي، لم يعد التونسي ذلك الذي ترونه في البطاقات البريدية بشاشية حمراء وشاربين دقيقين وبابتسامة بشوشة، يقول حيثما وطئ بقدميه: عسلامة

عشر سنوات عدنا فيها لخوض قضايا كادت تمحو مجهود أجدادنا الذي يمتد إلى ثلاثة آلاف سنة، خضنا نقاشات حول ختان المرأة وطمس الوجه بقماشة سوداء، أقاموا خياماً في حضارتنا المعمارية، هرّبوا البطون الخاوية إلى وهم جنّة قريبة في الآخرة، اغتصبوا أطفالاً تحت الذكر الحكيم، جابهونا بالتكفير كلما فكّرنا، تتبعونا بسياسة عمرو بن العاص كلما مارسنا فناً، هشموا شاشاتنا صارخين "الله أكبر!"...

خرج وزير الإسلاميين وقال إن الذين يقطنون الجبال إنما هم شبان مبتهجون بالحياة ويمارسون الرياضة ويملؤون صدورهم بالهواء النقي، صدّروا من أولئك الشبان آلافاً إلى جهات عدة من العالم، اسألوا أول سوري يعترضكم عن "التونسي"، اسألوا أول فرنسي، لم يعد التونسي ذلك الذي ترونه في البطاقات البريدية بشاشية حمراء وشاربين دقيقين وبابتسامة بشوشة، يقول حيثما وطئ بقدميه: عسلامة، برشا برشا يا مدلل...

 وهل ألقيتم نظرة على المجلس النيابي الذي تم الانقلاب عليه من لدن رئاسة الجمهورية التونسية؟ هل تعرفون مكوناته؟ هل رأيتم صورهم؟ هل هم تونسيون؟

قيس سعيد شخص بسيط ومتعب مثل الشعب التونسي، وهو الآن يخاطر بحياته ويطلق آخر ما تبقى من رصاصاته الأخلاقية

 تعالوا أحدثكم كيف جرت الأمور هنا: لقد استهدفوا شعباً تم سلبه من عمقه، عملوا حثيثاً على ذلك، سربوا كلمات سحرية: "حالة وعي"، "أبناء الفلاقة"، ونصبوا منهم متحدثين في بلاتوهات التلفزيونات كي يغزوا البيوت، البيوت الخربة التي خرّبتها سياسة بثّ الحمق والبلادة والتدني الأخلاقي، مجلس ينعق فيه المتهرّب من القانون والمهرّب للسلع والفتوّة العاضّ على لسانه، ومن أطلقت آلاف الزغاريد لمنظوماتٍ سابقة، ومتكرّش وبليد ومتحذلق ومن لا تُحسن قراءة نصّ بسيط...

أسقطنا "الزين" وأخفقنا في إسقاط "العابدين"

 مجلس انقلب على أحلامنا. وإني أحدثكم، أنا الأربعيني الذي شارك في إسقاط "الزين" وأخفق في اسقاط "العابدين". تكاثر العابدون لعشر سنوات، عبدة الفساد وامتصاص دم الشعب الذي تحوّل إلى أتعس الشعوب على وجه البسيطة. انقلبوا على مطالبنا وحولوها إلى مطالب ميتافيزيقية وأخرى تاريخية، انقلبوا على الأصل الواحد لشعب موحّد ومتأصّل وشتتوه إلى مسلمين وكفار.

حولوا الإسلام إلى موضة. أصبح أتباعهم يفوحون برائحة الكسكسي في المساجد، بينما يفوح معارضوهم برائحة البيرة في الشوارع الخلفية. فتحوا المجال واسعاً أمام الرداءة والمغالطة.

هذا هو مجلسنا الذي انقلب عليه الرئيس مستخدماً مادة من الدستور، كتبوها هم بأيديهم المرتعشة لمدة ثلاث سنوات دفعنا فيها الغالي والنفيس. الرئيس أستاذ حاذق في القانون الدستوري. درّس آلاف الشبان وهم من انتخبوه. لم يجد في بادئ الأمر سوى أن يعانق كل من اعترضه من الشعب المتعب والشقي.

ابحثوا عن تلك الصور: كان يعانقهم كمسلوب الحيلة والإرادة، لأنهم وضعوا كل الصلاحيات في ذلك الوكر الذي أسموه مجلساً نيابياً. ثم التجأ الرئيس إلى الشعر وإلى عمر بن الخطاب وحمل الكراتين مع الحمالين. ثم التجأ إلى المقاهي الشعبية يقاسم قهوته الرديئة معهم.

 هل آتاكم خبر إبادتنا الأخير؟ إننا نكاد ننتهي في هذا البلد الصغير... لقد اختطف الوباء العالمي الجديد أحباءنا من كل جهة. نحن لا نثق في إحصائياتهم. يقولون إن عدد المتوفين يشارف العشرين ألفاً. وتأكدوا بأن هذا الرقم لا يرقى إلى أن يكون عُشر الرقم الحقيقي. وماذا كان يناقش المجلس في تلك الأثناء؟ (الأثناء: جنازات في كل ركن من البلد، أكسيجين منقطع عن كل ركن من البلد، فاقة وجوع في كل ركنٍ من البلد) لقد كانوا يناقشون قانوناً حول "التعويضات"...

تعويضات ماذا أيها الأشقاء؟ إنها تعويضات لعدد ركعات الصلوات التي صلّوها في سجون بن علي، تعويضات لنضالاتهم التي لم تخدم الشعب في شيء، أوهامهم التي يريدون لها أن تتحول إلى رأس مال.

خلال أزمة كورونا كانوا يناقشون قانوناً حول "التعويضات"... تعويضات ماذا أيها الأشقاء؟ إنها تعويضات لعدد ركعات الصلوات التي صلّوها في سجون بن علي

 في حين مازال جرحى ثورة تونس 2011 على كراسيهم أو على أسرّتهم، عجّزاً وصماً بكماً، لا تسعفهم اللغة ليقولوا كلمة واحدة، ومازال أبناء محافظة سليانة الذين عمدوا إلى فَقء عيون شبانها المتظاهرين بالرشّ كيلا يرون النورَ إلى الآن، ومازال دكاترة البلد من الشبان ينامون أمام وزارة التعليم العالي ومنهم تفوح رائحة البول واليأس.


 من هو حقاً قيس سعيد؟

 إنه شخص بسيط ومتعب مثل الشعب التونسي، وهو الآن يخاطر بحياته ويطلق آخر ما تبقى من رصاصاته الأخلاقية. عن أي انقلاب تتحدثون، وقد خرج مناصرو هذه الحركة بالآلاف، زغردت النسوة، نفس النسوة اللاتي انتخبن المذكورين أعلاه وقد علّمتهن مرارة الحياة خطأهن. هب شيوخ وكهول يركضون رغم خطورة "الدلتا" الهندية التي نكادُ نراها في كل مكانٍ وصرخوا عالياً.

عن أي انقلابٍ نتحدّث، ولم يفعل "قيسون" البسيط سوى أن انحاز لما تبقى من هذا الشعب؟ عن أي انقلاب، يا أخ ويا أخت العرب؟ هل ثمة انقلاب يسمح للمنقلب عليهم أن يشتموا في القنوات التلفزية والإذاعية الوطنية والخارجية وأن يحللوا وينددوا، حتى أنهم تراجعوا بعد ثلاثة أيام وأصبحوا يتحدثون عن "تجاوز بسيط للدستور"، وطالب بعضهم البعض الآخر بمراجعة النفس في محاولة لإنقاذ ماء الوجه، مع أن لا ماء بوجوههم.

القليل من البحث كافٍ لتعرفوا أيها الأشقاء بأن ما يحدث في تونس هذه الأيام هو عبارة عن محاولة الغريق التمسك بقشة، وهذه القشة "قيس سعيد"، الأستاذ الجامعي البسيط.

  ننتظر مباركة ودعماً أيها الأشقاء، نحتاج تفهّماً وبعض الجهد لفهم مجريات الأمور. وإننا ننهي هذه المادة بالمعطى التالي: القنوات التي تتحدث عن الانقلاب هي قنوات لم تتعلم الدرس التونسي البليغ، إذ لشعبنا ميزة هي: التدخل في الساعة الحاسمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard