بداية "ظالمة" لأسبوع الامتحانات... طلاب الثانوية في لبنان يدفعون ثمن الانهيار العام

الثلاثاء 27 يوليو 202106:04 م


"كنّا ندرس على ضوّ الشّمعة"، هذه العبارة التي لطالما ردّدها الأهل في لبنان، للإشارة إلى اضطرارهم لمتابعة دروسهم في ظل انقطاع التّيّار الكهربائي خلال نشأتهم خلال الحرب الأهليّة، باتت تتردد اليوم على ألسنة أبنائهم الذين يخوضون هذا الأسبوع امتحانات الثانوية العامة التي تسهم في تحديد مصائرهم. 

إذ انطلقت، أمس الاثنين 26 يوليو/ تموز، الامتحانات الرسمية لطلاب الثانوية العامة في لبنان، وتستمر حتى يوم الجمعة المقبل في ظل ظروف معيشية وصحية استثنائية، ومطالبات عدة بإلغائها أسوة بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام.

تأتي الامتحانات في ظل انقطاع متكرر للتّيار الكهربائي، واتساع نطاق قطع الطّرق احتجاجاً على الأوضاع المعيشيّة المتردّية، والتهديدات القائمة باحتمال نفاد البنزين وتوقف حركة التنقّل في البلاد.

ونقلت مجموعة "طلّاب لبنان" على فيسبوك أصوات طلَّاب كثيرين لم يتمكّنوا من الوصول إلى مراكز الامتحانات في يومها الأول بسبب قطع الطّرق والاحتجاجات، لا سيما أن اليوم الأول للامتحانات تزامن مع بدء التّشاورات النّيابيّة لتكليف رئيس حكومة جديدة، بعد اعتذار الرّئيس المكلّف سعد الحريري عن تأليف حكومة بعد تسعة أشهر من تكليفه. 

انطلقت، أمس الاثنين، الامتحانات الرسمية لطلاب الثانوية في لبنان، وتستمر حتى الجمعة المقبلة، في ظل ظروف معيشية وصحية استثنائية، ومطالبات عدة بإلغائها

وبالرّغم من عدم تمكن طلاب عديدين من الوصول إلى مراكز الامتحانات في الوقت المحدد، علمت رصيف22 أن بعض اللجان رفضت إعطاء الطلاب الذين تأخّروا بسبب الظروف السياسية في البلاد  فرصة لتعويض الوقت الضائع، ومنها لجنة امتحان لاريسّا يحيى، 18 عاماً، التي تمتحن لفرع علوم الحياة.

ولفتت لاريسا كذلك إلى أن لجنتها على الأقل، لم تُراعَ فيها الشروط الصحية اللازمة للوقاية من الإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجد. تقول لرصيف22: "حتّى لم يوجد تنسيق صحّي كما كان يجب، لأن عدداً كبيراً من الموجودين لم يلتزموا بالكمّامات، ولا حتّى مقاعد الامتحانات كانت مطابقة مع قواعد التّباعد الاجتماعي". يأتي تعليق لاريسا في ظل مخاوف رافقت إجراء الامتحانات مع وضع القطاع الصحي، الذي يشهد ارتفاعاً في أعداد المصابين بفيروس كورونا نتيجة انتشار متحوّر "دلتا"، بينما يحذر خبراء صحة لبنانيون أن البلاد ربما لن تتمكن من التعامل مع الموجة الجديدة من تفشي الفيروس.

مطالبات الإلغاء

قبل أسابيع من انطلاق الامتحانات، استبقها الطلاب بتحركات للضغط من أجل إلغائها أو تأجيلها ريثما تتحسن الأوضاع العامة التي أثرت على قدراتهم على التحصيل. تضمنت تلك التحركات وقفات احتجاجية أمام وزارة التربية، كان آخرها في 15 يوليو/ تموز، وتعرض الطلاب خلالها لاعتداءات من قبل القوى الأمنية[1] .

وركزت المطالبات الجماعيّة بإلغاء الامتحانات على الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، والتي "لا توفر مناخاً مناسباً للتركيز على الدراسة وإجراء الامتحانات، وأبرزها الظروف الاقتصادية التي أضافت إلى الضغوط التي يتعرض إليها الطلاب خلال التحضير للامتحانات.

قاد انقطاع الكهرباء، إلى انقطاع الإنترنت الذي يعتمد عليه الطلاب في متابعة الدروس بعد إقرار التعليم عن بعد، وذلك في ظل فجوة كبيرة بين الطلاب الميسورين القادرين على توفير الأدوات التكنولوجية اللازمة للتعلم عن بعد وأولئك الذين تعذر عليهم ذلك

الاقتصاد يعمّق أزمة الممتحنين

انتشرت قبل الامتحانات على مواقع التّواصل الاجتماعي صورة لشاب يدرس لامتحاناته تحت ضوء مصابيح الشّارع، بسبب غياب الكهرباء عن منزله. تعكس الصورة حال العديد من الطّلاب الذين تحضّروا للامتحانات في مرحلة يعاني فيها اللبنانيون من أزمة حادة في الكهرباء، إذ ينقطع التّيار الكهربائي لفترات قد تفوق العشرين ساعة يوميّاً، بالإضافة إلى "تقنين" اشتراكات المولّدات الكهربائيّة الخاصّة التي يعتمد عليها اللبنانيون منذ عقود للتعويض عن النقص الدائم في الكهرباء، وذلك على ضوء أزمة الوقود التي يمر بها لبنان نتيجة اعتماده على الاستيراد في وقت تندر العملة الصعبة.

نبيل عيسى البالغ من العمر 17 عاماً، والذي كان مشغولاً بدرسه لتقديم الامتحانات في فرع العلوم العامّة من الشّهادة الثانويّة، اقترح على أبيه أن يذهب إلى مركز امتحاناته الذي يبعد حوالى نصف ساعة على الدّرّاجة الهوائيّة، بهدف التّوفير من استهلاك الوقود، وهرباً من الطّرق المقطوعة. إلا أنه اعتمد على مشاركة السيّارة مع ابنة عمته من أجل توفير الوقود، وقررا تشارك المواصلات على امتداد فترة الامتحانات.

يقول نبيل لرصيف22 بعد انتهائه من اليوم الأوّل للامتحانات: "أحسست بالحماسة لأنني انتهيت من فترة الانتظار وكل التّوتّر الذي رافقها". وأضاف واصفاً الأجواء في مركز الامتحان: "لم تتّبع فعلياً إجراءات التّباعد الاجتماعي، فقد اعتمدوا فقط على لبس الكمّامة".

وقاد انقطاع الكهرباء، إلى انقطاع الإنترنت الذي يفترض أن يعتمد عليه الطلاب في متابعة الدروس بعد إقرار التعليم عن بعد في لبنان خلال العام الأول للجائحة، ما أسهم في إعاقة قدرة الطلاب على التحصيل، لا سيما بعد عام دراسي قررت فيه السلطات اعتماد التعليم "أونلاين" والتعليم المدمج. وسط شكاوى أظهرت عدم قدرة كثير من الطلاب على الاستفادة منه بشكل كاف، في ظل وجود فجوة كبيرة بين طلاب المدارس الرسمية والخاصة، وكذلك بين الطلاب الميسورين القادرين على توفير الأدوات التكنولوجية اللازمة للتعلم عن بعد وأولئك الذين تعذر عليهم ذلك.

وهو ما أكده بيان رئيس اللجنة الطلّابية في لبنان عمر الحوت، الذي أعلن قبل بدء الامتحانات بيوم واحد عن إمكانية الطّعن في نتائج الامتحانات الرّسميّة في حال كانت نسبة النجاح منخفضة، أو إذا لمست اللجنة "غياب العدالة" عن أسئلة الامتحانات أو أسس التصحيح. وذلك من منطلق أن "التعلم عن بعد والتعلم المدمج لم يكونا عادلين بين جميع الطلاب، فكذلك الإمتحانات الرسمية لن تحقق هذه العدالة وستظلم العديد منهم".

تسهيل بغرض التعويض؟

أجمع طلّاب شاركوا آراءهم عبر مواقع التّواصل الاجتماعي على أن الامتحانات كانت سهلة نسبياً، ولكنها لم تكن خفيفة إلى حد "يتناسب مع الصعوبات" التي واجهها كثيرون منهم خلال اضطرارهم إلى التعلّم عن بعد. بحسب نبيل عيسى، تضمن امتحان الرّياضيّات سؤالاً لم يتمكن من حله لأنه "استصعب فهم الدّرس" خلال الصفوف الدراسية عبر الإنترنت. 

إلّا أن المدير العام لوزارة التّربية والتّعليم العالي فادي يرق تحدّث إلى جريدة "النّهار" اللبنانيّة في بداية اليوم عن "طبيعة الجو" الذي يمتحن فيه الطلاب، مشيراً إلى أن "جميع المراقبين والتّلامذة استطاعوا الحضور واجتياز عوائق الطّرقات والوقود" في اليوم الأول، وهو ما يتناقض مع شهادات الطلاب أنفسهم التي سبقت الإشارة إليها.


أنجز هذا التقرير ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard