محمود قرني..."لماذا يخذل الشعر محبّيه؟"

الجمعة 23 أبريل 202111:05 ص

أن يُصدر كاتب أربعة كتب دفعة واحدة في زمن الفجائع البيئية والاقتصادية والسياسية أمر يدعو للتأمّل في معنى التجربة الإنسانية، وفي وظيفة الكلمة. الأدب، بما هو ذاكرة الفرد والجماعة وفن القول والتصوّر، يستحضر الجدل القائم حول الفعل الوجودي للفن بوصفه وسيلة هروب من قيد الواقع، وخلاصاً من الضغط والانهمام، بل هو انعتاق أحلام وأطياف رؤى، وإن حمل أشباح العبودية واللاجدوى ومساءلة الواقع في نغمه.

فكيف إذا كان هذا الأدب شعراً، ويحكي شجون الشعر وفي شؤونه؟ فهل أراد محمود قرني، صاحب كتاب "لماذا يخذل الشعر محبّيه؟"، وهو واحد من الإصدارات الأربعة الأخيرة، التمسّك بأهداب الكتابة حتى آخر ومضة مخيلة لمقاومة التلاشي والمحو؟ إنما بعض الأسئلة طرق لإجابات ممكنة.

ليس غريباً أن نخرج من قراءة الكتاب (118 صفحة) في فصليه وعناوينه الثمانية عشر (دار الأدهم، القاهرة، 2021)، بمخزون معرفي ونقدي للجمالي، يتسرّب إلينا من ثقافة صاحب الكتاب الملمّ بالتراث الشعري العربي، والمتابع لتطّور الشعر وتياراته وهمومه ومآلاته في المستويين العربي والغربي.

إصدار محمود قرني أربعة كتب دفعة واحدة في زمن الفجائع البيئية والاقتصادية والسياسية أمر يدعو للتأمّل في معنى التجربة الإنسانية، وفي وظيفة الكلمة. فهل أراد الكاتب التمسّك بأهداب الكتابة حتى آخر ومضة لمقاومة التلاشي والمحو؟

للإجابة عن السؤال/العنوان يتطرّق الكاتب إلى تعداد عداوات الشعر، وهي تاريخية تكاد تتكرّر هي نفسها عبر الزمن. غالباً ما تكون قاهرة من خارج عالم الشعر لتدجينه وقمعه؛ فالمسافة بين الشاعر وأعداء الشعر هي المسافة التي تحول بين الشاعر وحريته، بتعبير الكاتب. غير أن ما يعادي الشعر يأتي أيضاً من داخله لأسباب تعود إليه وإلى صانعيه.

تُختزل الأولى في فوائض القوة المتمثّلة في التجار، رجال المال، الساسة، رجال الدين وأمراء الحروب، وبمعنى أشمل وأعمّ في "السرديات الكبرى". إذ إن "الشاعر يكتب ضد تقديس المثال الذي يتوجّب عليه تقديسه"، في حين أن رجال المال "وصموا الشعر بالتخلّف، بوصفه يتغذّى على الطفولة البشرية ويعيد إنتاج الرعوية في إطار شبقي ميتافيزيقي للعدالة والحرية".

يتبدّى التقليد من أشرس أعداء الشعر، إذ إنه بطبيعته "كائن شيطاني، وحشي... وهو حيوي يفترض الخلخلة " وينمو خارج المنظومات والأنظمة. وإن كان الشعر الحقيقي يتخلّق منذ القدم، بعيداً عن نظر الآلهة، ولا يخضع لتاريخ تمليه المصلحة، فإن الآلهة الجديدة تمّ تصنيعها في حاضنات البراغماتية، على ما يذهب كاتبنا.

عدا الاتّباعية، فإن التلقّي يواجه من جهة مشكلة خروج الشعر في أحايين كثيرة، من دائرة الفن إلى دائرة الهلاوس المَرضية، موغلاً في الرمزية وتشوّش الحواس، وفي اللاشعور الفرويدي، الأمر الذي يجعله يغالي في اللامفهومية. ومن جهة أخرى، يعاني مشكلة تكريس النمط الاستهلاكي للثقافة بعد احتفاء خطابات العولمة بما بعد التاريخ، لتغدو الفنون مادة قابلة للتسليع.

فيرى الكاتب أن المطلوب هو التخييل، لا هرمسية وعزلاً وانغلاقاً على الذات؛ وللغة طاقاتها التخييلية. كأنما يدعو إلى طريق بَيني يراعى فيه الوضوح واللذة، البساطة والكثافة؛ ونستدلّ على هذه القصدية من المقدمة حين يعبّر بأن "الشعر كما أنه ليس ذاكرة للبساطة، فهو بالمقابل ليس ذاكرة للكثافة واحتقار الحقيقة..."، فلا يكون الشعر خارج الزمن، وإن كان الشاعر يعاني عزلة مجتمعية في زمن تبادل المنفعة.

وفي إطار عداوات الشعر، نقرأ تحت عنوان: "جوائز الشعر أم مأتمه؟" إدانة جلية لنتائج جوائز الدولة المصرية لعام 2019؛ إذ منحت اللجنة جائزتها للـ"شويعر"، بتعبير صاحب الكتاب الذي يتابع قوله بأن "الشعر لم يتلقَّ الطعنات فقط من تلك التحولات المعرفية الهائلة التي طرأت على العالم في القرنين الأخيرين، ولكنه يجد طاعنين من أبناء جلدته ومن أدعيائه أيضاً.

في فصول كتاب "جوائز الشعر أم مأتمه؟" للقرني وقفات مع أسماء بارزة في الشعر، أمثال قاسم حداد وأمل دنقل وأدونيس. والأخير يراه صاحب النص ممثّلاً لرأس القطيعة الجمالية شبه الجذرية مع ماضيه، حيث أدرج الشعر ضمن نظرية المعرفة وليس ضمن نظرية البلاغة

لقد استصغر هؤلاء الشعر فأهانوه، فلم يعد إلا صورة من مادة معادية للطبيعة. صار إنشادياً لدى البعض، خاطرة هشّة لدى البعض، خطابياً لدى البعض، ورديئاً وتقليدياً لدى الكثرة الكاثرة من شعرائه".

في فصول الكتاب وقفات مع أسماء بارزة في الشعر، أمثال قاسم حداد وأمل دنقل وأدونيس. والأخير يراه صاحب النص ممثّلاً لرأس القطيعة الجمالية شبه الجذرية مع ماضيه، حيث أدرج الشعر ضمن نظرية المعرفة وليس ضمن نظرية البلاغة، مثلما انحاز ضد ثقافة الحذف والاستئصال التي عزّزها التاريخ الأشعري، منضمّاً بذلك إلى أحرار الفكر العربي للمدرسة الكلامية التي آمنت بالطاقات التأويلية للنصّ الديني.

ولم يكن أدونيس الوحيد الذي قدّم منجزاً في سياق القطيعة مع الماضي، في الدعوة إلى قراءة منفتحة ومتعدّدة للنصّ الديني، بل يذكر أيضاً أسماء من النخبة العربية، أمثال: محمد عابد الجابر، عبد الله العروي، حسن حنفي وطه عبد الرحمن.

كما يتوقف الكاتب أمام محطات شعرية شكّلت علامات وانعطافات في صورة الشعر ووظيفته، كأن يذكر بيان جماعة "الفن والحرية" في النصف الأول من القرن العشرين في مصر (تأسّست عام 1939) رفعته تحت عنوان: "يحيا الفن المنحط"، ينتصر لقيم التجديد في الفن والأدب وللمستقبل ضد أساطير الماضي وأثرياء الحرب. وعلى الرغم من توقف مجلة "التطوّر" بعد إصدار سبعة أعداد، ومؤسسّسها أحد أعضاء الجماعة (أنور كامل)، غير أنها كانت معنية بتقديم الخبرات لا النظريات، وانحازت جمالياً للسوريالية.

"أزمنة الجدب والانهيارات الكبرى قد يصاحبها أدب عظيم وفنون"

ويعرّج على المشروع الشعري لجيل السبعينيات في مصر، حيث يرى أن الشعر صانع الثورة وفاعلها بما يعبّر عن ثقة مطلقة في قدرة الشعر على تغيير العالم، الأمر الذي يجده الكاتب تصوّراً رومنسياً. ليخلص إلى حدث مهمّ، وهو صدور أنطولوجيا الشعر للشعراء المصريين (53 شاعراً، في حقبة 30 عاماً)، إعداد الشاعر عماد فؤاد وتقديمه، مع مقدمة أخرى للشاعر رفعت سلام، والأنطولوجيا جزء من مشروع شعري عربي ضخم.

ليس غريباً أن يكون الكاتب، وهو شاعر قصيدة نثر، من أشدّ المدافعين عنها كياناً وجودياً قائماً بعناصره الجمالية التي تمنح الطبيعة الهامسة للشعر، وتحوّل القصيدة العربية من الخطابية المنبرية إلى حالة قرائية. فيستحضر أعلاماً أجلّاء في النقد الأدبي العربي، آمنوا بالتحولات الزمنية، وتالياً بضرورة التحديث العقلي والانفتاح على أشكال جديدة توافق مضامين العصر.

أمثال محمد مندور، وقد تابع نهج طه حسين بانحيازهما إلى الحق في التجديد، وإلى حرية كل من الشاعر والناقد معاً. ويشير إلى تيارين شعريين كانا يتنافسان في منتصف القرن العشرين، هما تيار قصيدة التفعيلة (الشعر الحرّ) إزاء تيار طليعي يتمدّد متبنياً قصيدة النثر لدى "مدرسة شعر" اللبنانية. الأمر الذي أثار الصراع بين مركزيتين ثقافيتين مؤثّرتين، هما بيروت والقاهرة.

في هذا السياق، يرد اقتباسان يوضّحان معنى الشعر وتطوّره التاريخي، والجدل القائم حول أشكال التعبير به. ذلك في رؤية أرسطو بأن الذي يميز الشعر عن النثر هو مضمونه والملكات النفسية التي يصدر عنها كل منهما، وليس النظم. وفي رصد الفيلسوف فيكو (1668-1744)، الصيرورة التاريخية التي فرضت منطقاً في تطوّر الشعر، في انتقاله من البحث عن الآلهة وتقديسها إلى تقديس الأبطال الأسطوريين؛ وصولاً في عصور الحداثة إلى الإنسان، كما ورد في تحليل محمد مندور، بتشديد الكاتب على الانتصار للذات الإنسانية المسحوقة بوصفها محور العالم.

يبقى السؤال المؤرّق للشعراء ولجمهور الشعر على السواء عن حال الشعر اليوم، ليغدو سؤالاً عن مستقبل هذه الثقافة في جملتها. فيلحظ الكاتب تراجع المنشورات والتوزيع على الرغم من وجود إنتاج جيد وشعراء مجيدين. الأمر الذي ينسجم مع المواقع المتراجعة التي تقف فيها ثقافتنا. إنما "أزمنة الجدب والانهيارات الكبرى قد يصاحبها أدب عظيم وفنون"، في حين أن ثمة تشدّداً واستدعاء للقديم يرافق عصور الانهيار.

يلتفت محمود قرني إلى استغاثة الفيزيائي ألبرت أينشتاين بالحدس لنجدة العقل؛ ويرى أن "الخيال هو التربة الحقيقية لانبثاق النبتة العلمية"

فيعقد قرني مقارنة مع الساردين الجدد، فيجدهم أكثر طواعية لحاجات زمنهم وأكثر قدرة على التكيف وتبادل المواقع مع السلطة؛ بحيث كان الرواة في العصر الصناعي "يخفضون من سقف حالة التشيؤ في المخيمات". فمشكلة الشاعر هي البحث عن الذات وسط ذوات متنافرة، في حين أن الرواية دينامية وتمتلك رؤية متعددة، مختصرة ذاتيات جمعية.

عن وظيفة الشعر وتحوّلاتها، يرى الكاتب أن الحظوة، في المستوى العالمي وليس العربي فحسب، لم تعد دائماً للشعر؛ "فالمسافات تتزايد يوماً بعد يوم بينه وبين بشر تستعبدهم الضرورات"، لكن ينبغي ألا ننسى أن الشعر قد ساهم في بناء الذاكرة التاريخية للأمم. ونظراً إلى أن البشر يبحثون في معتقداتهم عن آلهة خارقة تضمن لهم الحماية، خصوصاً في أزمنة تصاعد نداءات الهوية والهلع التاريخي من الاندثار، ينبه الكاتب إلى استغاثة الفيزيائي ألبرت أينشتاين للاستعانة بالحدس لنجدة العقل؛ إذ يرى أن "الخيال هو التربة الحقيقية لانبثاق النبتة العلمية".

في رصيد محمود قرني (مواليد 1961) عشرة دواوين شعرية، وخمسة كتب، آخرها كتابان صدرا حديثاً، كما ورد في مقدمة مقالي، تحت العنوانين: "بين فرائض الشعر ونوافل السياسة"، و"الوثنية الجديدة وإدارة التوحّش"، فضلاً عن كتاب في مختارات شعرية في مجلّد عنوانه "أبطال الروايات الناقصة"، والكتب الأربعة الأخيرة صادرة عن دار الأدهم، 2021.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard