من يكره المثليين؟... مجتمع الميم يكتسب أرضاً بعد النبذ والكراهية

الأربعاء 16 يونيو 202102:39 م

في مصر، والشرق عموماً، لم نتعود احترام مجتمع الميم بكل أشكاله (مثليات ومثليين وعابرات/ ين جنسياً ومزدوجات/ ي الميول الجنسية)، ويشار إليهم اختصاراً "LGBTQ"، ويتفاوت قبولهم وفقاً لعدة عوامل فوقية (دينية وسياسية)، وأخرى تتعلق بدرجة التعليم والسنّ والثروة.

السن عامل مهم وفارق. عندما التحقت ابنتي بإحدى كبريات الجامعات الأمريكية في كاليفورنيا، صدمني في الزيارة الأولى لها أن أصدقاءها المقربين مثليون. في مصر نادراً ما نلتقي بهؤلاء، فهم يختفون ويخفون ميولهم الجنسية، خوفاً من بطش أو تنكيل مجتمع تركيبته معقدة اعتاد ألا يحترم الاختلاف، ولا يرحم أقلية مستضعفة.

في هذا السياق الضاغط لا أتناول قضية الحرية الجنسية؛ فغياب الحرية ينسحب إلى حرية الإنسان في جسده، والمجتمع الذي لا يقرّ بالحق في الحرية أصلاً، يعتبر المثلية فسقاً وفجوراً وجريمة يعاقب عليها القانون، وهي في أفضل الأحوال خلل نفسي يستوجب العلاج بعد الاستغفار من ذنوب قد لا تغتفر وفقاً للدينين الإسلامي والمسيحي أيضاً.

"ليسوا سيئين وليسوا أغراباً". هكذا ردت ابنتي بغضب، عندما حاولتُ تحذيرها من عنف عالمهم الغريب: "لكنهم شواذّ عن الطبيعة الإنسانية، يستسهلون الطريق ولا يحاولون العلاج". هكذا نعرف في مصر. فانفجرت: "ليسوا شواذاً، هم مختلفون وليسوا مرضى، ومن العار أن تلقوهم بمصحات نفسية لتنتهي حياتهم بالانتحار. لم يأذوكم فاتركوهم وشأنهم".

لم أتركهم وشأنهم. وقررت أن اقترب منهم، وبحذر لا أعرف سببه سوى ميراث ثقيل حاولت أن أخفف منه، لأقترب من ابنتي الوحيدة التي تعدّ أصدقاءها كلَّ عالمها؛ شباب واع مثقف من أسَر متوسطة الثراء، جميعهم متفوقون اختارتهم شركات كمبيوتر شهيرة أو مصانع أدوية عملاقة لتفوز بهم قبل التخرج، ولا يمكن أن نميزهم شكلاً أو صوتاً؛ لا يتمايلون ولا يرققون صوتهم أو ينمقون كلامهم كما رسخت أفلام مصرية صورتهم الذهنية.

تحولت السينما العالمية من محرّض على العنف ضد المثليين إلى داعم لهم، وتغيرت صورتهم النمطية على الشاشة

أولى ملاحظاتي كانت أنني رأيتهم الأكثر التزاماً ووضوحاً وصدقاً ونبلاً بين من رأيت من أصدقاء ابنتي هناك، والمدهش أنني اكتشفت أنها وزميلاتها وبعض قريباتي يفضلن صداقة مجتمع "الميم"، ويفخرن بصداقتهم، ويدعمن نضالهم لتعديل القوانين لحمايتهم من التمييز، وحقهم في المساواة في العمل والتبني والسكن، وغيرها من حقوق انتزعوا بعضها. ربما لأن الفتيات ـ حتى في أمريكا ـ يشعرن بالتمييز الذي يعانيه مجتمع الميم، فيتعاطفن مع هؤلاء الضحايا.

العرق والدين والمثلية... ترتيب الجرائم في أمريكا

حين قالت ابنتي: "إنهم مثليون"، استدرَكَت: "أُقدر أنك من مجتمع لا يعترف بهم، ولا بحقهم في الوجود، لكن من منطلق إيمانك بالحرية تعاملي معهم، وفي اعتبارك أنهم فئة قليلة مقهورة بلا ذنب سوى أنها خُلقت كذلك، وكل مجتمع على الأرض إنسان أو حيوان أو طير، تختلف نسبة منه في ميولها الجنسية. في عالم الإنسان فقط يتعرضون للكراهية والعنف بكل أشكاله، يصل للقتل أحياناً. في الولايات المتحدة تأتي جرائم الكراهية على أساس الميول الجنسية في المرتبة الثالثة، بعد العرق والدّين. وفي مجتمعاتنا الشرقية لن نجد أصلاً إحصاءات حقيقية، لكن هناك بالتأكيد جرائم مروعة وممارسات مسكوت عنها تدفعهم للاكتئاب والانتحار.

بعد تصاعد العنف ضدهم في أمريكا، وجرائم قتل جماعية في بعض الولايات، تغيرت بعض القوانين، وبدأ الحال يختلف في السنوات الأخيرة. لم تكن القوانين فقط هي السبب في الواقع، لكن سحر السينما كان له تأثير قوي. وقد تحولت السينما العالمية من محرّض على العنف ضد المثليين إلى داعم لهم، وتغيرت صورتهم النمطية على الشاشة، من أشرار قتلة ومتحرشين جبناء ومرضي عقليين ونفسيين، إلى أصدقاء أوفياء ونبلاء شجعان وأبطال ملهمين.

في عام 2000 صدر كتاب يرصد شركة ديزني من الداخل للخارج عنوانه "Tinker Belles and Evil Queens: The Walt Disney Company from the Inside Out"، تأليف شين غريفين الذي تناول تاريخ أفلام ديزني التي حاولت الالتزام بقيم الأسرة فتعمدت تشويه صورة المثليين على مدى عقود، كاشفاً علاقات طويلة لديها مع مجتمع المثليين منذ بداية شخصية ميكي ماوس. وبحث في تاريخ المثليين، وتاريخ ديزني ومبدعيها وموظفيها الأوائل ونشاطهم الجنسي، ليثبت العلاقة المعقدة بين ديزني والمثليين في الخفاء، ثم في العلن، وأدان الشركة العملاقة واتهمها باستغلال مجتمع المثليين كقوة شرائية لا يستهان بها، كما استغل المثليين الفرصة للضغط.

في عام 2014 قدم المخرج ديفيد ثورب فيلماً وثائقياً عنوانه "هل أبدو مثلياً؟" عن المثليين، يؤكد فيه تحليل غريفين، ويؤكد أن "صورة المثليين نمطية في أفلام ديزني؛ إنهم سيئون دائماً". يسوق الكتاب أمثلة مبكرة لأفلام من الثلاثينيات، كانت الشخصية المثلية موجودة في أفلام ديزني القصيرة مثل "الثور فرديناند" و"التنين المتردد". كان المثلي فيها كسولاً متردداً سخيفاً. وبعد صدور قانون يحظر الانحراف الجنسي أو الاستدلال عليه عرف بقانون "Hays"، صار المثلي شريراً، وظل هكذا لخمسة عقود. وكان يظهر وجود شخصية المثلي في الأفلام فقط لتحذير الأطفال من كونه عنيفاً أو لديه مرض عقلي. سجل غريفين أن "بيتر بان" (1953) الذي صور كابتن هوك شخص غريب الأطوار يفترس الصغار، وكذلك كان "شير خان" ثنائي الجنس في "كتاب الغابة" (1967) شريراً عنيفاً.

فيلم "Out" مُنع في عدة دول منها الكويت والسعودية وقطر

سيئون دائماً! لم تكن ديزني وحدها التي رسخت تلك الصورة للمثليين، فتلك كانت صورتهم في السينما العالمية غالباً؛ شرير أو متحرش، أو تافه حقير، أو مريض مهزوز، والأفضل اجتنابه إن لم تمتلك القدرة على سحقه! الكل واحد في معظم الأفلام، الملامح نفسها والحركة والصوت والماكياج؛ فنعرف من المشهد الأول لظهوره أنه مثلي، ونسبّه بألفاظ فُصِّلت لهم بعدما نشعر بالنفور والتقزز، وقد يلحق العار بالممثل الذي جسد الدور أيضاً!

لكن لماذا كانت ديزني تحديداً الهدف المنشود للمثليين؟ لأنها ببساطة امتلكت عقول الأطفال بعالمها الساحر، وهي دون غيرها تملك التأثير والقدرة على التغيير، فاختاروا أن يكون لهم نفوذ عليها (عدد من المساهمين الكبار في شركة ديزني من مجتمع الميم)، وتغيرت ديزني.

أليسا أميرة لا تنتظر فارساً

هكذا قطعت ديزني على نفسها وعداً، منذ نحو عشر سنوات، أن تكون صوتهم، وألا تتجاهلهم في أفلامها. وصدق الوعد، حتى لو على استحياء أو خفاء مقصود في البداية. فقدمت "أليسا" ملكة الثلج في فيلم "فروزن" "Frozen"، نموذجاً للفتاة القوية ذات قدرات خارقة، لا تنتظر أميراً يخلصها، أو يمنحها الحياة كأميرات ديزني الكلاسيكيات. أشار البعض إلى كونها مثلية، لكن ديزني تجاهلت أي جدل حول الشخصية التي أُعدّت في ذلك الوقت (2013) ثورة في عالم أميرات ديزني التقليديات، اللائي بتنَ مرفوضات لدى جيل من الفتيات لم يعد الزواج هدفهن ومبتغاهن، ولا يعتمدن على الرجل لتحقيق أحلامهن.

لكن كانت في الفيلم شخصية ثانوية، "أوكين" وهو رجل لديه زوج وأطفال! وبذلك أصاب الفيلم، الذي شاركت المخرجة جنيفر لي في تأليفه وإخراجه، هدفين، وأرضى طرفين معاً. أولهما منظمات نسائية كانت تهاجم ديزني وأفلامها التي كرست لدى الفتيات ثقافة الخنوع والضعف والاعتماد على الرجل. والثاني مجتمع الميم الذي أصبح "لوبي" لا يستهان به. وكان لا بدّ أن تستمع الشركة العملاقة إلى صوتهم بعد سنوات من النضال لانتزاع الاعتراف بهم وبحقهم في الوجود، وتمثيل مجتمعهم في مناحي الحياة واقعياً، وخيالياً على شاشات السينما.

كان فيلم "فروزن" بداية خفية لم تصل رسالته إلى كثيرين. وفي عام 2017 كان "لي فو" المثلي الذي يعبر عن حبه لجاستون، ويريد تقبيله في فيلم "الجميلة والوحش". اضطرت ديزني إلى حذف المشهد من النسخ المعروضة في الصّين، ورفضت ذلك في دول أخرى بعضها منع عرضه، وللسخرية عرضته روسيا للكبار فقط، واعترفت، لكن على استحياء، أن "لي فو" شخصية مثلية، وقد كان ذلك أفضل لديزني التي لم تكن قد نظمت أفكارها بعد لتعكس توجهاتها.

مع الوقت أصبحت ديزني هي الداعم الأكبر لمجتمع الميم. وضعت ما يشبه الخطة التي قد تعني ثورة للتصحيح، لا نعرف بعد عواقبها. هي اليوم إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف ومتعددة الأهداف، لكنها في الأصل عالم الأطفال، والمحافظون سيهاجمونها بالتأكيد، وقد تتأثر بموقفها الذي تطور ليصبح معلناً واضحاً ورسمياً منذ عامين تقريباً.

في اجتماع المساهمين، ومنهم مثليون حرصوا على الحضور، تعهدت ديزني أن تلتزم بالتنوع في إنتاجها، وقال رئيسها التنفيذي: نريد أن نمثل جمهورنا

في اجتماع المساهمين، ومنهم مثليون حرصوا على الحضور، تعهدت ديزني أن تلتزم بالتنوع في إنتاجها، وقال رئيسها التنفيذي: نريد أن نمثل جمهورنا، وصرح بأن هناك شخصية متحولة جنسياً في فيلم مارفل المستقبلي "The Eternal". شخصية رائدة ولديه زوج وأطفال، يمثلها بريان لي. والزوج يلعبه الممثل لبناني الأصل هاز سليمان، والفيلم تخرجه صينية الأصل، كلوي زاو، الفائزة بأوسكار أفضل مخرجة عن "نومادلاند" الفائز بأوسكار أفضل فيلم 2021.

يونيو... شهر فخر المثليين

يونيو هو شهر فخر المثليين، وفيه يحتفل المثليون في أمريكا وأوروبا بمسيرات وحفلات وخطب وأنشطة مختلفة رافعين أعلامهم الملونة وصور الراحلين منهم دفاعاً عن حقوقهم. وتزامناً مع شهر يونيو، أعلنت "مارفل" إطلاق سلسلة جديدة من "كابتن أمريكا"، سيظهر فيها لأول مرة كابتن أمريكا مراهقاً مثلي الجنس، وصفته الشركة في بيانها بأنه "مراهق شجاع يحمي زملاءه ويحارب الأشرار، وهو مستوحى من نشطاء وقادة بيننا يكافحون من أجل حياة أفضل". وقال مؤلف السلسلة التي تحمل اسم "كابتن أمريكا للسكك الحديدية" إن آرون كابتن أمريكا الجديد "يمثل المظلومين والمنسيين في مجتمعنا، وأرجو أن تلهم قصته جيلاً قادماً من الأبطال". "لا مثليون في عالم مارفل"، (No gays in the Marvel Universe)، كان هذا شعاراً ترفعه مارفل، وقد تغير الوضع بعدما اشترتها ديزني عام 2009.

وتعرضت ديزني للهجوم من نشطاء محافظين، تساءلت زعيمتهم الكاثوليكية: لماذا لا تكون ديزني آمنة للناس في العالم كله ولا تتبع أقلية معينة؟ ووقع معها ما يقرب من 700 ألف شخص بياناً يطالب ديزني بعدم إقامة احتفالات "شهر فخر المثليين" في ديزني لاند في أي من دول العالم. وكانت ديزني قد أقامت فعاليات ضخمة ومتنوعة بهذه المناسبة في ديزني لاند باريس، ثم في ديزني وورلد بأورلاندو، رفعت فيها أعلام "رينبو"، رمز المثليين، وأنتجت ملابس ولعباً وهدايا تذكارية تمثلهم.

وكان ردّها على المحافظين عملياً وذكياً، بفيلم الرسوم المتحركة القصير "Out" أنتجته بيكسار (إحدى شركات ديزني). عرض "Out" عام 2020، في شهر الفخر أيضاً. بطل الفيلم شاب جامعي مثلي متزوج من صديقه، لكنه يخفي حقيقة ميوله الجنسية عن والديه خشية غضبهما، ويزوره والداه فتجد الأم صورة تجمعه بصديقه وهو يحتضنه. تُصدم الأم وتبكي، لكن الأب يهدئ من روعها ويحتضن ابنه، ويتقبل الجميع الواقع، ويشعر الشاب بارتياح، فقد أعلن أخيراً عن نفسه.

وكان "Out" أول فيلم قصير لبيكسار يدعم المثليين. وقبله بثلاثة أشهر تقريباً قدمت بيكسار أيضاً امرأة مثلية لها عشيقة، في فيلم الرسوم المتحركة الطويل "Onward" (إلى الأمام) لتكون أول شخصية مثلية في أفلام بيكسار الطويلة، لكنها لم تعلن عنها رسمياً، ورغم أنها شخصية ثانوية إلا أن الفيلم مُنع في عدة دول منها الكويت والسعودية وقطر.

وتستقبل دور العرض، بداية من يونيو 2021، أحدث أفلام ديزني "Cruella"، ويقدم للمرة الأولى بشكل معلن، شخصية من مجتمع الميم. الفيلم الذي تلعب بطولته إيما ستون، وتدور أحداثه حول عصابة إجرامية، سيظهر فيه الممثل جون ماكريا بشخصية شاب مثلي الجنس. وهو شاب محبوب، منظم وسعيد يعشق الحياة. اختارت ديزني عرضه تزامناً مع يونيو شهر فخر المثليين، لتحتفل به على طريقتها، بعدما ألغت أنشطته المعتادة هذا العام لظروف فيروس كورونا.

يثير هذا الفيلم جدلاً قبل عرضه، فالبعض يرحب به، معلناً أن ديزني تكتب التاريخ، والبعض الآخر يتهمها بهدم قيم الأسرة، وأنها لم تعد أمينة على الأطفال. والحقيقة أن ديزني لم تعد كما كانت؛ لقد تغيرت بالفعل، قبل العالم أو بعده أو واكبت تغييره، لا يهم. فالأهم أن العالم كله يتغير، ولم يعد يخفي هذا التغير، والمؤكد أن رياح التغير تزحف، بسرعة أو ببطء، وآثار التغير أصابت مفاهيم جيل جديد يكره الكراهية ويتعاطف مع منبوذين أذكياء، فأين نحن من هذا المشهد؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard