"مِن هذا العالم"... الشَرْك بالشعر، ومانيفستو الشاعر منفياً بين لغاته

الاثنين 6 أبريل 202002:05 م

قدّم لي طارق الجبر مجموعته الشعرية "من هذا العالم" قبل حوالي عام ونصف، وكنا نحثّ المسافة على متن القطار الأوربي، باتجاه أقدم الجامعات في أوروبا، بولونيا، حيث كان ينتظره تقديم لكتابه، أمام صف اللغة العربية الذي تديره أستاذة مغربية-إيطالية، وكأن روما عادت من جديد، يلتقي رعاياها ليذكّروا بعضهم بهجراتهم، في انعكاس مدهش لقصائد المجموعة كما صنفها شاعرها، ثلاثة فصول عن الأرض والثورة والحب، بثلاث لغات هي العربية الأم، والإنكليزية العِلم، والإيطالية المنحى.

"أصرح بهذا الكتاب كواحد مما أسميها أسباب الحياة"، هكذا يقدم الجبر باكورة أعماله الشعرية، الأولى من نوعها عربياً كمجموعة لكاتبها بثلاث لغات، تولت نشرها دار Lebeg Edizinoni الإيطالية، من إصدارات عام 2018. وفعلاً، مع بدايتك بالقراءة، يقتحم الواقع منتشياً بالكلمات، تجربة الخوض في غمار الحكاية التي يخرجها الشاعر.

كما يحاكي تتالي القصائد وعناوينها، رحلة مكثفة للشاعر، بالنظر لكونه في مطلع ثلاثينياته، مع الحياة، وكأنها تأويله الشخصي للحظات التي كتبت فيها تلك النصوص. فيعمِّد مع أولى قصائده مساره بهوس اللغات، ويقرر واعيا خلع الباب: "أستعد لكي أبوح/ فما سكوتي شارح عما جرى"، وإن كنت تستشعر شيئا من الاعتذار في قراره سلك هذا الدرب، إلا أنه يستمر بإصرار، وفي قصيدته تحت عنوان "إقامة"، يكشف المستور خلف قراره، بَوحاً: "في جزيرة، بين صمتي والبلاد، أبدأ الشرح المذل...".

وصل الجبر إلى إيطاليا عام 2012 هارباً من مجهول سوريا، آملاً بعودة ما، استنفذ كل أيام تأشيرة دخوله، وصار لزاماً عليه أن يقرر إما الرجوع إلى خدمة العلم، بعد أن صار علمين، أو التقدم بطلب اللجوء إلى أرض قيصر. وبعد أن حصل على الإقامة، ترجم كتاباً وعمل لفترة في دار المتوسط، خانته العاطفة وقرر السفر إلى لبنان ليقضي نصف عام بالعمل مع المنظمات غير الحكومية في مساعدة اللاجئين، حيث خدمته أيضاً معرفته باللغة الإنكليزية وأيضاً بالإيطالية والإسبانية. قرار يبدو متهوّراً في بادئ الأمر، لكن بالنظر إلى السياق، قد تستوعب شاباً تربى في دمشق وعاش صورتها المتخيلة، وجلّ ما تمناه أن يصبح شاعراً يلقي قصائده على مسارحها، ويذهب مع الأصدقاء والندماء بعدها لاحتساء كأس من الكمون أو جرعة من عرق البلد.

وعليه، لا تستغرب أن يكون الفصل الأول من المجموعة "من الغربة والأرض" بداية للحكاية، تنطلق من لحظة الحاضر الشائكة التي تعج بالمشاعر المتناقضة، من حنين وغضب إلى محاولات الحياة على هامش التجريب. لتأتي قراءة الكتاب بعد مرور هذا الوقت، استحضاراً مفسراً على وقع الحدث الإيطالي الأليم، حيث يُجمِع كل المراقبين على أن ما ساهم بانتشار الوباء هناك، الحميمية في التعاطي والتقارب بين الطليان، هي ذاتها الخصال التي تجعل منك الغريب على أرض تلك البلاد، أكثر ارتياحاً لاستحضار شرقك الذي تشاركه مع أهلها، بحراً ومفاصل من التاريخ، ليس أقلها أباطرة جاءت من بلادك وحكمت عاصمتها.

لكن يغذي إحساسك بالغربة مع صعوبة في التنفس، غلبة الواقع وأخبار الموت المروعة، فهي ما يبقى مع نهاية اليوم، حيث يستعيد هذا التدهور في إيطاليا المنهكة بفساد الإدارة وتخبط الاقتصاد، تلك الدوامة المريعة من أرقام المقتلة السورية المعروضة يومياً على الأخبار، إلى أن لم يتبق منا حي، إلا لاجئ منكسر أو مسبّح بحمد الأبد، فتستشعر هذه الدوامة قابعة في قول الجبر في قصيدته "بيت": "سأعيد مثلما اعتاد الخيال على وجودي/ بأن كل مدينة سأزورها –خطأ-/دمشق"

ليغوص في الفصل الثاني من الكتاب في وصف الحدث السوري، ويمنحه هالة الخشوع التي يستحق أمام الموت. من أزيز الرصاص والقتل الجهوري إلى حارة القناص، كلهم، يحضرون بطعم الأخ، الصديق والقاتل، برغبة بالحياة وعدم التصديق، تتناسخ تجلياً في حضرة الإله مُخاطِباً في قصيدة "وحي": "يقول الله لي/ أن القتيل/ لا يصدق قاتليه/ وأي شيء بعد موته لا يزيد غيابه/ يقول الله/ إني كذبت وما صدقتُ ولو قصدت". بعدها، يغب عميقاً في وصف الحرب، ليبدو أثرها بادياً على متعلقات الروح واضطرابها، تناقضاً مبدعاً في شاعريته ومغرقاً في قسوته على الذات قبل أي أحد، حيث يقول: "هذا الصباح/ تتحدث الحرب الفصيحة خارجي بطلاقة/ فيتوه فهمي عن فصاحة لفظها"، بعد أن كان أوقف الموسيقى عند نبض القلب قائلاً: "ليس جسمنا من يموت/ بل كل شيء لم نقله/ وعاش فينا صامتاً/ الحرب تقتل بالسكوت".

ولأن ما من تواطئ أجمل من الحب، يعود الشاعر في الفصل الأخير إلى عشقه المشبع باللغة والشعر احتراقاً، فيلفظ انفعالات من الماضي وانعكاساتها على الحاضر، لحظات من غرام، تبادل للأدوار بين ذكر وأنثى، وحوارات في ظل اعترافات يرددها على مسامع الحياة. كما يواجه الذكريات، ويترك للحبر حرية رسم المعاناة بين ليل وزهور وابتسامات خفيفة، محافظاً على ذات اللغة التي تطبع كامل المجموعة بسر الفصاحة وحضور اليقظة في تلقيها. تنتهي النسخة العربية لتليها الإنكليزية ثم الإيطالية، مجتمعين في كتاب واحد، عنوانه أكثر من موفق لصوغ رسالته.

يهدي طارق الجبر كتابه الأول إلى أغيد عليا، صديقه الشاعر الذي قضى شاباً تحت التعذيب في سجون الأسد... وفي الأفق، يطيل النظر باتجاه وحش يلوح مع الغروب، تلك هي الحياة بضيقها وكل لحظات التفلّت والانطلاق فيها، فالهرب من السجن-الوطن، كان فقط هرباً إلى السجن الكبير، العالم-النفس

يهدي طارق الجبر كتابه الأول إلى أغيد عليا، صديقه الشاعر الذي قضى شاباً تحت التعذيب في سجون الأسد. يمسح شعره عن جبينه بإيماءة تملؤها مرارة صامتة، وفي الأفق، يطيل النظر باتجاه وحش يلوح مع الغروب، تلك هي الحياة بضيقها وكل لحظات التفلّت والانطلاق فيها، فالهرب من السجن-الوطن، كان فقط هرباً إلى السجن الكبير، العالم-النفس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard