"بل سجن يعيش فينا"*... عن العيد في المعتقلات المصرية

الخميس 22 يوليو 202106:13 م

لا تمر أيام العيد من دون ثقل ذكريات السجن جاثمة على صدري. ست سنوات وثلاثة أشهر ، مرت فيهم الأعيد والمناسبات عليَّ منتزعاً من بين أهلي وصحبي سجيناً سياسياً في المعتقلات المصرية، أعيش غربة موحشة تعتصر أحشائي.

كنت أمضي يوم العيد في السجن باكياً، ككثير من زملاء الزنازين، يملؤنا حنين قاتل عصيٌّ على التحمل، نتذكر صلاة العيد وزيارة الأهل والخروج مع الأصحاب والأحباب، فنتلوى ألماً وشوقاً، ننظر إلى سقف الزنزانة الباهت محشورين في أماكن نومنا الضيقة، فنتحسر ونتوجع على ما نحن فيه ونتوق لأنفاس من الحرية تحت السماء من جديد.

لكن بينما كان الكثيرون منا يستنزفون أرواحهم بالبكاء، كان هناك هؤلاء الذين يحاولون اختراع البهجة واستخلاصها من العدم، فيقومون من بعد الفجر ليحجزوا دورهم في الحمام لأخذ "دش العيد" وارتداء ملابس العيد، متجاهلين أنها نفس الملابس الزرقاء والبيضاء التي لا يسمح لنا بسواها، لكنها مغسولة لتضفي إيحاءً بالاحتفاء بالمناسبة، يتضاحكون ويتناوشون ويتقافزون بين الـ"فِرَش" لإيقاظ المكتئبين. غالبيتهم ممن ما زالوا في عامهم الأول أو الثاني في الحبس، بذكريات قريبة عن العيد في الحرية، وزيارات الأهل والأصحاب. يحاولون مؤاساة من استسلموا للحزن والمزاح معهم، ينكزونهم ويجذبونهم حتى يتشتتوا قليلاً، وربما ينتزعون منهم ابتسامة مغصوبة، فيقومون على مضض للمشاركة في الطقوس المصغرة لعيد السجن.

يلصق الشباب أفواههم في شبك نظارات باب الزنزانة الضيقة، يشحنون أجواء العنبر بتكبيرات العيد، تتداخل الأصوات وتتحول لكورال جماعي يهز حوائط العنبر. يتغاضى السجانون عن الصوت العالي، يكتفون بأن أيام العيد يغلق علينا فيها الأبواب، لا نخرج للتريض ولا نرى أحداً، فالسجن أكثر تشدداً وقسوة في العيد، يترك السجانون هذه الدقائق المعدودة لنتنفس فيها ما تحمله صدورنا؛ يعتقدون بذلك أن طيبة قلوبهم وإنسانيتهم بلغتا الآفاق.

كنت أمضي يوم العيد في السجن باكياً، ككثير من زملاء الزنازين، يملؤنا حنين قاتل، نتذكر صلاة العيد وزيارة الأهل والخروج مع الأصحاب، فنتلوى ألماً، ننظر إلى سقف الزنزانة الباهت محشورين في أماكن نومنا الضيقة.

نقف صفاً لنصلي صلاة العيد، نسلم ونستمع لخطبة صغيرة من أحد الزملاء قام بتأليفها للمناسبة، ثم تنتهي الشعائر ويأتي الطقس المقدس لكل عيد.

تتحول الزنزانة إلى بوتقة صغيرة ننصهر فيها معاً في فيض من العناق والمواساة: يدور كل منا على زملائه فرداً فرداً، يجذبه في عناق حار، يطول أحياناً حسب القرب والحب بين الزميلين، يختم دوماً بأن يربت كل منهما ظهر الآخر، ويتبادلا الجملة المأثورة:  "العيد الجاي وسط أهلك إن شاء الله".

 يقترب الظهر وتأتي الزيارات، يطلب أغلبنا من أهله ألا يزوروه في العيد، يترجاهم ألا يمضوا عيدهم في طابور سجن وتفتيش مهين، وإذلال من الحراس، فقط ليحظوا برؤية السجين لدقائق معدودة تكون أقل من مدة الزيارات الطبيعية والتي يفترض أن تمتد إلى ساعة كاملة بحسب لائحة السجون المصرية. ساعة واحدة، غالباً ما تجبر السجون مساجينها على القبول بنصفها أو أقل، أما في الأعياد فلا تتعدى مدة الزيارة خمس دقائق في معظم الحالات.

تكون الزيارة خليطاً من الأنس الممزوج بالحزن والقهر: يسري الدفء في أطرافك مع عناق أهلك، مع شعور قاتل بالذنب لمعرفتك أن وجودهم هنا هو بسببك أنت، بأن الناس يحتفلون ويفرحون ويتزاورون، بينما يحترقون هم تحت الشمس ساعات في طابور بائس طويل من أجلك.

تشعر بقلبك ينتزع مع جذب المخبرين لك من بينهم بعد دقائق، تحاول الابتسام والضحك، تتمنى لهم عيداً سعيداً مع العناق الأخير. تحاول الوداع بتلويح وابتسامة تسحبها سريعاً قبل أن تخونك الدموع.

مع السنين يصبح الألم فوق طاقة التحمل، فتضطر مجبراً أن تكسر كل ارتباطاتك العاطفية بالمناسبات وتقتل قداستها في قلبك لئلا تخوض هذا الوجع الذي لا يطاق. تتحول الأيام كلها إلى يوم واحد متكرر حتى المناسبات والأعياد، فلا تشعر باختلاف حيال يوم وغيره، تختفي أدوات التعريف. ولكن غصة ما تظل تعلو في حلقك عندما تنطفئ الأنوار ويسود الصمت. تسمع نشيجاً خافتاً من أحد زملائك وترى آخر ساهماً في السقف. تعلم أن كلاً منهم يحيا في خياله مع أهله وأصحابه الآن، يهفو إليهم ويتوق. يفكر إن كان هذا عيده الأخير هنا أم ما زال في جعبة الزمان المزيد.

الزيارة خليطٌ من الأنس الممزوج بالحزن والقهر: يسري الدفء في أطرافك مع عناق أهلك، مع شعور قاتل بالذنب لمعرفتك أن وجودهم هنا هو بسببك أنت

خرجت من السجن في كانون الثاني/يناير 2020، وبعد عام ونصف، لا أزال أشعر بنفس الشعور المقبض كل عيد، فلا أستشعر طعمه. أظل محشوراً في السجن كل مناسبة، تهاجمني ذكرياته وتفاصيل يومه. لا أصدق أني هنا الآن، في الخارج، لا أستلم تعيين الطعام من السجان، لا أمسح أرض الزنزانة آخر اليوم في يوم خدمتي، لا أفرش الأرض بالجرائد وأرصص أطباق الطعام موزعاً جراية الخبز الميري على الزملاء لنغمسه في أطباق الفول والعدس المغرقة ليموناً وبهاراتٍ لنضيف لها أي طعم.

لا أصدق أني هنا، ثم أنتقل بنفس الشدة لعدم تصديق أني كنت هناك. كنت معهم وبينهم، وفي لحظة لم أعد.

لا أعلم إن كنت سأتجاوز متلازمة الناجي تلك يوماً، لأنني حتى اليوم لا أستوعب: كيف يستمر الزمن في المضي؟ كيف نعيش، نتنفس، بل نضحك، وهم هناك خلف الأسوار؟

أتخيل أخي وصديقي الأقرب أيمن موسى الآن، وهو يمضي هذا العيد عامه الثامن في السجن، وحيداً بعد فراقنا لا يجد من يشاركه في السخرية من الهم والاستهزاء به حتى يهون.

أفتح آخر جواب استطاع إرساله من شهور، أقرأ كلماته الموجعة:

"واحشني جداً. أنا مبقتش عارف أتعامل مع الناس. حاسس إني حواليا فضائيين، أو الأصح، إن أنا اللي فضائي".

أغلق الجواب وأردد مع بابلو 

"ما فى حيلة بالايد

قوللى نشكي لمين

سنين هتيجي

سنين فاتوا

والأيام بيتعادوا

 

(*) – اقتباس بتصرف عن مقولة شعيرة للبابا شنودة الثالث: "مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا".


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard