"حبيبي فانك" تجلب الجاز السوداني الضائع

الاثنين 2 أغسطس 202110:49 ص

أثناء زيارة للدار البيضاء في عام 2012، عثر يانيس شتورتس، المنتج الألماني ومؤسس "جاكرتا ريكوردز"، في متجر قديم/ على أسطوانات فينيل لفنان مغربي يدعي "فضول"، اختار في زمن الموجة الغيوانية غناء الـ"فانك" بالدارجة ومزج "الكناوة" بالهيب هوب والريغي والداب، ليؤلف نسخة عربية من أغنية papa’s got a brand new bag لجيمس براون.

ذُهل شتورتس آنذاك من هذه المصادفة التي وضعته وجهاً لوجه مع "فانك عربي" لعوب وراقص، وتعقّب أثر فضول لأكثر من سنتين كمُخبرٍ صبور، ليكتشف أنه كان مسرحياً ورساماً، وعمل كمهرج سيرك لمدة أربع سنوات في هولندا، وسجّل أغنية لعلامة تجارية مشهورة لعصير البرتقال في المغرب.

وبعد أن حدّد الحي الذي عاش فيه بالدار البيضاء، أخذ في ارتياد مقاهي المنطقة مُمسكاً بأغلفة الأسطوانات، يسأل الغرباء عما إذا كانوا قد تعرفوا على الشخص الموجود على الغلاف. يقول:

"في النهاية، وجدنا شخصاً في الشارع يعرف المكان الذي انتقل إليه شقيق المغني، وعرض علينا أن يصطحبنا إليه. قرعنا الجرس وفتحت ابنة أخ فضول الباب.

كانت مرتبكة تماماً ـ فقد بدا الرجل على الغلاف مثل والدها، لكنه لم يكن والدها ـ كانت تعلم أن عمها توفي قبل ولادتها، لكنها لم تكن تعلم أنه موسيقي".  

"لا تهم اللغة ما دام هناك فانك" هذه هي "المانترا" التي تشبّث بها الفنان المغربي فضوال طيلة حياته، وهو الذي اختار في زمن الموجة الغيوانية غناء الـ"فانك" بالدارجة ومزج "الكناوة" بالهيب هوب والريغي والداب

أبرم شتورتس اتفاقاً مع عائلة فضول للحصول على حقوق الأسطوانات، وقرر تأسيس شركة "حبيبي فانك ريكوردز"، التي تحفر في كنوز الموسيقى العربية، وتمزج وتوزع من جديد أغاني لفنانين عرب من جيل الستينيات والسبعينيات، هذه الأغاني الهجينة التي اقتصرت شعبيتها على هواة النوع، وبقيت ضمن نطاق الأندرغراوند، من ديسكو تونسي وريغي مغربي وإلكترونيك مصري وجاز سوداني.  

فضول وفرقته في المغرب عام 1970

"لا تهم اللغة ما دام هناك فانك" هذه هي "المانترا" التي تشبّث بها فضوال طيلة حياته، وألهمت شتورتس ليُعيد إصدار أغنية "الزمان صعيب"، كنقطة انطلاق فعلية لعلامة "حبيبي فانك ريكوردز".

ومن ثم توسّع المشروع بإصدار سبعة ألبومات، من ضمنها ألبوم "البمبي" لعرّاب الجاز السوداني، الفنان شرحبيل أحمد، وألبوم "مسلمون ومسيحيون" للفنان كمال كيلة، وألبوم آخر لفرقة "جاز العقارب وسيف أبوبكر" السودانية، كما أصدرت أعمالاً متفرقة للفنان سيد خليفة وإبراهيم عوض في تتبع مُتأنّ وذكي لروح الجاز السوداني.
قُدمت هذه الأعمال بعد ترميمها صوتياً في نسختين، واحدة إلكترونية وأخرى على شكل أسطوانات فونوغراف، مصحوبة بكُتيّب تعريفي بالألبوم وبتجربة الفنان ككل. وقد اهتم شتورتس بشكل خاص بسيرة الفنانين دون اختزالها في كليشيهات سطحية، كما يفعل "مستكشفو الموسيقى الشرقية" عادة، وتجنّب، أثناء تصميم الهوية البصرية للأسطوانات/ العناصر الفولكلورية المعتادة، من جِمال وأهرامات وراقصات شرقيات، وتصدرت الصور الشخصية للفنانين غالبية الأغلفة.

ملك الجاز السوداني لابس بمبي

شرحبيل أحمد هو صانع البهجة وملك الجاز السوداني بلا منازع، ولد في 1935 في مدينة أم درمان ونشأ في حي العباسية الذي أنجب عدداً من كبار المطربين السودانيين، وكان معقلاً لأهل الثقافة والفن. وفي عام 1949 التحق بكلية الفنون الجميلة بالمعهد الفني في الخرطوم، بتشجيع من الفنان التشكيلي السوداني إبراهيم الصلحي.

شرحبيل أحمد هو صانع البهجة وملك الجاز السوداني بلا منازع، ولد في 1935 في مدينة أم درمان ونشأ في حي العباسية الذي أنجب عدداً من كبار المطربين السودانيين

وبعد حصوله على دبلوم الفنون الجميلة، عمل بوزارة التربية والتعليم السودانية بالخرطوم، رساماً في قسم الإخراج الفني بمكتب دار النشر للكتب المدرسية ومجلات الأطفال وكتب محو الأمية. ابتكر شرحبيل شخصية "العم تنقو" الكاريكاتورية، التي داعبت قصتها الأطفال في ستينيات القرن الماضي، عبر مجلة "الصبيان"، وكانت مجلة الأطفال الأكثر انتشاراً وقتها، صدرت عن مكتب النشر التربوي، ولا تزال عالقة بذاكرة السودانيين.

عمك تنقو: شخصية كرتونية بمجلة الصبيان (صدر العدد الأول في مارس 1947)

لم يكن شرحبيل مبدعاً في الغناء والرسم والعزف فقط، بل كان من أكبر المناصرين لقضايا المرأة، وحين أسس فرقته الموسيقية حرص أن تكون زوجته زكية أبو القاسم معه، تعزف خلفه في أوركسترا رجالية. وصفها شرحبيل بـ "صاحبة الدربين"، في إشارة منه إلى أنها رفيقة مشواره كزوجة وكعازفة غيتار، "تدوزن" معه الأغنيات، وكانت تُلقّب وسط الفرق آنذاك بـ"الأصابع الذهبية".

صورة لعازفة الغيتار زكية أبو القاسم زوجة شرحبيل

لم يكن شرحبيل مبدعاً في الغناء والرسم والعزف فقط، بل كان من أكبر المناصرين لقضايا المرأة، وحين أسس فرقته الموسيقية حرص أن تكون زوجته زكية أبو القاسم معه، تعزف خلفه في أوركسترا رجالية

أما أول ظهور لشرحبيل أمام الجمهور، فقد كان على مسرح سينما الخرطوم جنوب، كعازف لآلة العود، ثم ظهر مرة أخرى بمسرح الدويم، قبل أن يتجه في عام 1956 إلى الإذاعة السودانية بأم درمان، لتسجيل أغنياته وبثّها على موجات الأثير. وقدم أغنية "ليالي كردفان" من كلمات الشاعر رضا محمد عثمان:
يا حبيبي أين تلك البسمات؟

يا حبيبي كيف ذاك الحب مات

أتُرى قلبك بعد الهجر يصفو؟

يا حبيبي إن يكن طال جفانا

وانطوى في قبضة العمر هوانا

فلنعش يا حبي في ذكر هوانا

فلنقل عن حبنا كنا وكان

أغنيات مليئة بالبهجة تجسّد الشوق واللهفة، تلك التي قدمها شرحبيل، مثل "لو تعرف الشوق" و"البهجة في عينيك" و"مين في الأحبة". صدحت في كل بيت دون قيود، لتوافُقها مع قيم وأعراف المجتمع المحافظ.

واتسمت بالرشاقة والجُمل اللحنية الكثيفة التي مزجت بين رزانة الخماسي السوداني وعنفوان الجاز، لذا تنوّعت الفرقة الموسيقية وضمت آلات النفخ، كالساكسفون والترمبيت والترمبون، بالإضافة إلى الباص غيتار والغيتار، ولاحقاً الأورغن، لتمنح الأغاني لوناً مختلفاً وتُمكّنها من مخاطبة جمهور خارج حدود السودان.

يقول شرحبيل: "بدأت بتعلم العزف على العود والموسيقى السودانية التقليدية، وحصلت على دبلوم من معهد الموسيقى بجامعة الخرطوم. لكن طموحي كان تطوير شيء جديد. لهذا، بدا الغيتار وكأنه أفضل آلة. يمكن للآلات الغربية تقريب موازين الموسيقى السودانية بشكل جيد للغاية، فبعد كل شيء، الكثير من الموسيقى الغربية أصلها من إفريقيا".

تعرّف يانيس شتورتس على نجل شرحبيل من طرف فنان الهيب هوب السوداني زين زين في ألمانيا عام 2014. وزاره في منزله بالقرب من الخرطوم عام 2017 وكان عمره 80 عاماً في ذلك الوقت. وعملا معاً على إيجاد وتنظيف عدة أشرطة، صدرت لاحقاً بعنوان "ملك الجاز السوداني"، إلى جانب مقابلات وصور أرشيفية.

وقالت الشركة إن "العثور على موسيقى شرحبيل بجودة عالية لاستخدامها كمصدر كانت مهمة صعبة للغاية. كان من السهل الحصول على الكثير من الأغاني عبر الإنترنت، لكن جميعها كانت ذات جودة رديئة. استغرق الأمر سنوات للعثور على مصدر جيد للمواد."

موسيقى شرحبيل التي اعتبرتها حبيبي فانك "مزيجاً فريداً من موسيقى الروك والفانك والموسيقى الكونغولية والتناغم بين شرق أفريقيا"، جسدتها أغنية "اللابس البمبي" التي يحكي شرحبيل قصتها على إذاعة مونت كارلو، قائلاً: "كنت أقيم حفلاً في أحد نوادي الخرطوم، وكانت هنالك راقصة فاتنة ترتدي فستاناً لونه بمبي، افتتنت بها فقمت بكتابة الأغنية ولحنتها لأقدمها كهدية لها في الحفل القادم، لكنها للأسف لم تحضر في ذلك اليوم".

ولا شك أن "اللابس البمبي" من بين الأغاني التي ترسخت في الوجدان السوداني، بخفتها وبساطة كلماتها وقد تصدرت قائمة الأغاني التي أعادت "حبيبي فانك" توزيعها في مزج جديد:

الرقص جميل وليه نميل تعال يا جميل
ما تبقي بخيل الرقص قيافة وفيك لطافة
يا اللابس البمبي
يا نعسان وغالبك نومك
يامهموم سرحان في همومك
قوم من نومك سيبا همومك

يا اللابس البمبي

Muslims and Christians

نجح مشروع "حبيبي فانك" في اكتشاف نوادر موسيقية كادت تمحى من التاريخ الفني للمنطقة، وعرّف الجيل الجديد على مشهد تجريبي بديل.

نجد توزيعاً لألبوم "مسلمون ومسيحيون" للفنان كمال كيلا على سبيل المثال، وهو خلاصة تجارب لحنية ثرية ومتنوعة خاضها الفنان، يحوي أغنيات ذات نبرة وطنية تدعو لوقف نزيف الحرب، مثل "غالي وعزيز يا جنوب"، أو مُغرقة في الرومانسية مثل أغنية "عصافير"، بالإضافة إلى أغاني الحقيبة السودانية مثل "طبعاً أهواك"، التي أعاد الفنان توزيعها بطريقة لامعة، كثف فيها آلات النفخ والإلكتريك غيتار، وأصدرتها "حبيبي فانك" لتحقّق انتشاراً واسعاً عن طريق الشبكات الاجتماعية ويمكن الاستماع إليها أو شراؤها أونلاين.

"حبيبي فانك" هدية لمُحبي الموسيقى في المجتمعات الغربية، لتقريب مشهد عربي غني بألوان موسيقية هجينة، وتسليط الضوء على السياق الثقافي والاجتماعي الذي انطلق منه فنانون جامحون ليخاطبوا العالم

التنقيب عن الجاز السوداني

الجيل الذي لم يعايش نهضة الجاز في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في السودان، مدين لـ"حبيبي فانك" بالكثير، لإتاحته الفرصة مجدداً لعيش تلك الأجواء الذهبية والمفعمة بالحماس والحركة، فهو بلا شك مشروع رائد لإعادة بعث مثل هذا النوع من الموسيقى الذي طُمر في رداءة التسجيلات، فطواه النسيان وانطوت معه وثائق فنية وثقافية لحقبة مهمة من تاريخ الموسيقى في البلد.

 فأغلب تسجيلات النصف الأخير من الألفية السابقة كانت ذات جودة منخفضة، نظراً للإمكانيات التقنية المتواضعة للإذاعات وشركات الإنتاج في المنطقة العربية، أضف إلى ذلك الإهمال والإتلاف المتعمد لأرشيف الغناء من قبل الحكومات الديكتاتورية، كما هو الحال مع مكتبة الإذاعة السودانية ومكتبة التلفزيون القومي السوداني في فترة حكم الإخوان المسلمين.

حول أسفاره الكثيرة في العالم العربي وهوسه بـ"الاستحواذ" على الموسيقى القديمة التي لطالما مثلت مصدر إلهام بالنسبة إليه، يدفع يانيس شتورتس عن مشروعه تهمة الاستحواذ الثقافي، ويقول إن الشركة لديها وعي وحساسية عالية بالرمزية السياسية والعرقية التي فرضها تاريخ الغرب في التعاطي مع الثقافات الأخرى، وتتجنب اللغة البصرية النمطية الكولونيالية للمستشرقين.

فهي تعيد إصدار الأعمال الموسيقية برخص مباشرة من الفنانين أو من أسرهم، الذين يحصلون على نصف الأرباح. ويضيف: "كشركة أوروبية أو غربية تتعامل مع موسيقى غير غربية، تقع على عاتقنا مسؤولية إضافية، وهي التأكد من عدم المشاركة في إعادة الأنماط الاقتصادية التاريخية للاستغلال، ونحن حذرون وواعون تماماً بهذا الجانب فيما نقدمه".

"حبيبي فانك" أيضاً هدية لمُحبي هذه الأنواع الموسيقية في المجتمعات الغربية، لتقريب مشهد عربي غني بألوان موسيقية هجينة، وتسليط الضوء على السياق الثقافي والاجتماعي الذي انطلق منه فنانون جامحون ليخاطبوا العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard