متى تقر حركة النهضة بسجلها العنيف؟

الجمعة 9 أبريل 202112:38 م

أثبتت التجارب أن لكل تنظيم سياسي أو جماعة ما مسارات تاريخية كثيرة تحدد هويتها وطريقها ونهجها ومحطاتها الفارقة والعابرة، المكشوفة والسرية، في مشوارها الطويل أو القصير. والأهم أنها المرجع الوحيد لقراءة واقع هذه التنظيمات والجماعات، ولفهم وتحليل تطور فكرها وممارساتها واستشراف ما تتطلع إليه مستقبلاً، لا سيما إذا وصلت للحكم. ربما لهذه الأسباب تسارع هذه الأطراف، بمجرد الإمساك بالسلطة، لإعادة كتابة تاريخها. يتحول المسار، المثقل بالأحداث الكبرى التي وضعت سياقاته وأهدافهه وحددت وجهته وحركته لعقود دون توقف، إلى عبء كبير يجب التخلص منه أو على الأقل حذف السجل الأسود منه تمهيداً لسردية جديدة تتضمن فقط المعطيات التي تتواءم مع مصالحهم وخططهم الراهنة والقادمة.

لا تكترث هذه التنظيمات والجماعات لأهمية قول الحقيقة ومصارحة الأجيال القديمة والجديدة بكل ما حدث وكيف حدث، والتحلي بالشجاعة والإجابة عن أسئلة ظلت معلقة ورهينة سرديات متضاربة وفضفاضة، وتحمّل مسؤولية أخطاء الماضي والإقرار بها والاعتذار لضحايا حتماً ذهبوا، بقصد أو بغيره، جراء وقائع خططت لها ونفذتها. تختار القفز عن كل هذا وتطرحه جانباً. تتلحف بثوب الضحية وتتبنى المظلومية كمبدأ تؤسس على أنقاضه صورة جديدة تكون فيها خارج دائرة الاتهام.

الحزب؛ ذو الخلفية الإسلامية، الذي صعد إلى الحكم منذ عام 2011، حاول التنكر لتاريخه الموصوم بالدم والعنف والتطرف من أجل أن يعقد صفقة مع شعب اكتشف بعد أربعة سنوات من الحكم أنه لا يقاسمه أفكاره وأحلام الأسلمة.

والأكيد أن السياقات المواتية لهذا الكلام عديدة، لعل آخرها حركة النهضة الإسلامية في تونس. فهذا الحزب؛ ذو الخلفية الإسلامية، الذي صعد إلى الحكم منذ عام 2011، حاول التنكر لتاريخه الموصوم بالدم والعنف والتطرف من أجل أن يعقد صفقة مع شعب اكتشف بعد أربعة سنوات من الحكم أنه لا يقاسمه أفكاره وأحلام الأسلمة. حاولت الحركة إقناع التونسيين بوجهها الجديد المؤمن بمدنية الدولة والديمقراطية واحترام مجلة الأحوال الشخصي. ومن أجل هذا الهدف ادعت الانسلاخ عن جذورها كفرع لتنظيم الإخوان المسلمين، وظلت تدعي أنها حزب مدني يؤمن بعلوية القانون وينبذ العنف والتطرف رغم أن سجلها مع العنف يقول غير ذلك.

لقد توهمت حركة النهضة أنها نجحت في ترسيخ الصورة الجديدة لدى الناس، وأنها استطاعت عبر تعويم تاريخها حيناً، وإنكاره غالباً، وتعديله مرات ومرات، أن تقطع معه وتتلف الصفحات المظلمة منه بشكل نهائي. لكن خروج القيادي السابق في الحركة كريم عبد السلام وحديثه العلني عن ارتباط الحركة بالعنف وتبنيها له في مختلف مساراتها من أجل الفوز بالحكم، حرك المياه الراكدة وكشف إلى أي مدى قام هذا الحزب الإسلامي بتحريف تاريخه، وكم أن السردية الجديدة التي طرحها قد غيبت الحقيقة سواء في محطات قديمة أو راهنة. 

كريم عبد السلام، الذي التحق بصفوف الحركة منذ طفولته، وتدرج معها في عدة خطط، حتى أنه يعد أحد مهندسي جريمة باب سويقة التي نفذتها الحركة سنة 1991 ضد مقر لجنة تنسيق حزب التجمع الدستوري تونس المدينة في باب سويقة، وأسفرت عن سقوط ضحايا، تحدث علانية إلى التونسيين عن محطات يعتقد أن على حركة النهضة الاعتراف بها ومصارحة الجميع بها والاعتذار عنها أيضاً، حتى يتم التأسيس فعليا لمرحلة انتقالية تنتصر فيها الحقيقة لا أن تشوه من أجل الأطماع السياسية.  

لقد تنكرت الحركة وبشدة لكل أعمال العنف التي تورطت فيها وما زالت تلاحقها. وعندما حوصرت بالأسئلة، ادعت أنها كانت أعمالاً فردية

أقر عبد السلام بمسؤولية الحركة عن الكثير من أعمال العنف التي شهدتها، البلاد سواء في فترة حكم الزعيم بورقيبة أو الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، من أجل افتكاك السلطة تحت إشراف قيادات وازنة في الحركة؛ كثير منهم نافذون اليوم وتقلدوا مناصب هامة. يقول القيادي السابق إن الحركة أقرت خطة سنة 1989 من أجل تغيير النظام رداً على قيام بن علي بتزوير الانتخابات وإقصائها بعد أن تفطن لمساعيها الكبيرة للوصول إلى الحكم. خطة أسس لها أساساً القيادي الذي تقلد وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة بعد الثورة؛ علي العريض. ومن أهم عناصرها "فرض الحريات" بالقوة. ومن أجل تنفيذ هذه الخطة شرعت الحركة لاستعمال العنف، كحرق وتفجير المقرات الحزبية، حرق سيارات الأمن والمعاهد والمبيتات الجامعية ورش ماء النار على بعض الشخصيات وتهديد البعض بالتصفية وغيرها... كلها بتعلة تغيير النظام، وكان من بين هذه العمليات جريمة باب سويقة.

لقد أقر كريم عبد السلام صراحة بأن الحركة تبنت العنف كوسيلة لتغيير النظام والحصول على الحكم، وأكد أنها كانت مهيأة لوجيستياً وتقف على تنظيم عسكري ومخابراتي قويان لتنفيذ عملياتها وإدارتها. فضلاً عن تجند قياداتها لشحن الشباب والمراهقين المتبنين لفكرها من أجل اللجوء للعنف بهدف إسقاط النظام والجلوس مكانه.

لكنها شهادة تتعارض تماماً مع تلك المروية التي ابتدعتها حركة النهضة منذ سنة 2011، والتي تعمدت خلالها لعب دور الضحية. وظلت تحاول ترسيخ فكرة أنها الحلقة الأضعف في المشهد السابق وبأنها تعرضت لصنوف شتى من الملاحقة الأمنية والتعذيب والقمع والمحاكمات الجائرة لمجرد دعواتها السلمية للتغيير وإحلال الديمقراطية. واستفادت من ذلك كثيراً خاصة في الانتخابات، حيث أكسبها هذا الثوب عطف الناخبين ودعمهم. لقد تنكرت الحركة وبشدة لكل أعمال العنف التي تورطت فيها وما زالت تلاحقها. وعندما حوصرت بالأسئلة، ادعت أنها كانت أعمالاً فردية أقدم عليها مجموعة من الشباب الذين أخذتهم الحماسة الزائدة. والحال أن التاريخ يحفظ احتفاء بعض القيادات بما في ذلك زعيم الحركة راشد الغنوشي بأعمال العنف هذه وخاصة جريمة باب سويقة رغم أنها أسفرت عن سقوط قتلى أبرياء.   

لن تخرج الحركة من دائرة الشك، وستظل أسيرة الشهادات التي يلقيها قادتها المرتدون عنها في كل مرة. ستظل تتبرأ عبثا من مساراتها المظلمة بدل الاعتراف بها مرة واحدة

الإشكال الأكبر أن الحركة تواصل حتى الآن لعب ذات الأدوار حتى بعد طرح أحد قيادييها الذين تخلوا عنها لحقائق هامة بتفاصيل ومعطيات دقيقة وإعلان تحديه لكل القيادات بأن يواجهونه بحقائق مناقضة لروايته. وبدل السعي للتصالح مع تاريخها وشرح ما جرى والتوقف عن طمس الحقيقة، يخرج راشد الغنوشي ليقول "إنها محاولة بائسة لضرب الحركة"، مستحضراً نظرية المؤامرة الكونية على حزبه، ويتنكر مجدداً لسجله مع العنف باعتباره أحد مهندسيه.

ينسى الغنوشي وزمرته، سهواً أو عمداً، أن الركض وراء تحريف الوقائع وصنع حقائق مغلوطة أو منقوصة أو وهمية قد يفيد حزبه على المدى القريب ولكن ارتداداته ستكون مدوية عاجلاً أم آجلاً. فالهروب من المصارحة و الاعتذار وحتى المحاسبة والاختفاء وراء سرديات مخترعة لن تصمد طالما أن هناك أناس تملك الحقيقة بكل تفاصيلها وقادرة على المجاهرة بها. لن تخرج الحركة من دائرة الشك، وستظل أسيرة الشهادات التي يلقيها قادتها المرتدون عنها في كل مرة. ستظل تتبرأ عبثاً من مساراتها المظلمة بدل الاعتراف بها مرة واحدة. والأكيد أنها ستتحول في مرحلة ما إلى قيد يلتف حول عنقها ويفقدها القدرة على المناورة والكذب مجدداً. وربما تدرك حينها، ولو متأخراً، أن طريق الحقيقة والانتقال السليم يقتضي المصارحة والمصالحة مع كل الفترات حتى لو كانت دموية.

ولهذا، فإن شهادة كريم عبد السلام في غاية الأهمية والخطورة في آن. هامة لأنها كشفت بوضوح سجل الإسلام السياسي مع التفجيرات وتشكيل الأجهزة السرية المسلحة والحرق ورش ماء النار على الوجوه. وخطيرة لأن الحركة تأبى الاعتراف وبالتالي تأبى التغيير والتصحيح وهذا يدعو للخوف لا سيما وأن التونسيين قد شهدوا إبان صعودهم للحكم أشكالاً مختلفة من العنف بلغت حد الاغتيال الذي طال شخصيتين لهما ثقلهما السياسي وهما شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وما زال العنف مستمراً ويطل برأسه في كل مرة. زد على ذلك عدم جدية الحركة في الكشف عن ملابسات أعمال العنف والإرهاب والاغتيالات التي حدثت وهي في الحكم، بل وانخراطها، وإن بشكل غير مباشر، في تعطيل مسار هذه القضايا.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard