"أنتظر لأنتقم من اللبنانيين"... صراع شباب المناطق المهمّشة

الجمعة 30 يوليو 202110:40 ص

يبدو أنّ الشعور بالتهديد والخوف من الآخر ظاهرة عامة لدى الشباب في المجموعات المهمشة في لبنان، والتي تشمل الجنسيات الثلاث: اللبنانية، السورية والفلسطينية. وهو ما ظهر في حلقة بعنوان "الهوية بوجهين: عنصرية أو وصمة"، أقامها معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة في الجامعة الأميركية في بيروت، تناولت ماهيّة الهويّة عند الشباب، بناءً على نتائج الدراسة التي قامت بها الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، تحت إشراف عدنان الأمين، عن الشباب في المناطق المهمّشة في لبنان، والتي امتدت على مدى ثلاث سنوات (2018-2021).

تناولت مجموعة دراسات عُرضت خلال حلقة "الهوية بوجهين: عنصرية أو وصمة"، شعور الشباب في المناطق المهمّشة الدائم بالتهديد. كما عرضت الدراسات أنواع التهديد، والجهات المهدِّدة، وسبل مواجهة التهديدات، ونظرة الشباب إلى الآخر اللبناني، السوري أو الفلسطيني. وكانت نتائج الدراسات لافتة فيما رصدته من شعور عال بالتهديد، تعيشه الجنسيات الثلاث تجاه بعضها البعض في مناطق التهميش.

مصدر هذه الإحصائيات دراسة أعدّها عدنان الأمين بعنوان "الشعور بالتهديد وصورة الآخر في المجتمعات المهمّشة، دراسة مقارنة" 

الشباب السوريون: بين قوة الوصمة والبحث عن سبل الحماية

فيما يخصّ الشباب السوريين، كان من اللافت ظهور شعور عال بالتهديد لدى أغلبهم، حتّى أنّ بعضهم أكّدوا أنهم يشعرون بالتهديد في كل لحظة، حتى وهم نائمون.

وتوزّعت التهديدات، بحسب دراسة لغادة جوني بعنوان "الشباب في التجمعات السورية بين قوة الوصمة والبحث عن سبل الحماية"، إلى قسمين: التهديدات الفردية والاجتماعية.

في شق التهديدات الفردية، ذكرت جوني أنّ الشابات تحدثن حصراً عن التحرّش والمضايقة، ومن الشهادات: "عندما كنت في الصف التاسع تحرّش الأستاذ بي"، "ابن خالي تعرّض للضرب الشديد من لبنانيين تحرّشوا به فقط لأنه سوري". واللافت هنا أن الكلام عن التحرّش الخاص بالسوريين الذكور أتى على لسان الشابات السوريات حصراً.

يشعر الفلسطينيون أن الشباب اللبنانيين ينظرون إليهم بفوقية في حين أنّ الشباب الفلسطينيين ينظرون إلى السوريين بفوقية، نسبة لفكرة تمايز الفلسطينين عن السوريين بمسألة الزواج المبكر وتربية الأطفال وقضايا المرأة

وفي مقابل التهديدات الفردية، برزت التهديدات الاجتماعية التي تضمّنت: غياب الأمن (نخاف أن يتسلط أحد على المخيم ويحرقه ونحن نائمون)، الوضع الاقتصادي (التهديد الأكبر هو الفقر)، الخوف من الجيران اللبنانيين (جارنا اللبناني أقفل طريق المخيم بسبب النفايات المتراكمة في قناة مياه واتهمنا بأننا من نرمي النفايات فيها، وهذا ليس صحيحاً، وأجبرنا على تنظيفها).

أما لجهة التهديد الفردي، بحسب جوني، فانحصر أغلبها في كلّ من: صاحب المنزل أو الأرض، رب العمل، اللبنانيين، الأساتذة في المدارس، والجيران. في حين أنّ جهات التهديد الاجتماعي ضمّت كل من: سكان الحي أو المحيط، عصابات "الزعران اللبنانيين" -كما وردت في الدراسةـ، جهات سياسية (حزب الله وحركة أمل بشكل خاص، المتواجدان في أغلب المناطق التي يسكنها السوريون)، والقوى الأمنية اللبنانية.

وفي الحديث عن التهديد، ذكر السوريون من الأساليب التي يواجهون بها التهديد: تنظيم مجموعات مواجهة، مواجهة المهدِّد نفسه (قال أحدهم: أنا أنتظر حتى نعود إلى سوريا لأنتقم من اللبنانيين)، الاستسلام وتجنّب المشاكل، تقديم شكوى للجهات المختصة (مفوضية شؤون اللاجئين).

وبالنسبة لموقف السوريين من اللبنانيين: فكان لـ17 مجموعة من أصل 48 موقف سلبي. في حين أنّ 4 مجموعات من أصل 48 فقط كان لدى أكثرية مشاركيها موقف إيجابي.

وعن مسوّغات الموقف السلبي برز كل من التمييز والعنصرية (رفض عائلة لبنانية تزويج ابنتهم لأخيه بسبب نظرتهم الدونية للسوريين)، سوء المعاملة (أولاد رب العمل يعاملوننا كعبيد)، الشعور بعبء النزوح (نتعرّض للاتهام الدائم بأننا أخذنا أشغالهم وأفقرناهم)، أسباب سياسية وأمنية.

الشباب اللبناني والتهديد الهوياتي

فيما خصّ الشباب اللبناني، بدا أنّ أغلبية الشباب يشعرون بالتهديد الهوياتي الجماعاتي، وهو تهديد يظهر شعور "نحن" مقابل الآخر "هم"، كجماعة طائفية أو سياسية أو حزبية أو دينية، بحسب ما ظهر في دراسة لماريز يونس بعنوان "الشباب اللبناني في البيئات المهمّشة: هم ونحن". هذا الشعور القوي بالتهديد ظهر نحو الآخر اللبناني وامتدّ نحو الآخر السوري والفلسطيني.

بحسب يونس، "نحن" عند الشباب لا تعني "نحن الشباب" بل تعني "نحن الجماعة"،  و"هم" عند الشباب لا تعني السلطة السياسية أو الاجتماعية بل تعني الجماعة الأخرى. ويرتبط بتصوّر الـ"نحن" الشعور بقوة الجماعة أحياناً أو الشعور بضعفها وقلة حيلتها (نحن جماعتنا المستضعفين وهم الأقوياء).

وعن ميل الشباب اللبناني إلى مواجهة التهديدات، لاحظت يونس أنّ هذا الميل ينعكس في استعداد الشباب اللبناني للدخول في مواجهات على أساس صراعات أو نزاعات طائفية، سياسية، مناطقية أو أيديولوجية. أمّا شعور التهديد الفردي فبدا هامشياً في أحاديث الشباب ومعظمه كان له طابع جندري، كالتحرّش والابتزاز.

يشعر الفلسطينيون بتهديد الجماعات والأحزاب بالدرجة الأولى، فيما يشعر اللبنانيون بتهديد العصابات والزعران. أمّا السوريون فيشعرون بالتهديد بشكل أساسي من الدولة

وعن نظرة الشباب اللبناني إلى الآخر السوري، بدا جلياً، بحسب يونس، طغيان النظرة السلبية للشباب اللبناني تجاه السوريين بجانبها العنصري الاجتماعي، بما تضمنته من تنميط وتمييز ونظرة دونية، وهو ما انسحب أحياناً على موقفهم الإيجابي الذي طغت عليه الشفقة التي ظهرت مع تكرار كلمة "معترين".

أماّ عن نظرة الشباب اللبناني في البيئات المهمّشة إلى الفلسطينيين، فيُظهر البحث أنّها مختلفة تماماً عن نظرتهم إلى السوريين.

فنظرة الشباب اللبناني للشباب الفلسطيني طغت عليها الإيجابية، وهو ما يُعزى إلى تضامن اللبنانيين مع القضية الفلسطينية ومقاومتهم للعدو الصهيوني التي عكست الكثير من معاني الاحترام والتقدير، إضافةً إلى اندماجهم مع المجتمع اللبناني وتشكيل علاقات مصاهرة وصداقة مع اللبنانيين.

مصدر هذه الإحصائيات دراسة أعدّها عدنان الأمين بعنوان "الشعور بالتهديد وصورة الآخر في المجتمعات المهمّشة، دراسة مقارنة"

التهديدات قضية مركزية في البيئة المهمّشة للشباب الفلسطينيين

من اللافت فيما يخصّ الشباب الفلسطيني أيضاً أنّ أغلبهم يعيشون في بيئة قلق وتهديد من اللبنانيين والسوريين، بحسب دراسة لكمال أبو شديد بعنوان "التهديدات قضية مركزية في البيئة المهمّشة للشباب الفلسطينيين"، ظهر فيها أنّ اللبنانيين يميزون ضد الفلسطينيين على كافة المستويات، أما السوريون فهم مصدر تهديد اقتصادي ومصدر تهديد للعادات والتقاليد الفلسطينية. وكان لافتاً أنّ نظرة الفلسطينين كانت أكثر إيجابية نحو اللبنانيين من السوريين.

قال أحد السوريين: "أنا أنتظر حتى نعود إلى سوريا لأنتقم من اللبنانيين"

وعن أبرز أسباب النظرة السلبية، بحسب ما وصل إليه أبو شديد: الاختلاف الاجتماعي والتقاليد السيئة (قال أحد الشباب الفلسطينيين: لا أحبهم. أثّروا بأفكارهم وطريقة عيشهم على مجتمعنا في المخيّم. صاروا العالم يزوجوا بناتهم زواج مبكر متلهم)، التمييز والعنصرية (أم سورية كانت تقول لابنها: ما تلعب مع الفلسطينية)، السمعة السيئة للسوريين في أوساط المخيمات (السوريون عملوا أشياء فظيعة مثل الاغتصاب، كما أنهم قليلي الأدب والأخلاق).

شعور بالتهديد وصورة الآخر في المجتمعات المهمّشة، دراسة مقارنة

يبدو أنّ الشعور بالتهديد والخوف من الآخر ظاهرة عامّة لدى الشباب في المجموعات المهمّشة التي تشمل الجنسيات الثلاث: اللبنانية، السورية والفلسطينية (81.6% من الشباب يشعرون بالتهديد)، في حين أن السوريين هم أكثر مجموعة شعرت بالتهديد (97.9% من السوريين يشعرون بالتهديد)، وهو ما ظهر في دراسة أعدّها عدنان الأمين بعنوان "الشعور بالتهديد وصورة الآخر في المجتمعات المهمّشة، دراسة مقارنة".

"جارنا اللبناني أقفل طريق المخيم بسبب النفايات المتراكمة في قناة مياه واتهمنا بأننا من نرمي النفايات فيها، وهذا ليس صحيحاً وأجبرنا على تنظيفها"، شاب سوري

كما أظهرت الدراسة أنّ بعض المخاوف طابعها فردي، إلّا أنّ أغلبية المخاوف طابعها اجتماعي (الأحداث الأمنية، السلاح المتفلّت، التهديدات السياسية، والعنصرية). وكان لافتاً أنّ الفلسطينيين يشعرون بتهديد الجماعات والأحزاب بالدرجة الأولى، فيما يشعر اللبنانيون بتهديد العصابات والزعران. أمّا السوريون فيشعرون بالتهديد بشكل أساسي من الدولة اللبنانية بسبب ملاحقة المخالفين.

مصدر هذه الإحصائيات دراسة أعدّها عدنان الأمين بعنوان "الشعور بالتهديد وصورة الآخر في المجتمعات المهمّشة، دراسة مقارنة" 

كما وجد عدنان الأمين أنّ نصف الشباب اللبنانيين والفلسطينيين مستعدون للمواجهة، أما خيار اللا مواجهة فكان حاضراً عند السوريين بشكل أساسي.

وعن أهمّ معالم النظرة إلى الآخر، أظهرت الإحصاءات أنّ اللبنانيين ينظرون إلى الفلسطينيين نظرة إيجابية في حين طغت النظرة السلبية للسوريين عند اللبنانيين.

أمّا الفلسطينيون فينظرون بأغلبهم نظرة إيجابية إلى اللبنانيين، وينظرون إلى السوريين نظرة أغلبها سلبية. والسوريون في المقابل ينظرون إلى اللبنانيين نظرة سلبية وينظرون إلى الفلسطينيين نظرة إيجابية.

فالنظرة إلى السوريين أتت سلبية من الطرفين. أمّا النظرة إلى الفلسطينيين فأتت إيجابية من الطرفين، اللبناني والسوري. فيما جاءت النظرة إلى اللبنانيين مضطربة بين نظرة إيجابية من الفلسطينيين ونظرة سلبية من السوريين.

استخدمت هذه الدراسات "نظرة سلبية" على النحو التالي:  الإشارة إلى "العنصرية" و"التنمر" في النظرة إلى اللبنانيين، ووردت فكرة "أخذ فرص العمل"  و"تشكيل عبء على الاقتصاد اللبناني"، والاتهام بـ"النفاق" و"أخذ المساعدات المالية"، في الموقف تجاه السوريين. فيما أظهرت الدراسة أنّ أبرز أسباب النظرة السلبية إلى الفلسطينيين هي: شعور اللبنانين بشكل أساسي بـ"وجوب رحيلهم من البلاد"، وشعور السوريين بأن الفلسطينيين "متحيزون" ولا يحبونهم.

الشباب في المجموعات المهمّشة في لبنان مشدودون بصورة ساحقة نحو الهوية الجماعية، وهذه ليست هوية "طبقية"، أي ناتجة عن وضعية التهميش، بل هي هوية مرتبطة بالانقسامات اللبنانية المعروفة ومعززة بهوية تقوم على الجنسية تتبادلها مع الجنسيتين الفلسطينية والسورية

كما أظهرت الدراسة أنّ الشباب في المجموعات المهمّشة في لبنان مشدودون بصورة ساحقة نحو الهوية الجماعية، وهذه ليست هوية "طبقية"، أي ناتجة عن وضعية التهميش الاجتماعي الذي تعيشه المجموعات السكنية الثلاث، بحسب الأمين، بل هي هوية مرتبطة بالانقسامات اللبنانية المعروفة ومعززة بهوية تقوم على الجنسية تتبادلها مع الجنسيتين الفلسطينية والسورية.

وعن صورة الآخر، قال الأمين إنّها "أتت في جزء منها منمّطة وفي جزء آخر حقيقية، ولا نعرف بأي مقدار لكل منهما. لكن نعرف أنّ الصورة أظهرت عنصرية من اللبنانيين تجاه السوريين والفلسطينيين وعنصرية الفلسطينيين تجاه السوريين. ونتعرّف في الوقت نفسه وفي الصورة نفسها على التهديد الذي يشكّله السوري على الفلسطيني واللبناني، والتهديد الذي يشكله الفلسطيني على اللبناني".

وفي الختام، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن النتائج التي قدمتها الأبحاث تعتمد على عينة من المناطق المهمشة، وتبحث في محور محدد. كما أن الإحصائيات في هذه الدراسات لا تلتفت للممارسات الاجتماعية الأوسع التي قد تشمل حالات تعاضد وتواصل مختلفة بين المجموعات، والتي قد تعتمد على القناعات والمواقف الشخصية خارج إطار "الجماعة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard