لماذا اتُهم قيس سعيّد بـ"الانقلاب على الديمقراطية" عبر الحكومة الجديدة؟

الأربعاء 26 أغسطس 202004:08 م

مطلع الأسبوع الحالي، كشف رئيس الوزراء التونسي المُكلّف هشام المشيشي النقاب عن ثاني حكومة يتم تشكيلها في البلاد خلال ستة أشهر، والتي من المُنتظر أن تحصل على ثقة أعضاء مجلس النواب الذي عبّر عددٌ منهم عن غضبه من طريقة تشكيلها.

وتوصف هذه الحكومة بأنها حكومة الرئيس التونسي قيس سعيّد لأنه من اختار وزيرها الأول دون الاتفاق مع الكتل السياسية في مجلس النواب، وهو ما اعتبره كثيرون خروجاً عن النظام البرلماني ويؤثر بالتالي على التجربة الديمقراطية في البلاد.

وفي انتكاسة لحركة النهضة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، قال المشيشي إن أعضاء حكومته من التكنوقراط المستقلين الذين لا ينتمون لأي حزب أو حركة سياسية، على الرغم أن بعض الأسماء تدور حولها تكهنات بانتمائها لكتل سياسية معروفة.

وفي رسالة طمأنة للشارع التونسي، أعلن المشيشي أنه شكّل هذه الحكومة من وزراء قادرين على "تقديم حلول عاجلة" لبلد يعاني فيه الاقتصاد من ركود حاد جراء تفشي فيروس كورونا الذي أعاق القطاع السياحي، وهو واحد من أهم مصادر الدخل في تونس.

"انتصارٌ للرئيس"

عندما قدمت النهضة مع عدد من الأحزاب طلباً إلى البرلمان لنزع الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ، سارع الرئيس التونسي لاستدعاء الأخير من أجل حثه على تقديم استقالته، وهو ما جرى بالفعل.

ووفقاً للدستور التونسي، عندما يقدم رئيس الوزراء استقالة الحكومة لرئيس الجمهورية قبل نزع الثقة من قبل البرلمان، يحق لسعيّد أن يكلف شخصاً آخر بتشكيل الحكومة الجديدة.

وإذا قدم رئيس الوزراء استقالته بعد موافقة البرلمان على نزع الثقة يكون للحزب الأكبر في المجلس، وهو حركة النهضة، حق تشكيل الحكومة.

كانت هذه الجولة الأولى التي ينتصر فيها الرئيس التونسي على الأحزاب التي يقول محللون إنه يرفض التعامل معها.

سرعان ما انتقل الرئيس إلى الخطوة التالية، وهي اختيار رئيس الوزراء الجديد، فطلب من الأحزاب أن "تراسله" بأسماء مرشحيها دون أن تقابله، وهو ما أغضب أعضاء في مجلس النواب.

أرسلت الأحزاب ترشيحاتها إلى الرئيس الذي يقول نواب البرلمان إنه لم يعرها أي اهتمام وقرر أن يكلف شخصية أخرى لم يتم ترشيحها من الكتل البرلمانية والسياسية في البلاد.

وقع اختيار الرئيس على المشيشي الذي اختارته بدورها رئيسة ديوان سعيّد، نادية عكاشة، كمستشار قانوني في القصر الرئاسي ثم رشحته وزيراً للداخلية.

وقال نواب تونسيون إن عكاشة التي تسكن في الحي ذاته الذي يعيش فيه المشيشي في تونس هي من اختارت وزراء الحكومة الجديدة، وعليه فإن سعيّد هو من شكل هذه الحكومة، وهي العملية التي كان من المفترض أن تديرها الأحزاب مع رئيس الوزراء.

وصف متابعون الحكومة التي أُعلن عنها في تونس بأنها حكومة الرئيس قيس سعيّد لأنه من اختار وزيرها الأول دون الاتفاق مع الكتل السياسية في مجلس النواب، وهو ما اعتبره كثيرون خروجاً عن النظام البرلماني ويؤثر بالتالي على التجربة الديمقراطية في البلاد

الخطوة التالية ستكون تصويت البرلمان على منح الثقة لحكومة المشيشي، فإذا حصلت عليها ستكون حكومة سعيّد، وفي حال فشلها سيقوم بترشيح شخصية أخرى أو يحل البرلمان ويدير البلاد وعليه سيكون الرابح في كل الحالات.

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي التونسي بلحسن اليحياوي إن سعيّد حتى الآن شريك في الربح، أما الخسارة فهي من نصيب الأحزاب.

يوضح اليحياوي لرصيف22 أن الرئيس ضد المنظومات الحزبية وحتى إن سقطت الحكومة المرشحة فهو لن يذهب إلى حل البرلمان مباشرة، بل قد يعيد تعيين شخصية أخرى وإذا وقع حلّ البرلمان فسيكون أمامه ستة أشهر طويلة يُسيّر فيها البلاد بالمراسيم، ما يسمح له أن يغيّر الكثير من الأمور السائدة.

وبحسب المحلل التونسي،"إذا نجح المشيشي، فالفضل لسعيّد، وإذا فشل فسيكون ذلك بسبب الاحزاب التي سبقته في الفشل ودفعته إلى البحث عن بديل لها".

عندما فازت النهضة بالأغلبية البرلمانية كلفها سعيّد بتشكيل الحكومة، لكن لم تتوافق مع باقي الأحزاب، وعجزت عن تمرير الحكومة التي اقترحها مرشحها في البرلمان لتعود المبادرة للرئيس الذي وجد فيها فرصة، وكلف الفخفاخ الذي استقال بسبب اتهامات بتضارب مصالح.

يقول المحلل السياسي التونسي حسان القبي إن هذه الحكومة هي حكومة الرئيس ومعظم وزرائها قريبون من فكر الرئيس، وخصوصاً الخارجية والدفاع.

"انحرافٌ ديمقراطي"

يعتبر القيادي في النهضة زبير الشهودي نهج سعيّد في تشكيل الحكومة انحراف عن الديمقراطية، إذ كان عليه التشاور مع الأحزاب التي رشحها الشعب لتشكيل الحكومة وتنفيذ برنامجها وعدم الانفراد بهذه الخطوة بعيداً عن الكتل البرلمانية.

ويقول الشهودي لرصيف22 إن انحراف الرئيس عن الديمقراطية في تشكيل الحكومة له تداعيات خطيرة على التجربة التونسية، ويهدّد الانتقال الديمقراطي في البلاد، مشيراً إلى وجود مخطط إقليمي يستهدف الديمقراطية في تونس عبر إقصاء النهضة التي تمتلك أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. 

في المقابل، يرى اليحياوي أن تشكيل هذه الحكومة يحترم الدستور حرفياً وبالتالي فهو أحد مظاهر الديمقراطية، مشيراً إلى أنه لا يمكن اختزال الديمقراطية فيما يفرزه صندوق الانتخاب فحسب. ويلفت إلى أن "الأحزاب لا تحترم نواميس الديمقراطية أثناء حملاتها الانتخابية التي يغيب عنها برنامج الحكم والوعود الجادة".

يتفق القبي مع اليحياوي بأن طريقة اختيار الحكومة تتوافق تماماً مع "الديمقراطية القانونية"، إذ تم تنفيذ بنود الدستور حرفياً والتي منحت الرئيس حق تشكيل الحكومة بعدما فشلت الأحزاب في بداية الأمر.

إقصاءٌ للنهضة

أدى قرار المشيشي بتشكيل حكومة من المستقلين إلى إقصاء حركة النهضة لأول مرة من المشاركة في الحكومة منذ الثورة، وهو ما أغضب الحركة التي طالبت بحكومة "سياسية" تعكس توازن القوى في البرلمان.

وكان إقصاء النهضة من الحكومة أحد مطالب رئيسة "حزب الدستوري الحر" عبير موسي التي اجتمعت بالمشيشي في الأسبوع الماضي لتحثه على اختيار وزراء مستقلين من أجل إبعاد الحركة.

"إقصاء النهضة من الحكومة كان قرار المشيشي لأنه رأى صعوبة في تشكيل حكومة تجمع أحزاب النهضة وقلب تونس مع كتلتي التيار الديمقراطي وحركة الشعب، وعليه قرر إقصاء الجميع"... البرلمان يصوّت على الحكومة خلال عشرة أيام، وجدلٌ حول دور الرئيس في تشكيلها

ومع ذلك، يرى اليحياوي أن من الخطأ أن يظن البعض أن حركة النهضة غائبة تماماً عن هذه الحكومة لسببين أساسيين، أولاً أن وزير العدل في حكومة المشيشي تحيط به شبهات قوية بالانتماء لحركة النهضة، وثانياً أن النهضة ستعمل على استمالة مجموعة من أعضاء الحكومة عن طريق الابتزاز واستعمال ملفات مخفية ( فساد مالي وأخلاقي…) أو عن طريق شراء الذمم كما تفعل دائماً.

ويشدد اليحياوي على أن غياب حركة النهضة مؤقت، قائلاً: "إذا كانت النهضة غائبة فهذا إلى حين، فقط لا أكثر"، ومعتبراً أن دور موسي في التصدي للنهضة يخدم الأخيرة لا العكس، وموسي إلى هذه اللحظة لم تقدم بديلاً حقيقياً يمكن الوثوق به.

في السياق ذاته، يقول القبي إن إقصاء النهضة من الحكومة كان قرار المشيشي لأنه رأى صعوبة في تشكيل حكومة تجمع أحزاب النهضة و"قلب تونس" مع كتلتي "التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب"، وعليه قرر إقصاء الجميع وتشكيل حكومة مستقلين تدير البلاد.

وعلى الرغم من حديث بعض المحللين عن إقصاء الحركة من الحكومة الجديدة، فإن مسؤولين من حزب النهضة وأحزاب أخرى ذكروا الحاجة إلى الموافقة على الحكومة لتجنب جر الدولة المنكوبة اقتصادياً بالفعل إلى انتخابات مبكرة.

حكومة المشيشي

كان المشيشي وزيراً للداخلية في حكومة الفخفاخ المستقيلة، وهو رجل قانون ودارس للعلوم السياسية، إضافة إلى كونه في سن الشباب (46 عاماً).

وحصل المشيشي على الماجستير في الإدارة العمومية من المدرسة الوطنية للإدارة في ستراسبورغ، ثم عُيّن في منصب مدير الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، وعمل أيضاً خبيراً مدققاً في اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد.

وشغل المشيشي كذلك منصب مدير ديوان لوزير النقل عام 2014، ثم شغل نفس المنصب على التوالي في وزارتي الشؤون الاجتماعية والصحة.

وكان المشيشي أيضاً مستشاراً أول لدى رئيس الجمهورية، مكلفاً بالشؤون القانونية، قبيل تعيينه على رأس وزارة الداخلية.

ومع تشكيله للحكومة، وفي إطار خطط إصلاح الحكومة وإنعاش الاقتصاد، جمع المشيشي وزارات المالية ودعم الاستثمار والاقتصاد في دائرة واحدة بقيادة الاقتصادي الليبرالي علي الكعلي، الرئيس التنفيذي لـ"المؤسسة المصرفية العربية" (ABC Bank) في تونس.

وعيّن المشيشي وليد الزيدي وزيراً للثقافة وهو أول كفيف تونسي وعربي يحصل على شهادة الدكتوراه في البلاغة بعد مناقشة رسالته في 2019 في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، والتي لقّبته بـ"طه حسين التونسي".

وأعلن المشيشي أن حكومته تتكون من 25 وزيرًا، منهم 9 نساء، ما يعني أن المرأة حصلت على أكثر من ثلث المناصب في هذه الحكومة.

ويأتي هذا التطور السياسي في وقت تكافح السلطات التونسية لنزع فتيل الاحتجاجات المستمرة على انتشار البطالة ونقص الاستثمار من أجل التنمية، فضلاً عن سوء الرعاية الصحية وخدمات الكهرباء والمياه.

وشعر العديد من التونسيين مؤخراً بالإحباط بسبب تفاقم الركود الاقتصادي وتدهور مستويات المعيشة وتدهور الخدمات العامة، بينما تبدو الأحزاب السياسية أكثر تركيزًا على الصراعات الداخلية في البرلمان بدلاً من معالجة المشاكل.

وكان المشيشي قال في وقت سابق هذا الشهر إن حكومته ستركز على إنقاذ المالية العامة وتخفيف المصاعب الاجتماعية، مشيراً إلى إنه وبرغم استمرار الاضطرابات السياسية فإن "بعض التونسيين لم يجدوا مياه الشرب".

والمشيشي هو ثالث رئيس حكومة يتم تعيينه منذ انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والتي أسفرت عن انقسام البرلمان بين الكتل المتناحرة بشدة، ومن المقرر أن يصوت البرلمان على تشكيلة حكومته في الأيام العشرة المقبلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard