الظل والصوت وأبعد من القصيدة في "رسائل أوديسيوس" لنوري الجراح

الأربعاء 18 أغسطس 202110:28 ص

إذا كان الشاعر يهرب في المجاز كي يحتمل فائض الواقع، فلنا أن نفلسف لون الكلمة وظل الصوت في ترجيعه الأمكنة، لعلّ رسالة تأتينا من ما بعد حصار الزمن في مراوحته بين ماض وحاضر.

وإذا كانت وجهة الكلام على الكلام أو في الكلام الشعري النابض فكرية، وقد تبدو باردة بعض الشيء، فلا لنفهم نسيج الشعر بتفكيكه، أو ما هو أعمق من ستارته المسدلة أشباحاً وهمساً ورؤى، بل لتغدو الكلمة التي تجمّرت في حنجرة الشاعر أخفّ إحراقاً، وتمسي وهجاً نتبع آثار خطوها في مساءاتنا الطويلة.

الكتابة في الشعر مربكة إذا لم يقدّر لها أن ترتقي إلى الروح الشعرية المتوهّجة حدساً ومعرفةً لا تكشف عن مخبوئها إلا بالنداء، فتمنح الكلمة ذاتها الحارّة وجمالها. هو نداء الكينونة بتعبير مارتن هيدغر، وتجلّي الحكمة المجسّد أعلى مراتب المعرفة، بوصف أرسطو للشعر.

في "رسائل أوديسيوس" لنوري الجراح، يتلبّس الشاعر قناع أوديسيوس مع تقابل واضح بين الذاتين، وبذلك تتحوّل الملحمة إلى ما يدعى بـ"الملحمة النقيض" وهي استعادة من طريق المحاكاة اللامرآوية والتحويل من الأسطوري العام إلى الذاتي، عمادها النقض والنفي وقوامها السخرية

وأجمل من قراءة "الشعر" (بالألف واللام) الكتابة فيه ونحن في حالة شعرية سرت إلينا بفضل القراءة، فلا نعد نفرّق في النصّ المكتوب بين القارئ والمقروء، العارف والمعروف، الرائي والمرئي. لا شيء سوى الرؤية والمعرفة الحدسية، وقراءة اجترحت عبقرية نقدية عريقة تعريفاً لها، هي عبقرية أبي حيان التوحيدي في وصف أحسن الكلام، بأنه: "ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم".

حدائق نوري الجراح الشعرية

"أيها العالم، يا أوديسا الغرباء والمنفيين"، بهذا التصدير ندخل الحديقة/ المختارات الشعرية (خطوط وظلال، عمّان، 2020) بمقدّمة لخلدون الشمعة، وضع لها عنواناً: "رسائل أوديسيوس وشعرية الكينونة". ووضّح أن شعرية الجرّاح هي شعرية وجود متأتّية من خصامه مع الذات "لا شعرية خصام مع الآخر"، مستنداً إلى مقولة الشاعر الأميركي ييتس بأننا "من خصامنا مع الآخرين نصنع البلاغة، ومن خصامنا مع أنفسنا نصنع الشعر".

في مطوّلة التغريبة السورية، تحضر معجمية التضاد للأمكنة/اللاأمكنة والاتجاهات/اللااتجاه، ومعادلة الحضور والغياب على وجه مخصوص؛ معادلة تتضايف فيها الأضداد، حتى يصحّ أن نطلق على هذا الدفق الشعري شعر الحدود المائلة

ويرى مقدّم المختارات أن الشاعر يتلبّس قناع أوديسيوس بطل ملحمة هوميروس، مع لحظ التقابل بين الذاتين (أنا الشاعر وأنا البطل الملحمي).وبذلك تتحوّل الملحمة إلى ما يدعى بـ"الملحمة النقيض" mock epic؛ وهي استعادة من طريق المحاكاة اللامرآوية، والتحويل من الأسطوري العام إلى الذاتي، عمادها النقض والنفي وقوامها السخرية.

ويتوقف أمام قول هوميروس في الأوديسة عن المهاجرين السوريين إلى اليونان إنهم "عمال عموميون"، بوصفهم الحرفيين المهرة، صناع الحضارة في تلك الحقبة من الزمن. إذ إنهم جمعوا بين العرّاف والطبيب والنجّار والمغني الإلهي.

جسد الشاعر الثائر يشطر التاريخ

تضمّ المختارات قصائد من دواوين ستة صدرت للشاعر تباعاً، مع "صعود إبريل" و"طريق دمشق -والحديقة الفارسية"، مروراً بعناوين "يوم قابيل"، و"قارب إلى لسبوس"، و"الخروج من شرق المتوسّط"، وصولاً إلى "لا حرب في طروادة -كلمات هوميروس الأخيرة".

لكني سأنطلق من قصيدة نشرت في ديوان "قارب إلى لسبوس- مرثية بنات نعش" لم تدرج في كتاب المختارات، وربما من سطر شعري ضمنها هو الأكثر دلالة: "في باحة الأموي أقف/ وأجلد نفسي بالسلاسل/ ...أخيراً/ في باحة الأموي/ جسدي يشطر التاريخ".

"من خصامنا مع الآخرين نصنع البلاغة، ومن خصامنا مع أنفسنا نصنع الشعر"

إذا ما تأمّلنا هذا الصوت، بحكم أن الديوان المذكور تناوب بين أصوات وألواح كتوالي الأمواج حاملة مراكب النجاة والموت معاً، نجد أن الجسد هنا-الآن هو نفسه القول الفصل، الحدّ الفاصل للزمن.

ثمة تعيينات زمنية ومكانية وفيزيائية واضحة إزاء الضبابية واللاتعيين في شذرات أخرى لا هي بصوت ولا صمت، لا بشرق أو غرب، ليست مكاناً ولا أثراً، أو أنها كل هذا معاً. فتضيع المعالم ويتلبّس الزمان بالمكان، وتنزع الصورة عنها الهيولى. إنما عن أي جسد يتحدّث الشاعر؟ "جسدي"، هو جسد الشاعر الثائر، الذات- الذوات، القائل والفاعل معاً، الحالم بالتغيير والساعي لأجله، من مَعلم مغرِق في التاريخية، "الأموي"؛ يكفي اسمه لتشرق الدلالة.

الأبواب المواربة وحصار الانتظار

في مطوّلة التغريبة السورية، تغريبة القرن الواحد والعشرين القسرية، تحضر معجمية التضاد للأمكنة/اللاأمكنة والاتجاهات/اللااتجاه، ومعادلة الحضور والغياب على وجه مخصوص؛ معادلة تتضايف فيها الأضداد، وتستبدل الأمكنة ظلالها، أو أنها تكون أكثر فاعلية في غيابها، حتى يصحّ أن نطلق على هذا الدفق الشعري شعر الحدود المائلة.

"لم أخرج من دمشق لأنسى الطريق إلى دمشق/ لم أكن مسرعاً ولا مبطئاً/ أبعد من يدي، كنت، ومن عيني الغريقة في الزمن/ راقداً على قلق في تراب الموعد/ ويدي تنزف"

تحيل إلى كوّة أمل في "المتاهة العمياء": "إذا جئتَ ولم أكن/ اترك الباب موارباً/ البرودة مشبعة بالصمت/ والظلّ موارب/ وكذا الخطوات مواربة/ مصيري يستطلع".

   إنما يطفو القلق معلناً غياب الأبواب في المدينة الشرقية: "مدينة موصدة الأبواب، مخلّعة الأبواب، سقطت من الأبواب"، وكذلك هي في مدن أخرى غربية: "لم تعد لنا أبواب/ نحن من كنا سديماً في عباب الغيب/ في أمس وراء الأمس/ نحن في أرض وراء الأرض/ والآن شموس محطمة في القوارب".

فلا شيء سوى حصار الأمس واليوم بغير ثالث لهما، فالآتي يراوح في النفي- في المابين: "لا موعد ولا بيت". ولنقل إن الزمن تجمّد ماءً، فلا يابسة تلوح في الأفق: "يوم فاض العماء ولم تعد يابسة هناك/ لا شرق ولا غرب/ ينهض البحر ويختطف السماء".

   وعد المناديل بالعودة

في حالات الارتحال والاقتلاع، يلتبس الطريق على سالكه. فهل غادر مدينته كي ينسى الطريق إليها؟! هذه حال ذات الشاعر عندما اختار النفي الطوعي قبل "الزلزل"، فينشد في غير مكان:

"لم تعد هناك أسرّة، ولا نائمون، ولا هواء خفيف في النوافذ/ أولئك الذين عبروا الهدأة، وفتنوا الأوقات في صمت/ رمقتهم النافذة بغضب/ عند الباب/ راح الغبار يسفّ على الباكي رماد صوته/ وضيوف مسافرون شغلوا أصابعهم بالمناديل"

"لم أخرج من دمشق لأنسى الطريق إلى دمشق/ لم أكن مسرعاً ولا مبطئاً/ أبعد من يدي، كنت، ومن عيني الغريقة في الزمن/ راقداً على قلق في تراب الموعد/ ويدي تنزف". كيفما اتجه لا يرى إلا مدينته/حكايته، المكان الأول، وقد أمسى صورة في كلمة نازفة: "في المدينة الدامية/ المدينة في السهل شرقية/ الليلة نبحر/ ونمشي في المدينة/ باب على النهر وباب على البحر/ وباب على القصة كاملة".

"أنا حكاية كل يوم"، في تحديد قاطع لا لبس فيه إزاء تساؤله عن تحقّق وصوله: "هل وصلت أمس/ أم ما زلت في سراب الطريق إلى نفسي؟".

لتغدو الحكاية، إذ ذاك، الدوامة/اللجة نفسها لليومي والعادي، وهنا مكمن المأساة. طغيان العنصر المائي في المشهدية الدرامية للمعاناة لا يحجب العناصر الأخرى، بل نحسّ بها تختلط وتتناوب لترسم اللوحة للعابرين والواصلين للتوّ، بانتظار آخرين في قارب جديد لعلّه ينجو:

"لم تعد هناك أسرّة، ولا نائمون، ولا هواء خفيف في النوافذ/ أولئك الذين عبروا الهدأة، وفتنوا الأوقات في صمت/ رمقتهم النافذة بغضب/ عند الباب/ راح الغبار يسفّ على الباكي رماد صوته/ وضيوف مسافرون شغلوا أصابعهم بالمناديل".

ذات شاعر صاعدة إلى ما بعد القصيدة

لمّا يرى المرتحل جسده واقفاً في حدّ مائل، ينظر إلى ظلّ مائل تتلاعب فيه رياح الاتجاهات، وبعين ترنو صوب الشرق لترى مدينة دمشق، وأخرى ناحية الغرب تقصد أثينا وجوارها، فاعلم أنه على تخوم الشواطئ ليس في البر ولا البحر.

وحين يكون في باحة الأموي مستعيداً يوميات دمشق، لتحمله غيمة حمراء إلى تاريخ المراكب المتجهة نحو الأندلس وما قبلها من بلاد الإغريق، اعلم لِمَا حضر التاريخ من تلقاء نفسه! غير أنه حضر منكسراً، لا ممدّداً ولا منتصباً. يظن المنفي أن جسده حاضر بكامل اخضيضابه، فغير أنه لا يرى سوى ظل الأمس وأثر المكان. يحلم بالحرية، ولا يجد غير الحصار بين هنا وهناك وفضاء الغياب يضيق به.

إنما في هذا الخسران والفقد يولد الشاعر، وانتظاره ليس إلا أمام نافذة- منفذ: "كلّما ولد شاعر في مدينة داخلية/ حمل البحر إلى نافذته، وأجلسكِ هناك/ في انتظار المراكب/ أنا هنا/ وراء الفكرة، في غلالة الصورة". في النأي عن الأماكن يحضر الشعر بيتاً يحتويها - بل ينشئها- وفي الصمت ترتفع الكلمة صوتاً يتعملق من ظلال الأصوات جميعها: المكتومة والناحبة.

"ادفنونا في الزوارق وادفنوا الزوارق في البحر/ لا قبر في الأرض يسع صوت الناي"

فأي ذات هي للشاعر؟ وإلى أين يصل بها الطريق؟ تتراءى ذات شاعر تخطّى فرديته، نقطة بيكار يتوحّد فيها الجسد والظل: "والآن، أعني، ربما غداً، أو بعد غد/ أو فيما هو أبعد من أي وقت / خذ الألواح واخرج/ الآن/ أنت شمس من مرّ هنا، وظلّ من مرّ هناك".

الدور الرسولي للشاعر المنكوب مع شعبه يعلنه فعل النداء "اخرج". لكن، إلى أين؟ "فإن الأرض، كلّ الأرض نافذة على نهر/ والأرض أغنية/ يردّدها مستوحش في الليل". البلاد إذن، محمولة في الأغنية، وكأننا بالشاعر تبلّغ وبلّغ، لكنه لم يسترح: "اليوم أتممت سطرك، وقصصت رؤياك على القصص/ كن ما تكون.

ولا تكن إلا ما تتبدر يداك: أول الكلمات في اللغة". فبعد الطريق المضني بين الكلمات بتصادي صمتها وصوتها، هروب في الغناء المقدّس لأورفيوس بنغمات قيثاره الحزينة، في إبدال شرقي بالناي، تعزفها الأنواء للأبدية: "ادفنونا في الزوارق وادفنوا الزوارق في البحر/ لا قبر في الأرض يسع صوت الناي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard