فُكاهة أن يُعرَض مثليّ على طبيب شرعي

الاثنين 16 أغسطس 202103:03 م

قبلة سريعة اختلسناها في شارع مظلم، إثرَ انقطاع الكهرباء، كانت كافية لأولى عُقد الحبل بيني وبينه. هو فتيّ ذو شعر طويل ومنظر طفولي خادع، كان يبلغ من العمر 19 عاماً.

بعدها اختفى. هاتفه مغلق. لا يستجيب على أي تطبيق. اختفى كرشّة ملح في البحر، بلا إجابات ولا تفسيرات. مضت أربعة أشهر قبل أن تجري محادثة مفاجئة على تطبيق تعارف للمثليين، بدأت بـ"كأني بعرفك"، وبعد حديث مقتضب لا يتجاوز أربعة سطور، قال لي: "لسّاتك عصبي ما بتتغير". التقطت العبارة لأحدس أنه هو. رتّبنا للقاء قريب روى لي فيه قصة غيابه، قصة العذاب.

وجد نفسه ليلاً عند حاجز دوار سباهي، في مدخل مدينة حماة. استغرب أفراد الحاجز كونه يمشي وحيداً في العاشرة ليلاً، لكن تحقيقاً مصغراً أدّى الغرض: لم ينفع التعلثم، ولا صياغة أي سيناريو مستعجل، فجهاز المحمول يُكذّب كل شيء. طلبوا كلمة السر، وبصفعة واحدة نالوها. دخلوا إلى محادثات التعارف السري، فجاءت صفعة ثانية "ترحيباً" بمثليٍّ بضيافة حاجز لجيش الـ"وطن، شرف، إخلاص".

لا بأس. انتهت مدّة صلاحية الكرامة في سوريا منذ دهر. المهم الآن تجاوز الموقف، لملمة ما تبعثر، والعودة إلى البيت، بسلام، ثم النحيب حتى الصباح.

م. يروي قصته

لم أحدس لثانية بأن مواعدة قد تنقلب كارثة، ولا أن يقرر ضابط الحاجز ضرورة الاتصال بأهلي. ست لكمات منه جاءت كنخوة إسعافية من فارس شهم فزعة لأهلي الذين أفزعتهم المكالمة، ثم فزعوا بمداراة الفضيحة بـ26 ألف ليرة ثمن عشاء للفارس الشهم.

حل صمت مفزع طيلة الطريق إلى البيت، ثم بدأت فور وصولي تحقيقات مكثفة. تناوبت على دور المحقق أمي، أختي، وزوج أختي. فتّشوا هاتفي وانهالت عليّ أسئلة لا حصر لها، تخللها رشقي بعبارات متفاوتة الشدة: "لوطي"، "شاذ وملعون"، "منحرف حيواني"، "احكي لأنو حنطالع كل شي من الموبايل".

مرّت الليلة الأولى كسنة، أو كعمر كامل. إجراءات "لا بد منها" اتفقوا عليها كزيارة الطبيب، وأي طبيب؟ الطبيب النفسي الذي لم أتوقع يوماً أن أضع قدميّ على عتبة عيادته. أخذوني إليه قسراً، والمضحك المبكي أنهم ألزموني بدفع تكلفة الزيارة.

وُلدت وحيداً بعد خمس محاولات لإنجاب ذكور، لكنّي حُرمت من الدراسة، ولم أحصل على شهادة، ورُميت صغيراً لأعمل في مستودع بضائع لمواد المنظفات.

في صباحَ اليوم الموعود، وهو اليوم التالي، لا إفطار، ولا أي كلمة لبقة. فقط: "قوم لبيس حتى ننزل عالدكتور".

"كان زوج أختي أجرأ وإنْ لم يخبر الطبيبَ القصة، أو ‘التهمة’. اكتفى بالتلميح إلى حادث اعتداء عليّ، لكن الطبيب حدس بالمطلوب حين طلب الصهر ‘المعظم’ أن أُفحص ‘من قدّام ومن ورا’"

لم أتمالك داخلي من الضحك، ما الذي سيفعله الطببيب النفسي لي؟ دارت توقعات بيني وبين نفسي، انتهت بهمسة شيطانية أدخلت الراحة عليّ، "منتسلى، سقفا يقلي إنت لوطي ولازم تتغير... المهم يوم عطلة أحسن من عتالة بضاعة المستودع".

ارتديت ثيابي وخرجنا. لم تفوّت أمي فرصة أن تصفعني وتهديني شتيمتين عند الباب. "فضحتنا إلهي يفضحوك بجهنم، بدل ما ترفع راسنا سوّدت وجهنا".

لا أدري كم مرة بلعت ريقي، من الباب حتى مدخل البناية. أؤكد أنها ليست أقل من عشرين مرة. أيقنت أن الأمر لن يمرّ بسهولة. لا تفسيرات ولا تبريرات يمكن أن تُفهم، ولا أي شكل من أشكال الترجي أو الخداع ستنطلي على أهلي أو تسهل نسيان "الكارثة".

ساد صمت خلال الطريق، لم يقطعه سوى إرشادات زوج أختي لسائق التاكسي. وصلنا، والوجوم يكسو وجهي مرافقيّ، أما أنا فلم أشعر في داخلي إلا بالفراغ، فراغ محكوم ينتظر جلسة تثبيت الحكم على رقبته.

جمدتني عند باب الطبيب لوحة التعريف باسمه. ليس طبيباً نفسياً بل طبيب شرعي فهل أخطأوا في العنوان؟

نصف ساعة ثقيلة في غرفة الانتظار، قطعها صوت السكرتيرة. طلَبَت أن يدخل مرافق واحد مع المريض، ناظرةً إلى أمي وزوج أختي ظنّاً منها أن أحدهما هو مَن أتى لزيارة الطبيب. تحرّكت وتحركت أمي معي.

تركت غرفة الانتظار بجوّها الذي يشبه تجهيز كرسي إعدام بحق متهم في قضية قتل أو اغتصاب أو إرهاب. ذنبي العظيم المدمّر أنني مثلي.

مثلي، لا أكثر، يا عالم! مثلي فقط، يا ناس!

"صفنت لبرهة قبل الاستلقاء. مشاعر مكثفة كانت تجتاحني. لم يعد جسدي، هذه الكتلة من اللحم والعظم والجلد والعضل والأعصاب والأوعية والمشاعر والشهوات والصوت والنبرة والأفكار، لي. جُرِّدت من ياء الملكية. أُطيع. أفعل ما يأمرني به آخر"

دخلنا. كان الطبيب مشغولاً بجهاز الكومبيوتر أمامه. استبقتُ الأمر فتفحصت وجهه: ذكرٌ في الخمسين من عمره تقريباً. شيب خفيف، وملامح عادية لمارٍّ قد أصادفه في الشارع. دفعتني أمي، بقرصة لئيمة: "قعود هون". وبصوت خافت لا يكاد يسمعه غيري: "نقبر خلّصنا".

التقط الطبيب همساتها، فترك ما بين يديه وسأل: "خير؟ في شي؟". لم يتلقَّ إجابة. سأل أمي: "أهلين حاجة. خير؟ شو صاير معك؟". لم أفوّت فرصة الضحك، فالتفتت أمي إليّ شزراً، ثم قالت: "كل الخير دكتور، بس كنا جايين نعمل فحص".

تابعتُ الموقف، بصمتٍ، كلّي سخرية. لم أتدخّل. اكتفيتُ بتأمّل بنظرات أمي الخجلى. واصلتِ التعلثم، ثم طلبت أن يدخل زوج أختي ليوضح المطلوب، لأنها امرأة تخجل من "ذكر المنكرات والرذائل".

دخل زوج أختي، فانتهزت أمي الفرصة وانسحبت، كأنها ليست مَن أصرّ على القدوم والكشف عند هذا الطبيب الذي لا زلت أجهل علاقة اختصاصه بحالتي. كان زوج أختي أجرأ وإنْ لم يخبر الطبيبَ القصة، أو "التهمة". اكتفى بالتلميح إلى حادث اعتداء عليّ، لكن الطبيب حدس بالمطلوب حين طلب الصهر "المعظم" أن أُفحص "من قدّام ومن ورا".

احتار الطبيب. بعد "المنكرات والرذائل" تلقّى "من قدّام ومن ورا".

لم يعلّق، كأنه ينتظر مغامرة أو مفاجأة. طلب منّي الجلوس على كرسي الفحص، ثم سحب الستارة، وأتبعها بكلمة واحدة، كسكين باردة، حدّت للقتل: "يلا".

ربّاه! ما هذا المأزق.

"يلا شو؟"، سألته، فأجاب: "شلاح تيابك، خلينا نعمل الفحص ونعرف شو صاير".

تجمدت مكاني، حثني الطبيب على الإسراع، فما كان منّي إلا أن نزعت ثيابي، ببطء كأنّي مختطف مهدد بالسلاح.

ما الذنب الذي يجبر إنسانا على التعري أمام آخر ضد رغبته؟ وما التهمة التي تسمح لشخص غريب بأن يمد يده ويعبث بما شاء من جسد شخص آخر، وكيفما شاء؟!

ارتدى الطبيب قفازاً، وطلب منّي أن أستند على أطرافي الأربعة. "بوضعية السجود"، هكذا قالها. لم أدرِ حينها أي شيطان، أو ملاك، أو هبّة سماوية نفثت روح السخرية داخلي.

ـ "قصدك دوغي ستايل دكتور؟".

ـ "شو؟!".

ارتبك الطبيب من ضحكة صفراء أدغمتها بالجملة، أشك في أنه ظنني سافلاً. صمَتَ لوهلة، ثم تابع: "شو ما كان اسما". وضع أصابعه على فخذي، ثم بدأ العبث، فتنمل جسدي فوراً. طلب أن أقلّص مخرج الجسد، ثم أرخيه، وأعيد الحركة مرتين.

"أوكي، خلينا نفحص من قدام، تسطح عَ السرير"، قال لي.

صفنت لبرهة قبل الاستلقاء. لثانية واحدة ربما. مشاعر مكثفة كانت تجتاحني. لم يعد جسدي، هذه الكتلة من اللحم والعظم والجلد والعضل والأعصاب والأوعية والمشاعر والشهوات والصوت والنبرة والأفكار، وكل شيء مادي أو غير مادي، لم تعد لي. جُرِّدت من ياء الملكية. أُطيع. أفعل ما يأمرني به آخر، ضد رغبتي وإرادتي.

تمددت على السرير، نصفي السفلي عارٍ. أمسك الطبيب عضوي، واستعان بضوء يكشف المنطقة. أعاد الفحص ثانية، وانتهى بجملة مقتضبة: "تفضل لبيس تيابك".

شرح الطبيب في النهاية لأمي وصهرها أنني سليم. محصلة الأمر أنني لم أفقد عذريتي، ولا خسرت الشرف المفترض. هذا ما سمعته فحسب. طلب منّي بعدها البقاء خارجاً، في ردهة الانتظار، كأنّي لست المعني بالأمر.

غادرتُ العيادة. نظرت من ممر الطابق الرابع. فكّرت أن أنفّذ قفزة درامية تقضي على الجميع، لكنّي تذكّرت واجبي في السخرية منهم. كيف لهم أن يفصلوا إنسانا عن جسده، أن يفرّقوا بين رغبته وجسده، فيمنعوا عن الجسد رغبة صاحبه، وعن الرغبة جسداً يلبّي حاجتها؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard