ارتفاع أسعار النفط.... نقمة أم نعمة على دول الخليج؟

السبت 24 يوليو 202110:35 ص

في دول الخليج العربي، لا تزال حملة التقشف التي أطلقت خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع بداية جائحة كورونا، موضوعاً ساخناً للنقاش، إذ بدأ المواطنون الذين اعتادوا على سخاء الحكومة والأجور المرتفعة المعفاة من الضرائب والإعانات السخية في الاحتجاج على غلاء المعيشة.

وظهر احتجاج المواطنين مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، إذ اعتادوا على سخاء الحكام عندما يكون سعر الذهب الأسود مرتفعاً، خصوصاً في السعودية، فبدأوا في انتظار إما وقف إجراءات التقشف أو منحهم امتيازات سخية، وهو ما يعني في الحالتين تخريباً لخطط الإصلاح الاقتصادي في البلاد.

لذلك حذّرت مؤسسات دولية من مغبة التراجع عن خطط الإصلاح الاقتصادي لأن دورة ارتفاع الأسعار الحالية للنفط هي الأخيرة قبل حدوث انخفاض حاد في الاستهلاك العالمي للنفط بسبب التحول نحو الطاقة المتجددة، وعليه ينبغي إنفاق الأموال حالياً في خطط استثمارية وليس إغداقها بسخاء على المواطنين بدون مردود طويل الأمد.

الإصلاح الاقتصادي

لا يزال النشاط الاقتصادي، وحتى في القطاع الخاص، في دول مجلس التعاون الخليجي يعتمد بشكل كبير على المشاريع التي تمولها الحكومة وعلى الاستهلاك المدعوم، وكل ذلك من عائدات النفط والغاز.

مع تراجع أسعار النفط، وقع عجز كبير في ميزانيات هذه الدول، خصوصاً أربع منها هي السعودية والكويت والبحرين وسلطنة عمان. وعليه، نصحت المؤسسات العالمية البلدان الستة بضرورة تبني خطط إصلاحية لبناء اقتصاد لا يعتمد على النفط.

في السعودية، تبنّى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030، عام 2016، وتهدف إلى تقليل اعتماد الميزانية على النفط. وفرض جملة من التشريعات الهيكلية المباشرة لرفع عائدات الدولة، منها فرض رسوم العمالة، لتصحيح سوق العمل وسعودة الوظائف، وفرض حزمة من الضرائب الاستهلاكية على بعض السلع والمنتجات الانتقائية، وهو ما ساهم في رفع الإيرادات غير النفطية إلى 313 مليار ريال (83.4 مليار دولار)، فقد سجلت عائدات الضرائب 166 مليار ريال (44.2 مليار دولار) عام 2019.

تريد السعودية أيضاً خصخصة العديد من الشركات التي تعتمد على ميزانية الدولة، لتخفيف العبء عنها وزيادة مشاركة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي المحلي من 40% إلى 65% بحلول عام 2030، كما قررت طرح شركة أرامكو النفطية العملاقة في البورصة.

في سلطنة عمان، قالت وزارة المالية في خطة اقتصادية للفترة من 2020 إلى 2024، إنه من المتوقع أن تستحدث الحكومة فرض ضريبة دخل تُطبَّق على أصحاب الدخل المرتفع في العام 2022، وطرحت رؤية 2040 للإصلاح الاقتصادي.

وتهدف الخطة إلى خفض عجز الميزانية إلى 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2024 من عجز مبدئي بلغ 15.8% في العام الجاري. وتستهدف السلطنة زيادة الإيرادات غير النفطية للحكومة لتصير 35% من إجمالي الإيرادات بحلول 2024، بدلاً من 28% هذا العام.

وفي الكويت، طُرحت رؤية 2035 للإصلاح الاقتصادي، وهي خطة تستهدف العمل على إشراك القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي للدولة وتفعيل الإدارة الحكومية من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، وخلق اقتصاد متنوع وزيادة الإنتاج المحلي ومعدلات النمو الاقتصادي للقطاعات غير النفطية.

مع ذلك، لم تشرع الكويت في تطبيق إجراءات فعلية على الأرض كباقي دول الخليج، مثل السعودية وسلطنة عمان، بسبب الخلافات السياسية الداخلية. وأرسلت الحكومة بالفعل برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي إلى مجلس الأمة في آذار/ مارس الماضي.

يشير المحلل الاقتصادي الكويتي محمد الرمضان إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، لا تحصل على ضريبة دخل من الأفراد، لكنها اتفقت على فرض ضريبة قيمة مضافة قدرها 5% في عام 2018، عقب هبوط أسعار النفط الذي أضرّ بإيراداتها.

وأضاف الرمضان لرصيف22 أن الإمارات تسير في خطط التنوع الاقتصادي بالفعل، حتى ولو كانت تسير بوتيرة بطيئة في هذه العملية، وتحاول جذب شركات التكنولوجيا حالياً، وقطر وضعها مشابه، بعكس حال الدول الأربع الأخرى.

"هذه هي المشكلة. عندما تنخفض أسعار النفط تتسارع الإصلاحات في دول مجلس التعاون الخليجي وعندما تزداد تفقد الإصلاحات زخمها وكأن الإصلاحات يجب أن ترتبط بأسعار النفط"

وقالت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة: "على مدى سنوات، شكلت الخصخصة وجذب الاستثمار الأجنبي السمة الرئيسية للسياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي نظراً لدورها الرئيسي في النمو الاقتصادي".

وأضافت: "لكن هذه العملية ظلت تدريجية. وفي معظم الحالات، لا تزال عملية مترددة على الرغم من التطورات المهمة في الاقتصاد العالمي. وبدون الخصخصة وتدفق رأس المال الكبير، ستواجه دول مجلس التعاون الخليجي عقبات في تحفيز النمو وإيجاد فرص عمل لدولها، لأن أسعار النفط شديدة التقلب ولم يكن قطاع النفط قط مزوداً رئيسياً للوظائف".

ارتفاع أسعار النفط... السم في العسل

في أيار/ مايو الماضي، نزل مواطنون عمانيون إلى شوارع المدن الكبرى للمطالبة بوظائف بعد شهر واحد فقط من إدخال ضريبة القيمة المضافة التي تأخر فرضها بشكل متكرر بنسبة 5%.

في سبيل تهدئة المواطنين، أعلن سلطان عمان استحداث 32 ألف وظيفة حكومية بدوام كامل وبدوام جزئي لتخفيف السخط العام، في تناقض صارخ مع خطط إصلاح القطاع الإداري المتضخم في بلاده.

في السعودية، احتج مواطنون في مطلع تموز/ يوليو على مواقع التواصل الاجتماعي على عدم خفض الملك سلمان بن عبد العزيز أسعار البنزين بعد ارتفاع سعر برميل النفط الذي يعتبرون أنه يجب أن ينعكس على أوضاعهم، واستشهدوا بقرارات مماثلة اتخذها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بعد ارتفاع أسعار النفط.

بسبب ارتفاع أسعار النفط وما يوفّره من عائدات، قالت وكالة ستاندرد آند بورز في تقرير إن العجز الكلي للحكومات المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي من المتوقع أن يبلغ حوالي 80 مليار دولار هذا العام مقارنةً بـ143 مليار دولار في عام 2020.

بدأ المواطنون في عدة دول خليجية، والذين اعتادوا على سخاء الحكومة والأجور المرتفعة المعفاة من الضرائب والإعانات السخية، في الاحتجاج على غلاء المعيشة

وذكرت الوكالة أن ارتفاع أسعار النفط أدى في الماضي إلى إخراج إصلاحات الاقتصاد عن مسارها، وبالتالي أدى إلى زيادة الإنفاق أو تأخير الإصلاحات المالية المخطط لها.

الآن يُخشى من تكرر نفس الأمر. كانت هناك مؤشرات على احتمالية تراجع دول الخليج عن خططها، إذ قال ولي العهد السعودي، في نيسان/ أبريل الماضي، إن ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15% التي فرضت عام 2020 هي قرار مؤقت وسيتم تعديله في السنوات المقبلة، مؤكداً أن ضريبة الدخل لن تفرض في السعودية نهائياً.

اللافت أن ولي العهد أعلن مطلع تموز/ يوليو أن بلاده تخطط لإنشاء شركة طيران وطنية ثانية، علماً أن هذا النوع من الشركات يتطلب دعماً مالياً من الحكومة، وهو عكس خطط الإصلاح الاقتصادي التي تقتضي تقليل دعم ميزانية الدول للشركات، خصوصاً شركات الطيران في منطقة الخليج حيث يتفوق الطيران القطري والإماراتي.

يستبعد المحلل الاقتصادي الكويتي محمد الرمضان اتجاه السعودية نحو التراجع عن الإصلاحات، مشيراً إلى أنها تبنت خططاً تنموية ضخمة تحتاج إلى تمويل كبير وقد خطت خطوات سريعة جداً في الإصلاح، ومن غير المرجح أن تتراجع عنها، كما أن الأسعار قد زادت بالفعل، لكن إنتاج المملكة تراجع.

ويقول لرصيف22: "علينا أن نفرّق. دول الخليج وضعها المالي مختلف. السعودية لن تتراجع، الكويت قد تكون أكثر دولة يمكن أن تتراجع، أما الإمارات وقطر فلديهما فوائض مالية كبيرة ولا تهتمان لأي إصلاحات لا داعي لها، والبحرين وسلطنة عمان وضعهما الاقتصادي سيئ وتحتاجان إلى إصلاحات بوتيرة أسرع وليس التراجع عنها".

عام 2017، أبدت حكومة الكويت تراجعاً وصفه محللون بـ"التكتيكي" عن وثيقة الإصلاح الاقتصادي التي كانت قد أعلنت قبل أقلّ من عام ولقيت انتقادات واسعة في مجلس الأمة (البرلمان) الذي يشكّل المعارضون نحو نصف أعضائه.

وفي تعليق قديم، قال خبير الاقتصاد الكويتي جاسم السعدون: "هذه هي المشكلة في المنطقة. عندما تنخفض أسعار النفط تتسارع الإصلاحات في دول مجلس التعاون الخليجي وعندما تزداد تفقد الإصلاحات زخمها وكأن الإصلاحات يجب أن ترتبط بأسعار النفط".

وأضاف: "في رأيي، يجب تكثيف برامج الإصلاح عندما تكون أسعار النفط مرتفعة لأن ذلك سيسمح للدول الأعضاء بتمويل برامج إعادة الهيكلة وفي نفس الوقت جذب الاستثمار لأن المستثمرين المحليين والأجانب ينجذبون إلى النظام الاقتصادي والمالي القوي في أي بلد".

وبحسب الخبير الاقتصادي السعودي إحسان بو حليقة، "أعلنت معظم دول مجلس التعاون الخليجي عن برامج إصلاحية لكنها لم تحرز أي تقدم ملموس لأنها كانت بطيئة وخجولة". ويضيف لرصيف22: "ما يحتاجونه هو رغبة حقيقية واستراتيجية واضحة وتصميم قوي على تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق بوتيرة أسرع".

الفرصة الأخيرة

من المرجح أن تكون دورة ارتفاع الأسعار الحالية للنفط هي الأخيرة قبل حدوث انخفاض حاد في الاستهلاك العالمي للنفط، نتيجة تحول الدول إلى الطاقة المتجددة، ما يجعل التحول الاقتصادي لمنتجي النفط "أمراً ضرورياً" لأن الطلب على النفط سينخفض بشدّة، حسبما أشارت مجلة صندوق النقد الدولي في صيف 2021.

يشير التقرير إلى أن شركات تصنيع السيارات عبّرت عن التزامها باستبدال مركبات محركات الاحتراق الداخلي بالمحركات الكهربائية على المدى المتوسط.

قبل انتشار فيروس كورونا، قدّر صندوق النقد الدولي أنه ما لم تنفذ دول مجلس التعاون الخليجي إصلاحات مالية واقتصادية كبيرة، فإنها ستستنزف ثرواتها المكدسة من النفط بحلول عام 2034. من المحتمل أن يكون الوباء قد اختصر هذا الموعد.

يقول الرمضان: "دول الخليج تحتاج إلى التنوع الاقتصادي بصرف النظر عن اتجاه العالم إلى الطاقة البديلة… هبط سعر النفط إلى ما يقرب من 20 دولاراً للبرميل في العام الماضي وهو لا يزال يعتمد على النفط الأحفوري، وكان السبب غير متوقع وهو كورونا".

مع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة ولدى هذه الدول ما تستطيع البناء عليه، إذ بنت دول الخليج بالفعل مدناً حديثة وفّرت فيها بنية تحتية متقدمة، مما وفر أساساً متيناً للتنمية الاقتصادية المستقبلية.

وحصلت جميع دول الخليج على درجات أعلى من 0.8 في مؤشر التنمية البشرية، ما يجعلها مجتمعة متقدمة على جميع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأخرى وعلى قدم المساواة مع بعض دول الاتحاد الأوروبي.

في دول الخليج لا يزال إنتاج النفط والغاز يمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي في معظم هذه البلدان، باستثناء الإمارات (30%) والبحرين (18%).

في حالة البحرين، يمثل النفط حصة صغيرة من الناتج المحلي الإجمالي لأنها استنفدت إلى حد كبير احتياطياتها النفطية، ومع ذلك، هي تعتمد على الدول المجاورة التي يقوم اقتصادها على النفط.

يتطلب التنويع الاقتصادي الحقيقي إنتاج سلع وخدمات، بخلاف الهيدروكربونات ومشتقاتها، والتي يكون من الممكن تبادلها مع بقية العالم. هنا، لا يزال أمام دول الخليج طريق طويل لتقطعه. عام 2018، مثلت الهيدروكربونات والمنتجات ذات الصلة أكثر من 90% من إجمالي الصادرات في الكويت وقطر، وأكثر من 80% من إجمالي الصادرات في السعودية وسلطنة عمان، وأكثر من 50% من إجمالي الصادرات في الإمارات والبحرين.

أدرجت دول الخليج بالفعل التنويع الاقتصادي في رؤاها الوطنية وأنشأت لجاناً لتحسين دمج القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية الجارية. كما قامت بتأسيس وكالات لدعم تطوير وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مثل هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في السعودية، وبنك قطر للتنمية، وريادة العمانية.

تدعم هذه المؤسسات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تُعَدّ حجر الزاوية في جهود التنويع الاقتصادي، إذ إن نموها يخلق قيمة اقتصادية حقيقية ويخلق فرص عمل كبيرة.

وتساعد المناطق الحرة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتكون بمثابة حواضن للابتكار والمشاريع التي يمكن استيعابها بمرور الوقت في الاقتصاد الوطني.

الإمارات لديها 45 منطقة حرة تسمح بملكية أجنبية بنسبة 100%. وتبنت البحرين خطوة أبعد من ذلك، إذ سمحت بالملكية الأجنبية بنسبة 100% في عدة قطاعات، بما في ذلك العقارات والاتصالات والخدمات الإدارية.

فهل تنجح دول الخليج في الاستعداد للسنوات القادمة باقتصاد متنوّع أم تحلّ عليها مرة جديدة لعنة زيادة أسعار النفط؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard