الشعر وهم جميل... وديع سعادة عن الحياة والذكريات

الثلاثاء 16 مارس 202112:16 م

"لا أعرف بالضبط كيف جئتُ إلى الكتابة، ربما موت أبي احتراقاً وأنا في الرابعة عشرة من عمري، ربما الحقول التي ركضت فيها والفلاحون الذين عشت معهم، ربما الاقتلاع من المكان، ربما الظلم اللاحق بالعالم، لا أعرف". يقول الشاعر اللبناني وديع سعادة مجيباً عن سؤال الشاعر والمترجم إسكندر حبش، الذي تقصّى دروب وديع سعادة وكشف ظلالها، في مؤلَّف جديد حمل عنوان "وديع سعادة... نثر حياة بين ضفتين".

من قرية شبطين إلى أستراليا، مروراً ببارات بيروت وليالي باريس الباردة والدأب في اليونان، يقدم إسكندر حبش رحلةً بين ضفتي الوطن والمهجر لشاعر مضيء في الحداثة الشعرية، أو لعلها رحلة بين ضفتي شاعرَين جمعتهما أرض الوطن وصداقة عتيقة، وذكريات وتفاصيل نسجا عبرها، وعبر السؤال والجواب، مُنجزاً أدبياً مختلفاً في مضمونه وشكله السردي.

"وديع سعادة.. نثر حياة بين ضفتين"، كتاب يتضمّن حواراً ممتداً بين الكاتب إسكندر حبش والشاعر اللبناني وديع سعادة، حول الشعر والوطن والهجرة وأشياء أخرى

الكتاب حوار ممتد وشائق، كُتِب بلغة رصينة ومكثفة، وسرد سلس لا يخلو من الاستطراد الممتع، بعيداً عن الإسهاب. دعاماته أسئلة رشيقة قوية بناها إسكندر حبش متكئاً على عقود من العمل الصحفي والقراءات الشعرية المعمقة.

لِمَ لا أختار وديع سعادة؟

عن لحظة انبثاق فكرة الكتاب وسبب اختياره وديع سعادة يقول إسكندر حبش لرصيف22: "ولِمَ لا أختار وديع سعادة؟ هو واحد من أهمّ شعراء العربية المعاصرين. لقد عرف كيف يبني عالماً خاصاً به، ولغة وجدت صداها عند كثير من الشعراء الذين أتوا بعده، بمعنى أنه شكل نصاً لا يمكن أن يتركنا غير مبالين به.

من دون شك ثمة صداقة بيننا تمتد على عقود عديدة، لكن لا أعتقد أن للصداقة أي دور من دون أن يكون النص هو الحكم الأساس. في أي حال، تعود فكرة هذا اللقاء إلى سنوات عديدة خلت، كنّا بدأنا نحضر له، وعملنا على عدد قليل من الأسئلة، لكننا توقفنا عنه لأسباب لم يعد أي أحد منّا يذكرها فعلاً.

وخلال هذا الحجر الصحي الذي يلفّ العالم حالياً، وخلال محادثة تلفونية – إذ غالباً ما نتصل ببعضنا عدة مرات بالأسبوع – عدت واقترحت على وديع أن نعود الى فكرتنا القديمة، وهكذا كان، فجاء هذا الكتاب".

"وديع سعادة أهمّ شعراء العربية المعاصرين، لقد عرف كيف يبني عالماً خاصاً به، ولغة وجدت صداها عند كثير من الشعراء الذين أتَوا بعده"

"القسم الأكبر من الفلسفة الإغريقية جاء على شكل حوار، لولا محاورات أفلاطون، لما عرفنا ما قاله سقراط ولا فلسفته"، يؤكد حبش، معلّلاً سبب اختيار الحوار كشكل واحد لتقديم مؤلَّفه، "أميل كثيراً إلى هذا النوع الأدبي، الكتابي. فالمحاورة بالنسبة إليّ تشكل مدخلاً فعلياً إلى فكر الآخر. وأريد أن أضيف شيئاً: لأقلْ، هو نوع من الاشتياق إلى مهنتي القديمة. عملت في الماضي ما يزيد عن الثلاثين سنة في الصحافة، وقد توقفت عنها منذ أربع سنوات. سأعتبر أن الحوار هذا، محاولة لاستعادة ذلك الماضي بطريقة ما".


من شبطين لبيروت

الذكريات كانت الموئل الأول للحوار، لأننا "لسنا سوى مجموعة ذكريات"، بحسب حبش، سؤاله الأول كان حول أبعد شيء يتذكره وديع سعادة ومازال عالقاً في ثنايا ذاكرته. يعود الأخير بإجابته إلى قريته الصغيرة شبطين: "عشتُ في حقولها وبين فلاحيها حتى سنّ الثانية عشرة قبل أن أتعرف إلى أية مدينة، ولا يزال في قلبي من تلك السنوات شجر وتراب وعشب".

يتذكر لعبته، سيارته التي كان يصنعها من علبة سردين فارغة، يثقبها ويربطها بخيط ثم يجرّها. لعبة أخرى اخترعها أيام الطفولة الفقيرة: "كنتُ إذا حظيت بإطار دراجة مرميّ في مكان ما مثلاً، أدحرجه وأجري وراءه حول البيت أو أستخدمه كمقود سيارة، وغير ذلك لم تكن لي أية ألعاب".

يحكي سعادة أن الفقر لعب دوراً في مسار حياته في تلك الفترة وفيما هو عليه اليوم، إلى جانب مسارات أخرى حددت حياته أيضاً: "التجارب اليومية التي تكاد لا تحصى، الأحلام المحبطة في معظمها، السفر من بلد إلى بلد بحثاً عن مكان، الزواج والمسؤوليات العائلية، الوحدة، وغير ذلك الكثير...".

ماضي القرية الصغيرة البعيدة أكثر إرضاءً لسعادة من لبنان اليوم، "لبنان الأكذوبة الجميلة" –بتعبير حبش- لن يعود، يعلّل ضيفه: "ماذا فعلنا لتحويل الأكذوبة الجميلة إلى واقع جميل؟ لا شيء، ماذا فعلنا بالنسبة إلى الطائفية البغيضة؟ ماذا فعلنا بالنسبة إلى حقوق المواطن؟ إلى العيش الكريم؟ إلى محاسبة المسؤولين؟ إلى قيام دولة علمانية ومجتمع مدني؟ إلى نقد أخطائنا السابقة؟ وغيرها وغيرها؟ لا شيء لا شيء.

الشاعر وديع سعادة يحكي عن طفولته الفقيرة: "كنتُ إذا حظيت بإطار دراجة مرميّ في مكان ما مثلاً، أدحرجه وأجري وراءه حول البيت أو أستخدمه كمقود سيارة، وغير ذلك لم تكن لي أية ألعاب"

لم نفعل أي شيء لبناء وطن حقيقي. الأوطان لا تُبنى، كما نفعل نحن، بالأقوال والأغاني 'الوطنية' الرنانة والقصائد الطنانة و'الكم أرزة العاجقين الكون، المن قبل ما في كون كانوا هون'. الأوطان تُبنى بالأفعال ونحن لم نفعل شيئاً سوى أننا حولنا الأكذوبة الجميلة إلى واقع قبيح".

يستحضران بيروت في ستينيات القرن الماضي التي كانت تذهب إلى حداثتها بسرعة كبيرة، كما يقول صاحب "نصف تفاحة" لضيفه. بيروت تلك سببت صدمة رائعة لوديع سعادة فيعلّق: "عشق بيروت الستينيات لا يزال محفوراً بعمق في قلبي". يتحدث كيف خط بيده مجموعته الأولى "ليس للمساء إخوة"، وباعها بيده في شارع الحمراء وأمام كلية الآداب، كيف تعرف على أسماء لمعت وقتها، كعصام محفوظ، شوقي أبي شقرا، يوسف الخال، أدونيس وأنسي الحاج، وعن السهر في مقهى "الهورس شو" في شارع الحمراء مع شعراء وأدباء وفنانين من لبنان والدول العربية.

في قصيدة عنوانها "محاولة للوصول إلى بيروت من بيروت"، وقد تخللت الكتاب يقول سعادة:

أحاول أن أذهب إليكِ

وذلك لا يستدعي سوى رحلة بسيطة:

نزهة رصاصة

بين التباريس وشارع الحمراء

لكن ضفّتيك مفصولتان ببحر لامع من المتفجرات

وحرّاس بابك يركلونني، فأتدحرج

أتدحرج

بلا قرار.

الشعر وهم جميل

يحكي صاحب "غبار" كيف بدأ بكتابة الشعر الموزون المقفى، ثم مزّق أوراقها عندما وجد أن القوافي والأوزان مجرد قيود لا حاجة للشعر بها، وهي قيود شكلية لا تضيف شيئاً إلى جوهر الشعر، يتابع أن المنطلِق على سجيته، منطلق في التجديد والانفتاح والحرية الحقيقية، المكبل بالقيود لا يمشي بإرادته بل يُقاد، إسكندر حبش يعزّز كلام سعادة بقول لفرناندو بيسوا: "نادراً ما اهتممت بالوزن والقافية، من الصعب أن ترى شجرتين متساويتين".

"قد تكون الكتابة بديلاً من حياة نتمناها وهي غائبة، وعالم جميل غير موجود ونتمنى وجوده. وحين بدأت الكتابة أظن أني بحثت عن تلك الحياة وذاك العالم"، يقول وديع سعادة، مضيفاً أن الكتابة وهم استحضار عالم وحياة جميلين. إنها وهم، لكنه وهم جميل وعلينا أن نحتفظ به".

جوائز عديدة حازها الشاعر اللبناني، منها جائزة ماكس جاكوب الفرنسية 2011 عن "نص الغياب وقصائد أخرى"، وهي المجموعة التي صدرت بترجمة فرنسية، يستحضرها إسكندر حبش بسؤاله: "أليس من المستغرب أحياناً أن تحوز جائزة في الخارج قبل أن يقرأك أبناء اللغة عينها؟ ما أحاول قوله، كما لو أننا اليوم بحاجة إلى أن نُترجم إلى لغة أخرى، كي يعود نصنا بلغته الأصلية، إلى قراء العربية، وفي ذلك شيء خطير على ما أظن".

"هذه ملاحظة مهمة يجب أن تدفعنا إلى إعادة النظر في تربيتنا الثقافية، ويمكن أن أضيف أنه حتى لو تُرجم نصنا إلى لغة أخرى وعاد بلغته الأصلية إلى قرّاء العربية، فإن الفجوة بين العرب والقراءة لن تضيق إلا قليلاً"، كان رد سعادة لافتاً إلى ما تعنيه الجائزة: "أنظر إليها على أنها احتفاء بالشعر العربي الجديد عموماً وليس بشعري تحديداً". نال أيضاً جائزة أركانة العالمية للشعر في المغرب 2018، واعتبرها تحية مغربية للشعرية اللبنانية التي تبقى واحدة من أهم التجارب المؤسسة للحداثة الشعرية.

وديع سعادة: "قد تكون الكتابة بديلاً من حياة نتمناها وهي غائبة وعالم جميل غير موجود ونتمنى وجوده. وحين بدأت الكتابة أظن أني بحثت عن تلك الحياة وذاك العالم"

عودة للذكريات

والدا وديع سعادة حضرا في المؤَلَّف. بالعودة إلى ذكريات الطفولة، يسرد وديع سعادة: "مما هو عالق في ذاكرتي أيضاً هو موت أبي احتراقاً في بيتنا القروي، كنتُ أتلقى علومي التكميلية في البترون، المدينة الأقرب إلى قريتنا شبطين. وحين صعدت رأيته على الكنبة هيكلاً عظمياً أسود يسند ركبتيه بيديه".

وعن العلاقة معه يتابع: "كان يحبنا بصمت من دون أن يظهر حبه لنا، كان يحبني وكنت أحبه بالتأكيد ولكن بصمت".

في قصيدته "مقعد راكب غادر الباص" يقول سعادة:

الساعة الرابعة الآن، وداعاً

شبطين، 6 كانون الأول 1962، أبي – هيكلٌ عظميٌ محروق يُسند ركبتيه بيديه، وكنبة يخرج منها الدخان

شعاع قمر يدخل من الكوّة

وعلى المائدة سمكة غير ملموسة، قنينة عرق فارغة، ورقة لوز أمام الباب.

يتذكر سعادة أمه العجوز، التي كانت تنتظره أن يبتسم كي تطلب منه قص أظافرها: "كانت أمي تحبني فوق التصوّر، فقط سأذكر حادثة: حين هاجرت إلى أستراليا كانت أمي تقيم عند أحد أشقائي، وذات يوم أراد شقيقي أن ينتقل من بيته هذه إلى بيت آخر، فركعتْ أمي عند قدميه وقالت له: أرجوك يا ابني لا تنتقل من هنا فقد يأتي وديع من أستراليا ويضيعني".

كذلك في قصيدة "مقعد راكب غادر الباص" يستذكرها:

وقدمك يا أمي التي تقيس 20 سنتمتراً

حذاؤك الذي صنعه لك شقيق أبي سنة 1975، ولا تزالين ترتدينه الآن

أظافرك الطويلة وأنت تنتظرين أن يبتسم وديع لتسأليه: هل تقصّها لي؟

ركبتاك الزاحفتان على الشوك والحجارة نحو ضريح قديسة،

ليتوقف أبي عن السكْر

فستانك الوحيد كأنه لاصقٌ بجسدك، جسدك المترهل الذي خرجتُ منه ذات يومٍ حاملاً عينين صغيرتين وأصابع بالكاد تحتمل الهواء.

يكتمل نسيج الحوار بباقة من الصور، تقدم عرضاً بانوراميا لحياة سعادة وترحاله وصداقاته. وختام الحوار كان مساحةً أعطاها إسكندر حبش لضيفه كي يقول كلمته الأخيرة، فجاء الجواب موجِزاً للواقع المعاش اليوم في أصقاع الكون: "أقول، إن هذا العالم غارق في هاوية، ولن ينقذه شيء، لا الشعر ولا سواه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard