قفا نبكِ... شعراء بكّاؤون

الخميس 29 يوليو 202110:23 ص

ما دفعني للبتّ في شأن هذه الدمعة هو مشاهدتي لها في أكثر من مناسبة مع أكثر من شاعر. إنها دمعة ليست كالتي نعرفها، بل نحن لا نعرفها لغموضها، إذ هي ليست لسان الحزن ولا الفرح ولا هي بينهما. كأن لها منطقاً خاصاً، أو كأنها تثور على كل منطق. إنها تنحدر من عينين متفرّدتين في نظرتهما للأشياء، من تلك العينين اللتين تستلّان الصورة الشعرية العجيبة من أي شيء... تنحدر على الخدين في بطء مُتعمَّد، كأنها تريد قول كل شيء قبل أفولها والتحاقها بركب الدمعات الأخرى.

ما العلاقة بين السماء المغيمة والعينين وبين المطر والدمعة؟

 دمعة درويش VS دمعة فرلين

الشاعر بكّاء بطبعه وبكاؤه نزوة شعورية. يبكي بلا سبب، وإن كان لسبب فهو ليس كالأسباب المعهودة. الشاعر كائن "يبكي من القلب"، كما يقول بول فرلين، الشاعر الفرنسي البكّاء بدوره. من القلب الشعري الأكثر غربة ووحدة تنزل تلك الدمعة التي تدفعني للكتابة ولأتساءل: ما هي؟ هل هي بنت الوعي أم بنت غيره وليكن من بين غيره ذاك الوعي الحاد الذي ليس في متناول أي كان؟ هل هي استرضاءٌ للقصيدة المطلقة التي لا تكفّ عن الحفر في الداخل الشعري؟ أم هي فكرة لا تعبّر عنها لغة وما هي سوى لسانها المائي الشفّاف؟ أم لعلّ لها ورقة خاصّة تنحدر من أجلها؟

من الدموع الشهيرة التي هي نوع من العمل الإبداعي المستقل بذاته "دمعة محمود درويش"، التي سالت في المسرح البلدي في أواسط التسعينيات في أمسية شعرية رفقة سميح القاسم، تلك الدمعة التي كانت بطلاً يلعب دوره فوق خشبة المسرح المهيب، كنتُ حاضراً ساعتها وقد لعبت دورها في نفسي أعواماً عديدة. أو "دمعة" الشاعر الفرنسي رامبو، التي اتخذ منها عنواناً لقصيدته التي يعقد فيها علاقة بين السماء المغيمة والعينين وبين المطر والدمعة، فكنا طوال مراهقتنا نحفظ تلك القصيدة كسقاءٍ لعطش البكاء الإنساني اللذيذ الذي نصاب به حينذاك.

تترقرق دمعة الشاعر وتتلألأ، لذلك كثيراً ما شُبّهت بالجوهرة النفيسة كقول الشاعر "أنثر دمعتي نثر الجمان"، وعلى ما يبدو فليس هذا النوع من الدمع سوى لذة يتفرّد بها الشاعر عن غيره من البكّائين

قفا نبكِ

لنسلّم بأن الشعراء العرب القدامى من أكثر البكّائين على وجه البسيطة، إذ يمثّل بكاؤهم واجباً شكلياً ومعنوياً منه تنطلق القصيدة؛ ونقصد المفتتح البكائي الطللي المعروف، كأنْ يقول امرؤ القيس: قفا نبك...، أو طرفة بن العبد الذي ينصحه صحبه بقولهم "لا تهلك أسى وتجلّد"، أو قول بن الأبرص في معلّقته "عيناك دمعها سروب...كأن شأنيهما شعيب"، وهو بكاء لم يفارق اللاحقين ومنهم المتنبي، إذ لا يسلم العديد من قصائده من انسياب تلك الدمعة ولو رمزياً، ففي مطلع من مطالع قصيدة له ها هو يختصر مادّتنا بقوله: دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا/لأهله وشفا أنّى ولا كربا.

تترقرق دمعة الشاعر وتتلألأ، لذلك كثيراً ما شُبّهت بالجوهرة النفيسة كقول الشاعر "أنثر دمعتي نثر الجمان"، وعلى ما يبدو فليس هذا النوع من الدمع سوى لذة يتفرّد بها الشاعر عن غيره من البكّائين، كقول ابن الرّومي: أصبحت لي دمعة رأيت بها/رشدي وقد كنتُ زائغ البصر.

هل هي دمعة العمق والحكمة؟ دمعة تجيء من الوعي الثقيل بالعالم؟ ابن الرّومي الذي لم يمدح أحداً بل وكان موته بسبب هجائه للساسة، إذ عمد وزير المعتضد إلى دسّ السمّ له اتقاء لسانه الجارح. ها هنا فقط سنعتقد أن دمعة ابن الرومي هي دمعة ثقيلة وحمّالة معان عميقة فالدموع "بتلات القلب"، كما يقول الفرنسي بول إيلوار.

من الشعراء من حوّل الدمعة إلى مخلوق ملائكي شفّاف ومقدس... عن الشعر والدمع 

الكتابة دمعةٌ كُبرى

دمعة الشاعر من طينة وجودية، وهنا تتضح فرادتها. البكاء على الأطلال بكاء وجودي، كما حمّله الكثيرون، ونحن من أنصار هذا الاعتقاد. فما تكون دموع الحصري أو دموع الخنساء أو دموع المجنون إن لم تكن وجودية؟ ستكون مشابهة لدموع فيكتور هوغو على ابنته المتوفاة في ربيع العمر، هوغو الذي يقول: "الإله يقطر قطرة قطرة من السّماء، ودمعة دمعة من أعيننا"، ليقول قاصداً دمعة ما نقصد: "إنك تستطيع أن تجفّف دمع عينيه، لكن سيظل الدمع يتقاطر في مكان آخر منه"، لأنه يظل يبكي بكاءه الفريد والغريب، فله من الكلمات ما يبكي ومن الدموع ما يتكلم.

في التراجيديات اليونانية العظيمة تعاظم البكاء وبلغ أوج المعاني، مثله مثل بكاء فرسان العصر الوسيط الأوروبي، دمعة دليل عن الحب الذي لا شفاء منه، ولنتذكّر "المجنون" عرضاً، فدمعته قد نخصص لها مادة كاملة، إذ يقول "إن دموع العين يوم تحمّلوا/ جمال على جيب القميص يسيل"، بيت ورد في "كتاب الأمالي" لأبي علي القالي.

دمعة الشاعر ما يدفع للكتابة، أو قل كتابته دمعة كبرى، وفيما عدا ذلك "ماذا تصبح الدموع التي لا نسكبها"؟ ولا نكتبها، ها هنا نتساءل مع أبراهام كاولي، الشاعر الإنجليزي (1618-1667)، دموعه ما هي سوى موسيقى يرقّ لها القلب. بكى جمهور درويش في المسرح البلدي التونسي، لأنها دمعة لا تشبه دمعات أخرى، ولازال الناس يتحدثون عنها لأنها موقف أو قصيدة تُبكى ولا تكتب، فلا عجب أن نجد على الشبكة العنكبوتية فيديوهات لدمعة درويش، يحلو للمتفرج مشاهدتها ولمس عمقها الشعري.

"نوع من البلاد العجائبية"

كأنها مطر في سماء بداخل الشاعر، بعد تلك المطر تطلع ألوان قوس قزح. هكذا يرى الفرنسيون في حديثهم عن البكاء. أما ستندال، الروائي الخالق لأبطال لم يسلموا من البكاء، أمثال بطله الأشهر "جوليان سورال" في روايته "الأحمر والأسود" فيقول: "الدموع هي ابتسامة وقد بلغت أقصاها"، وهنا تتداخل مادتنا وكل دمعات شعرائنا العرب الميالين أن يكونوا أكثر الكائنات حزناً.

الدمعة تلك لحظة شديدة الصفاء والنقاء. "لي عبرة في الخدّ سائرة وبيت سائر"، هذه دمعة أبي تمام الموازية للبيت الشعري، هذه دمعة الشاعر الواضحة، الشاعر الذي لا يكفيه لسانه ولا قلمه في فيضان المعاني. هناك دمعة تجري وراء قناع ما، أو قل دمعة محبوسة لا ترى، يسبح فيها الشعر كما يشير سانت إكزوبيري، الذي يعتبر أن الدموع "نوع من البلاد العجائبية".

تدخل الدمعة إذن في الجانب الفرجوي أو المسرحي للقصيدة، هي مؤثّر خارج المكتوب من الشعر، أو هي فشل الشاعر في التعبير عن نفسه، أو هي علامة على معضلة الشاعر مع اللغة، فلا يجد سوى أن يبكي أو يتلعثم، حال أبي الصوفي الشاعر العمّاني، الذي ربما اضطره الحال أن يكون شاعراً للسلطان، ثم لابنه (تيمور) في نهاية القرن التاسع عشر، مع أن شعره أرحب من ذلك إذ يقول:

ما هذه الأيام إلا عبرة/ حار اللبيب لها وضاق المذهب.

ها هنا تصبح تلك الدمعة السائلة مادياً أو رمزياً من عين الشاعر معنى للأيام، وفي لجّ تلك الحيرة كأننا نسلّم بغموض تلك الدمعة.

لا ترجّوني فإني مليء بالدموع

هل نستطيع البكاء والتفكير في نفس الوقت؟ ذاك ما سنلمسه عند الرومنطقيين الذين يكتبون بكاء ويبكون كتابة. قد يُقال إن "الدمعة تمتصّ الفكرة"، لكننا هنا نتحدث عن دمعة تشبه إلى حد بعيد دمعة مراهقتنا في عفويتها، إنها ترافق الفكرة كما ترافق الموسيقى الكلام المغنى.

"الشعر ذاكرة طافية فوق الدموع، كما الموسيقى ذاكرة طافية على البحر"، هكذا يقول ميغل أنخل أستورياس، الشاعر والروائي الغواتيمالي المتحصّل على نوبل 1967، بل ما تلك الدمعة سوى نقاء ينعم به القلب، فهي له كما الماء للسمكة، هكذا يقول فلوبير، الذي بكى في أكثر من مناسبة مع أنه روائي.

الدمعة تلك دليل على الحياة. ها هنا نلتقي مع رينيه شار، الذي يعتبر البكاء مناسبة للاغتسال ولتجديد النظام، ذلك لأن الشاعر ليس من سكان الكلام فقط، إنه يسكن الأحاسيس أيضاً. قلب الشاعر وهو يبكي لا يمكن أن يكون إلا خلال نافذة تطلّ على العالم. أما دمعته تلك، فهي جوابه الوحيد على أسئلة تأتيه إلى حدود تلك النافذة. على تلك النافذة يصمت الشاعر الصمت الذي يوزن بميزان الدمعة.
شاعر مثل هنري كالي يقول:" لا ترجّوني كثيراً فإني مليء بالدموع"، سيعلن عالياً أن الشاعر كائن قُدّ من بكاء. وها هنا فقط نفهم تلك الدمعة ونجلّها. لذلك كثيراً ما يُعتبر طفلاً يبكي لأي شيء. ولأن الكتابة بكاء لا ينتظر منديلاً من أحد، فإن الشاعر يبكي دون أن ينتظر مواساة من أحد، يبكي من أجل البكاء. يبكي من أجل "خصوبة المستقبل" على رأي ألفريد دو موسيه.

يبكي أراغون لأنه يفتح دفتر العناوين القديم، ويبكي دانيال بيناك عندما يتفرّج على الأخبار، ويبكي بشار بن برد من حمّاد، لا لأنه هجاه بل لأنّه يرى "بشاراً" وبشار لا يراه (كتاب الأغاني)، إلى ما لا نهاية من تلك الدمعات الشعرية.

لأن الشاعر يعرف تلك الدمعة فإنه لا يستطيع الصبر عليها عند رؤيتهاـ فهي قادح عظيم لأن يكتب أو لأن يُجنّ، فانظروا إلى الكاتب الفرنسي فريديرك بيغبيدير الذي يقول: "أستطيع مشاهدة الحضارات وهي تندثر، المدن تلتهب أو الكواكب تتفجر، أستطيع رؤية كل ذلك دون تفاعل. لكن دلوني على دمعة تسيل فوق خد امرأة لتفعلوا بي ما تشتهون".

أو لنتذكر بطل نيكوس كازانتزاكيس، ضحية دموع النساء، "زوربا الإغريقي"، إسفنجة دموع المرأة ذاك الذي يجوب الأرض فقط من أجل أن يكفكف دموع الوحيدات المتلظيات فوق فراش الوحدة.

قد تكون الدمعة أرقى أشكال التعبير الإنساني، سنعثر عن الدمعة الأولى أو الدمعة الأخيرة التي شهدناها أو شاهدناها في المنجز الشعري العالمي وحتى الروائي، من الشعراء من حوّل الدمعة تلك إلى مخلوق ملائكي شفّاف ومقدس، ومنهم ألفريد دو فيني، الذي خصّص لدمعة المسيح التي تحولت إلى فتاة تحمل اسم "إلوا"Eloa ، ملحمة شعرية تمتدّ على أكثر من سبعمائة بيت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard