"الشربوت".. نَبيذُ السودانيين في عيد الأضحى

الأحد 18 يوليو 202109:00 م
Read in English:

Sharbot - Sudan’s “Almost Wine”

على وقع تَرنم المادح السماني أحمد، في إنشاده لقصيدة الشاعر المتصوف عبدالرحيم البرعي اليماني "يا راحلين إلى منى بقيادي، هيجتمو يوم الرحيل فؤادي".

 يبدأ السودانيون وسط هذه الأجواء من الشجون والحنين، استعداداتهم لعيد الأضحى بأنماط لا تخلو من فرادة وتميز، كتجهيز مشروب "الشربوت"، وهو عبارة عن نبيذ بلدي مُتوارث، يرتبط عادة بالمناسبات التي تُذبح فيها الخراف، كمناسبات الزواج وذبح العقيقة، إضافة إلى انتشاره الواسع في عيد الأضحى.

أنواع "الشربوت"

ثمة أنواع مختلفة من "الشربوت" فإما أن يتم إعداده من التمر وهو الأشهر، أو من الذرة الرفيعة التي تسمى في السودان "العيش" أو من السمسم المطحون أو من الكركدي، بحسب المنطقة وأبرز المحاصيل المتوفرة فيها. ففي شمال السودان تنتشر أشجار النخيل، وفي الوسط والشرق يتوفر الكركدي، بينما يزدهر محصول السمسم في منطقتي شمال كردفان والقضارف، في حين يعتمد سكان دارفور وجنوب كردفان على الذرة الرفيعة بشكل كبير في غذائهم.

طريقة إعداد الشربوت سهلة، يوضع التمر في إناء قبل سَكب ماء ساخن عليه، لتضاف إليه البهارات مثل الهيل والقرفة والزنجبيل، وقد تتم إضافة القليل من التمر الهندي والكركدي والزبيب، ثم يترك الإناء لمدة يوم أو يومين، ثم تُضاف إليه الخميرة عند تصفيته، ثم يُوضع المشروب في الثلاجة، التي تحافظ بدورها على درجة التخمير المطلوبة له. وتختلف قليلاً المكونات بين أنواع "الشربوت"، فالسُكَر لا يضاف إلى التمر، بينما تتم إضافته في الأنواع الأخرى كالسمسم والكركدي والذرة الرفيعة.

ويتمايز المشروب بين صانع وآخر، وفقاً لدرجة التخمير المرتبطة بطريقة عمله، فكلما تُرك المشروب قبل تصفيته لفترة أطول زادت درجة تخميره، علاوة على المقدار الذي توضع به الخميرة، أو من خلال الإكثار من الزبيب، أو بإضافة عصير العنب أو التفاح فيه.

للخَمرُ ارتباط وثيق بالثقافة الاجتماعية في السودان. وتنتشر الخمور البلدية مثل "العرق" الذي يُصنع من التمر أو من الجوافة، و"المريسة" التي تُصنع من الذرة الرفيعة

"الشربوت" في عيد الأضحى

يحرص السودانيون بشدة على ذبح الأضاحي، وفي الغالب الأعم تُذبح الخراف من دون غيرها، فهذا هو الموضوع الأساس الذي يدور حوله العيد في أرجاء السودان. وبما أن السودانيين عادة يعيشون في ظل الأسر الممتدة؛ لاسيما في الريف. أو تقضي الأسر الصغيرة داخل المدن العيد مع بعضها في بيت الأب أو الجد، فإن ذبح الأضاحي يستمر طيلة أيام العيد، وتنتقل الولائم خلاله من بيت لآخر، وهنا تظهر القيمة الأساسية لـ "الشربوت" بوصفه مشروباً يساعد على هضم الكميات الكبيرة من اللحوم التي يتم تناولها، كما أنه يضفي أجواءً خاصة بحضوره، فكل صانعة أو صانع له يحاول إبراز قدرته على تقديمه بأفضل مذاق، والتباهي بخبرته في صناعته. فمن خلال المعايدات في العيد، وبعد الولائم، يقدم أصحاب البيت "الشربوت" لضيوفهم حتى يتذوقوا مشروبهم، بل حتى الضيوف يأتوا إلى الولائم حاملين معهم ما صنعوه من "الشربوت"، ومتباهين به، ومؤخراً امتد ذلك التباهي إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بتصوير مراحل إعداده، والحديث عن مكوناته، ودعوة كل شخص لأصدقائه إلى تناول "الشربوت" المعدُّ في بيته.

الخَمرُ في الثقافة السودانية

للخَمرُ ارتباط وثيق بالثقافة الاجتماعية في السودان، فالخمور البلدية مثل "العرق" الذي يُصنع من التمر أو من الجوافة، و"المريسة" التي تُصنع من الذرة الرفيعة، تنتشر في كل أرجاء السودان، حيث يتردد العديد من السودانيين إلى الخَمارات البلدية التي يطلق عليها "الإندايات" ومفردها "إنداية"، والتي شكلت حضوراً بالتوازي مع البارات الحديثة حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، حينما دخل السودان في زمن الإسلام السياسي، أواخر عهد الرئيس الراحل جعفر نميري. ومع تزايد سطوة الإسلام السياسي في بداية الثمانينيات، وعقب صدور قوانين أيلول / سبتمبر 1983، جرى إغلاق البارات ومنع الخمور نهائياً في السودان، وظلت السلطة تلاحق "الإندايات" البلدية، لكنها لم تستطع القضاء عليها نتيجة لارتباطها ببنية اجتماعية متكاملة، وصحيحٌ أن ثقافة شُرب الخَمر بدأت تتغير تدريجياً باتجاه التخلي عنها وتحريمها، وأصبحت الأسر المحافظة ترفضها تماماً، غير أن هناك العديد من القبائل في مناطق مختلفة من السودان، لا تزال متمسكة بشرب "المريسة" كجزء أصيل من ثقافتها، ومازال التردد على "الاندايات" جزء من نمط حياة البعض في المدن.

 يقول الكاتب والروائي عبدالله الشيخ، لرصيف 22 "يمكن النظر للمَحكيات ‘ التراث الشفاهي’ التي موضوعها الخمر، كأمثلة دالة على سيادة التسامح الدِّيني في مجتمع السودان> فالنخب الصوفية بدأت بانتشال الناس من الركون للخمر، بأن جعلوا من المريسة بوابة للانغماس في سُكر روحي، فقد أدرك الصوفية أن ظرفهم التاريخي لا يقبل التنطع الفقهي، فحرصوا على الهداية الروحية، بدلاً من التلويح بالعقوبة الحسية، ولم يكن تطبيق الحد على الشارب هماً يشغل الحكام ولا حتى الفقهاء".

وأشار إلى أن بعض المشايخ يعتبر "المريسة" ليست خمراً محرماً، وأن شربها وصبّها على قبر الولي أمر جائز شرعاً، وكان صب "المريسة" على القبر فعلاً لا غبار عليه، وهو خبر دُون في كتاب "طبقات ود ضيف الله في خصوص أولياء و صالحين و علماء و شعراء السودان"، عن أحوال مدينة دنقلا، من جملة أخبار تحتوي شذراً من طقوس الدفن في حضاري وادي النيل. حيث كان من عادة الأسلاف إطعام الأرواح، كما كان من عادة إحدى بائعات المريسة في منطقة العيلفون شرقي مدينة الخرطوم، الاستنجاد بأحد الأولياء لمساعدتها في بيع خمرها، وحينما يجتمع عندها الناس، تَفتح من المريسة ملء قدر تُسقيهم إياه مجاناً، تصدقاً على روح ذلك الولي الصالح، وذلك حسب رواية المؤرخ اللبناني نعوم شقير.

وأضاف أن بعض الخلاوي في غرب السودان تتعارف على تسميه "مريسة ختمة القرآن" التي يشربها المشايخ وطلابهم، ومثل ذلك تناول "الشربوت" في الأعياد الدينية.

 أن بعض المشايخ يعتبر "المريسة" ليست خمراً محرماً، وأن شربها وصبّها على قبر الولي أمر جائز شرعاً

الشربوت و"السُكر"

ليس بالضرورة أن يكون الغرض من شرب "الشربوت" في مناسبات كعيد الأضحى السُكر، فالكثير من الأسر تشرب ما تعتبره "شربوت حلال"، بيد أن المستتر في موضوع "الشربوت" أنه يمثل للعديد من السودانيين أشواقهم في التعاطي الحُر والمباح اجتماعياً من الخمر من دون قيود أو تخوف من وصمة ما تنال من قدرهم وسط الناس، كما أن العديد من الأسر تتغاضى عن تعاطي أبناءها خلال العيد لـ "شربوت" قد يصل درجة تخمره إلى السُكر، بل لا يخلو الأمر من فكاهة وتندر بين الناس، حينما يَشرب أحد "الشربوت" عند آخر، في إطار المشاركة والمجاملة العادية، ويصاب بعدها بالسكر والدوران، من ثَمَّ فإن لهذا المشروب قصص وحكايات تمتد ولا تنتهي بين السودانيين.    

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard