"عشنا معنى أن تفقد أحباءك ويُدمر بيتك"... المخيمات الفلسطينية بعد جريمة مرفأ بيروت

الخميس 13 أغسطس 202007:09 م

الرابع من آب/ أغسطس، الساعة الخامسة عصراً بتوقيت بيروت، شيءٌ ما زلزل ليس الأرض فقط، بل وعي الناس أيضاً. البعض سارع إلى التحليل بأن الحرب قد وقعت، والبعض الآخر ظن بأن الانفجار المدوّي هو كارثة كبرى ستغيّر مسار الوضع في لبنان، وربما العالم. يقول الرجل البسيط الذي يجلس أمام دكّانه في المخيم: يقولون مفرقعات هي التي أحدثت هذا الانفجار المدوّي، كيف يا أبا عبيدة؟ هل تصدق ذلك؟ يردّ: الفساد في هذا البلد يجعل كلّ شيء ممكن.

أكثر من مئة شهيد وآلاف الجرحى هي حصيلة الانفجار الأولى، حتى وصل العدد إلى 158 شهيداً وستة آلاف جريح ومئات المفقودين تحت الدمار، وتقول من المفرقعات؟ ثمّ صمت، وقال: ماذا نفعل هنا نحن لاجئي هذا المخيم؟ علينا أن نهاجر فوراً... إلى أين؟ لا أعرف.

في حديث لرصيف22 مع مدير مستشفى النداء الإنساني في مخيم عين الحلوة، مصطفى أبو عطية، قال: "في حوالي الساعة السادسة من بعد ظهر يوم الثلاثاء في 4 آب/ أغسطس 2020، سُمع صوت عميق للغاية مع ضغط واهتزاز في أرجاء مخيم عين الحلوة. الانطباع الأول كان هجوماً أو قصفاً إسرائيلياً على مكان معين في لبنان، حيث أن هناك أرضاً خصبة لذلك، بسبب تصعيد التوتر على الحدود مع فلسطين".

ويتابع: "بعد فترة قصيرة، أُثيرت أنباء على شاشات التلفاز أعلنت عن انفجار كبير في ميناء بيروت. ومن المعروف بأن مخيم عين الحلوة يقع في مدينة صيدا، على بعد قرابة 47 كيلومتراً من مرفأ بيروت، وهذا يعكس حجم الانفجار الكبير لكي يُسمع في المخيم. في البداية كان هناك لَبَس حول سبب الانفجار الهائل وعدد الضحايا. ولكن في اليوم الثاني أعلن رئيس الصليب الأحمر اللبناني أن الضحايا وصلوا إلى نحو 100 شخص وجرح أكثر من 4000 آخرين وحوالي 60 شخصاً في عداد المفقودين. تم نقل الضحايا بواسطة سيارات الإسعاف التابعة لجميع منظمات الإسعافات الأولية والدفاع المدني. خليط من مشاعر الحزن والتعاطف والتضامن انتاب أهالي مخيم عين الحلوة، حيث هبوا بدون أدنى تردد، لتقديم ما يلزم تقديمه في هذا المصاب الجلل، وتوجه الدفاع المدني الفلسطيني (فوج عين الحلوة) وبعض فرق الإسعاف لمساعدة زملائهم من الجانب اللبناني".

بعد الانفجار، بدأ المتطوعون في جهاز الإسعاف الأولي بالمناداة من خلال مكبرات الصوت في مساجد المخيم بضرورة التبرع بالدم من كافة الفئات، وعلى إثرها تم نقل عشرات المتبرعين من اللاجئين الفلسطينيين من المخيم إلى بنك الدم في صيدا

أما بالنسبة لجمعية النداء الإنساني، فمنذ الشرارة الأولى للحدث، دعت إدارة مستشفى النداء لعقد اجتماع طارئ للأشخاص المسؤولين عن الاستجابة في وقت الأزمات، وكان القرار بأن تستنفر المستشفى جميع طواقمها لاستقبال الجرحى من خارج المخيم في حال الطلب. وعلى صعيد آخر، آثرت إدارة المستشفى التواصل مع إدارة الصليب الأحمر اللبناني في صيدا، وكذلك مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتبليغهم بأن إدارة المستشفى تأخذ زمام المبادرة لدعم بنك الدم.

وبناء عليه، بدأ المتطوعون في جهاز الإسعاف الأولي بالمناداة من خلال مكبرات الصوت في مساجد المخيم بضرورة التبرع بالدم من كافة الفئات، وعلى إثرها تم نقل عشرات المتبرعين من اللاجئين الفلسطينيين من المخيم إلى بنك الدم في صيدا. وكانت مجموعة أخرى من الأشخاص تتبرع بالدم في المختبر التابع للمستشفى، وكذلك تم إعداد قائمة بالمتبرعين المحتملين في حال الطلب. من جهة أخرى، ظل فريق الإسعافات الأولية على أهبة الاستعداد للاستجابة لأي نداء طارئ لنقل الضحايا من وإلى بيروت.

السماء في بيروت ملبدة بالغيوم، الغيوم مع الدخان الذي يميل إلى الأحمر، تظنّهُ للوهلة الأولى دماً متطايراً، لا أحد يعرف ماذا يجري... وتشعر بالصمت المفخخ في نفوس الناس، يقول لطفي أبو محمد، 63 عاماً، من سكّان مخيم نهر البارد، سائق تاكسي: "عندما وقع الانفجار كنتُ في طريق عودتي إلى المخيم، شعرت بأنّ الانفجار وقع في داخلي، صرت أسوق التاكسي وأنا أرتجف، لا أعرف أين الطريق؟ ظننت بأنني لن أعود إلى أي مكان، وكنت طالبت وما زلت أطالب القيادات وأصحاب القرار بالتهجير من هذا البلد، لأننا بصراحة يئسنا من كورونا، ويئسنا من الدولار، ويئسنا من الانفجار...".

في منتصف الليل في المخيم، يتسمّر الناس أمام الشاشات التي تجتمع في شاشة واحدة على ستة مشاهد من نفس المكان، مرفأ بيروت، لا كلام سوى صوت المراسلة التي تقفز من مكان لآخر، وعندما تقول: "وصل الدفاع المدني الفلسطيني إلى المكان"، يفرح الناس في المخيم، ها قد وصلوا شبابنا كي يمدوا يد المساعدة بسواعدهم القوية، فما أجملهُ من شعور، أن تسمع بأنّ اللاجئين هم في أول المعركة لانتشال بيروت من ركامها، لأنّ الجرح واحد.

في هذا السياق يؤكد رائد الطيان، 30 عاماً، من مخيم البداوي: "كنت أجلس وحيداً في غرفتي أشاهد التلفزيون، وإذا بأحد أصدقائي يرسل فيديو قصيراً لانفجار هائل حصل في مرفأ بيروت، وهو أشبه بالانفجار النووي". في البداية لم أقدر حجم الكارثة وفداحتها، فرحت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن مشاهد أخرى لهذا التفجير، وكان الصدمة عندما أدركت حجم الدمار الهائل الذي خلفه وراءه، وعندما علمت عدد الضحايا الذين قضوا خلاله. حقيقة كانت صدمة هائلة خلفت فيّ أثراً كبيراً من الصعب أن ينمحي".

التقيت أيضاً بمدير جمعية نواة- مركز التضامن الاجتماعي في مخيم نهر البارد، محمد سليمان، وفي حديث معه قال: "تأثرنا كثيراً بهذه الكارثة التي حلت في بيروت، وخصوصاً أننا في لبنان، وخصوصاً في مخيم نهر البارد، عشنا معنى أن تفقد أحباءك، يدمر بيتك، تفقد عملك وتعيش التهجير في جميع الحالات. لذلك نشعر مع أهل بيروت بعمق المأساة التي حلت بهم من كل جانب، وإنّنا في جمعية نواة - مركز التضامن الاجتماعي، تضامنّا مع أهل بيروت منذ لحظة وقوع الكارثة، ويجدر بنا ذكر بعض شباب المخيم الذين سارعوا لمشاركة الجمعيات الأخرى للتخفيف من آثار الكارثة التي حلت بأهل بيروت".

ولا شك أن الآثار المترتبة على هذا الحدث سيكون لها تداعيات كثيرة، منها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغير ذلك، مما يتعلق بحياة الإنسان، سواء أكان مقيماً في بيروت أم في لبنان عموماً، وممكن كذلك أن يكون هناك تأثير سلبي على دول عربية مجاورة، نظراً لأهمية مرفأ بيروت.

آثار الانفجار لا تمحى، ولم يصدق أحد ما حدث في بيروت. الشوارع مصابة بالذهول، ووجوه الناس لا تبتسم، لا تنطق، لا تتحرك، لا تتجمد، والذين يسكنون في مخيمات بيروت هم الذين شاهدوا بأم العين هول ما حدث، رغم ضيق الزواريب في المخيم، لكن تشعر بأنّ الجدران ستنفجر، والزواريب ستنفجر، الحنفيات، والمجارير، وأسلاك الكهرباء، صراخ النساء، كل شيء سينفجر هنا، وكأن نكبة عادت من جديد.

محمود معطي، 32 عاماً، من سكّان مخيم برج البراجنة، قال في حديث لرصيف22: "كنا نجلس في البيت. حسبنا أنّها هزة أرضية، لأنّ كل المخيم تعرض لها بشدة فحسبنا أن المخيم قد دمر، وبعد الهزّة خرج صوت الانفجار المدوّي. ركضنا إلى تحت بعد أن هزت البناية، خوفاً من سقوطها. بعد أن خرجنا شاهدنا سحباً من الدخان الملوّن في السماء. ناداني بعض شباب المخيم وقالوا: نحن ذاهبين للتطوع في الدفاع المدني الفلسطيني ومستشفى حيفا، لأنّ هناك الكثير من الجرحى، وبعض الشباب أيضاً فتحوا طريق المخيم، لكي يسهلوا على السيارات العبور من المخيم إلى المنطقة الأخرى ذهاباً وإياباً".

"تتكرر مثل هذه الأخبار والانفجارات في غزة وسوريا والعراق والكثير من الأماكن، لكن هذه المرة كانت أقرب من كل شيء، إنّها بيروت، بيروت التي طالما عشقت ازدحامها وشوارعها، باتت الآن مزدحمة بالجرحى، وتفوحُ منها رائحة الموت"

أما المدير الإداري لمستشفى حيفا في مخيم برج البراجنة في بيروت، محمد صلاح، فقال لرصيف22: "كان هول الانفجار مفزعاً، وللوهلة الأولى اعتقدنا أنه قصف حربي، ولا أخفيك مدى الذعر الذي حدث بين الأهالي في المخيم. بعد اللحظات الاولى للانفجار أتت التعليمات من مدير عام الجمعية، د. سامر شحادة، باستنفار كامل طواقم الجمعية، وبدعم كامل من سعادة السفير الفلسطيني في لبنان، أشرف دبور، حيث توجهت أربع سيارات إسعاف نحو مكان الانفجار، ومستشفى حيفا استدعت كافة طواقمها الطبية والفنية والإدارية، حيث تم استقبال ما يقارب الـ 50 جريحاً خلال الساعتين الأوليين للانفجار، وتم العمل على إجراء اللازم لجميع الجرحى بلا استثناء، وعملت سيارات الإسعاف على نقل الجرحى من مكان الانفجار للمستشفيات القريبة، كما أقامت الجمعية، بعد يومين من الانفجار، خيمة إسعاف ميدانية قرب الموقع لتقديم الخدمات الطبية بأسرع شكل مطلوب".

النهار المشؤوم ترك هزة في النفس والروح، كان الانفجار يتكرر في القلوب والمشاعر، لم يغب للآن عن مخيلة الناس في المخيم وخارجه، لم يعد كورونا الحديث الأول، ولا الدولار وارتفاعه الحديث الثاني، تغير كل شيء أو تبدل كل شيء، وهذا النهار المحمول على فوهة البراكين لا يوصف. النائم وجد نفسه يقفز عن السرير، والمستيقظ وجد نفسهُ يغفو من هول ما سمع أو أحس.

إسراء عقلة، 25 عاماً، من سكّان المخيم، تقول: "حوالي الساعة السادسة والنصف مساء، كنت مستلقية على السرير بعينين نصف مغمضتين، طمعاً مني بالحصول على قسط من الراحة. استيقظت قبل أن أغفو بالكامل على صوت رنين هاتفي، سمعتهـا تقول: إسراء... بيروت راحت، ما ضل شي منها، دمّروها... فجّروها. وقفت على قدمي، شعرت بدوار، نظرت الى المرآة، خرجت أبحث عن أحد في المنزل، لكن لا أحد. غسلت وجهي بالماء البارد عدة مرّات وعدت مرة أخرى إلى الهاتف. كنت أتمنّى لو أن ما سمعته كان حلماً، لكن لا! الخبر حقيقي".

وتتابع: "القنوات كلها كانت تنقل خبر انفجار مرفأ بيروت! أول ما خطر ببالي هم أصدقائي في بيروت... يا الله أنت الحامي كُنْ معهم، سارعت بالاتصال والاطمئنان عليهم. صُدمت كثيراً بحجم الانفجار الذي حصل والشهداء والجرحى الذين سقطوا... يا الله ما ذنبهم؟

تختم: "تتكرر مثل هذه الأخبار والانفجارات في غزة وسوريا والعراق والكثير من الأماكن، لكن هذه المرة كانت أقرب من كل شيء، إنّها بيروت، بيروت التي طالما عشقت ازدحامها وشوارعها، باتت الآن مزدحمة بالجرحى، وتفوحُ منها رائحة الموت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard