الأكثر ترجيحاً أنها جاءت من السودان... الأصل التاريخي لـ"الزغرودة" وأسرارها

الأربعاء 6 يناير 202102:43 م

حركة لولبية تقوم بها المرأة بتحريك اللسان فيعلو صوتها ويسمعها القريب والبعيد، وعادة ما تكون "الزغرودة" في المناسبات السعيدة. سهولة الفعل جعلت سؤال من أين جاءت الزغرودة بديهياً إلى درجة عدم طرحه بشكل مباشر، واعتيادنا التاريخي على هذه الحركة أنسانا السؤال ربما عن معناها الفعلي وسياقاتها. 

معنى الكلمة وأشكالها المختلفة

الكلمة مشتقة من الفعل "زغرد"، وهو أن ترفع النساء أصواتهن في المناسبات المختلفة. وتعني كذلك الحنجرة، حيث تنتج عن ترديد الصوت في الحلق عبر حركات معينة.

والزغرودة لها أسماء مختلفة، فيُقال عنها أيضاً "الزغروطة"، و"الهلهولة"، و"اليباب" و"الغطرفة"، كما هو معروف في دول الخليج العربي، وفي الشام يُطلق عليها "المهاهاة"، وتعني المباركة وتشتق من الفعل "هأهأ"، ومعناه الدعاء أو الزجر، وفي المغرب العربي يُطلَق عليها "التزغريطة".

يذكر الباحث السوري محمد خالد رمضان، في كتابه "دراسات في الزغرودة الشعبية" الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2009، أن "الزغرودة" في اللهجة العامية السورية يُطلق عليها "الزلغوطة"، وأن الفعل يحمل معاني ودلالات تؤثر على الكيان النفسي للفرد والجماعة. وتُستخدم في مناسبات مختلفة غير مترابطة.

ويذكر المؤرخ الفلسطيني سليم المبيض، من جهته، أن كلمة "مهاهاة" تُعبّر عن ذكاء النساء وكلمة "إيها" كلمة سريانية، أما كلمة "ليش" والتي تنتهي بها الزغرودة، فتعود إلى تقليد وثني قديم يتمثل بالغناء الجماعي للآلهة، طلباً للرحمة والنجاة ومنح السعادة.

وبحسب الكاتب والباحث السوري جورج كدر، فإن هناك تشابهاً يصل حد التطابق مع "لي لي ث" وهو اسم إحدى أقدم آلهات سورية، فـ"التضرعات التي وضعت لليليث كانت درءاً لشرها وقوتها التدميرية".

كما يُطلق على الزغرودة في الهند اسم "جوكار"، وهي إحدى الموروثات القديمة، ويعود أصلها لولاية بنغال، شرقي الهند، ويعتقد الهنود أن الزغرودة تعمل على طرد الطاقة السلبية من الجسم.

وفي كتاب "لسان العرب" لابن منظور، ذُكر عدد من الأسماء المختلفة لكلمة "زغرودة"، والتي تُردد في مختلف الدول ومنها:

"لولشة"، والكلمة من الفعل تُلولش، وتُستخدم في دول البحرين والكويت وقطر.

"توليلة"، وتُستخدم في الجزائر والكلمة من الفعل "ولول".

"صهيل"، ومشتقة من الفعل "صهل"، وتُستخدم في عمان، وأيضاً يُطلق عليها هناك "لبلبة".

وذُكر أيضاً في كتاب "قاموس اللهجة الحضرمية" لفهد أحمد بن هلالي اسم آخر للكلمة، وهو "تحيير" من الفعل "تحير"، وتُستخدم في دولة اليمن.

الأصل التاريخي للزغرودة

تتعدّد الأقاويل حول بداية ظهور الزغرودة، ويُرجّح عدد من الباحثين أنه لا توجد حقيقة مؤكدة حول ظهور الزغرودة، بينما يميل بعضهم لاتجاه دون الآخر.

ويعود الباحث في التراث الشعبي أيمن عثمان إلى أصل الزغرودة، في حديثه لرصيف22، قائلاً: "حتى الآن، لا توجد معلومة فاصلة حول الأصل التاريخي للزغرودة، لكن الزغرودة إفريقية ولها علاقة بالانتصارات، والرأي الأكثر ترجيحاً أنها جاءت من السودان وتحديداً من النوبة، حيث أن الزغرودة النوبية هي الأصلية وما دونها مجرد اجتهادات نسوية".

يضيف الباحث في التراث: "الزغرودة النوبية لا توجد بها حليات فهي تخرج بشكل محدد منذ سنوات، ولكن عندما وصلت الزغرودة إلى مصر ودول أخرى تم وضع بعض الحليات عليها وفقاً لعادة كل بلد، وبالتالي حدث تغيّر فيها، ومن المؤكد أيضاً أن الزغاريد انتقلت من خلال الغزوات والغجر، فالغجر وردوا لنا الزار وتستخدم فيه الزغروطة".

أما عن نسب الزغرودة للهند أو لعصر الجاهلية، فيوضح عثمان بالقول: "أيام الجاهلية كان التصفيق هو الغالب، وهناك عدد من الكتب التي تنسب الغجر للهند ولذلك تنسب لهم الزغرودة ولكن ذلك غير حقيقي".

يُقال عنها "الزغروطة" و"الهلهولة" و"اليباب" و"الغطرفة"، كما هو معروف في دول الخليج، وفي الشام يُطلق عليها "المهاهاة"، وفي المغرب "التزغريطة"... لا توجد معلومة حاسمة حول الأصل التاريخي للزغرودة، لكن الأكثر ترجيحاً أنها جاءت من السودان وتحديداً من النوبة

وتقول العاملة في ترميم التراث المسموع في التليفزيون ريم خيري شلبي، من جهتها، عن الزغرودة: "هي من الأصوات البدائية للإنسان قبل اختراع اللهجات التي بدأ يستخدمها الإنسان في التخاطب والتعبير عن نفسه، وكان ذلك عن طريق إخراج أصوات تشبه الصراخ للتعبير عن الخوف أو الاستغاثة. بدأ الأمر يتطور بين النساء للتعبير عن مشاعرهم في الوقت الذي يتم قمعهم فيه".

ريم صاحبة فرقة "عيصة" للتراث والفلكلور الشعبي، وتشرح في حديثها لرصيف22: "تطوّر الأمر بعد ذلك، إلى أن أصبحت النساء تتحكم في الصوت بتنغيمه عن طريق اللسان واستخدام كف اليد لتحديد ما إذا كان الصوت للعديد والاستغاثة أم هو تعبير عن الفرح. والزغرودة من العادات القديمة التي ترجع لقبائل الأمازيغ وقبائل إفريقيا، وتصاحبها أحياناً بعض الكلمات كما يحدث مع الشوام والفلسطينيين. وهناك بعض أنواع من الطيور لها نفس الصوت".

ليست للأفراح فقط

لا تستخدم الزغرودة في الأفراح والمناسبات السعيدة فقط، فأصبحت تطلقها النساء في مختلف المناسبات.

ويقول الباحث في التراث الشعبي والتاريخ مصطفى شريف في حديثه مع رصيف22: "الزغاريد أصبحت تطلقها النساء في حفلات الطهور وحين عودة الحاج وكذلك في مناسبات النجاح وأيضاً في حفلات الزواج وعندما يخرج قريب للمرأة من السجن أو المستشفى يمكنها أن تطلق الزغاريد فرحة به، كما أنها تطلق في الجنازات لو كان المتوفى شاباً أو اعتُبر شهيداً اعتقاداً أنه ذاهب إلى الجنة".

ويضيف باحث التراث: "الزغرودة ظاهرة صوتية دلالتها الفرح وموجودة في أكثر من حضارة، وتُستخدم في كل الأوساط فلا تقتصر على الأوساط الشعبية فقط، لكنها أيضاً مرتبطة بمناسبات الطبقة الراقية. والزغرودة في الجزيرة العربية مرتبطة بالتحفيز والحماسة ولذلك أقام محمد علي باشا حفلاً لابنه طوسون بعد وفاته في معركة".

يقول أستاذ التاريخ والمتخصص في العلاقة بين التاريخ والفلكلور عمرو منير عن الزغرودة لرصيف22: "زَغاريدُ النساء هي ترديد الصوت باللسان مُحدِثاً صَفيراً عالياً ذات طابع سحري لطرد الأرواح الشريرة، يعود بجذوره إلى أهم الآلهة المصرية القديمة التي أثّرت على كافة أنواع الفنون والحرف ذات الطابع السحري، بل من أهم الآلهة التي تركزت فيها القوى السحرية، الإله توت وهو إله صوت خالق، يخلق بمجرد صدوره ما ينطق به، وهو سر الكلمة أو الفهم، بل سيد الكتب بأسرها، وتُعاونه الإلهة إيزيس كإحدى الرسل العليمة بجميع الأسرار، والإله خنسو الذي ينفذ كافة الأصوات وترديده الصوت في حلقه، وهديره به ضمن الطقوس السحرية، والتعاويذ حسب ما يأمره توت وتعتبر الأصوات وطريقة ترديدها وإلقائها من الأصول المهمة التي تستند عليها الطقوس السحرية المصرية القديمة".

"الزغرودة النوبية لا توجد بها حليات فهي تخرج بشكل محدد منذ سنوات، ولكن عندما وصلت الزغرودة إلى مصر ودول أخرى تم وضع بعض الحليات عليها وفقاً لعادة كل بلد، وبالتالي حدث تغيّر فيها، ومن المؤكد أيضاً أن الزغاريد انتقلت من خلال الغزوات والغجر"

ويشرح الباحث في التاريخ والفلكلور: "توت في الديانات المصرية القديمة كان يُعد ساحراً، ويقوم سحره على إلمامه بالأثر الذي تُحدثه الأصوات على الأشياء، وعلى التحكم في إصدار تلك الأصوات بطريقة خاصة تجعلها نافذة فتتحكم في من توجه إليه، وقد تمكن توت عن طريق النطق أو بالأحرى نطق وإصدار الأصوات والأقسام والتعاويذ أن يخلق العالم، وهكذا كان لصوت توت قدرة التشكيل والخلق في وقت واحد، وهكذا يصبح نفث توت عنواناً له ذلك النفث الذي يخلق كل شيء بموجب إصداره على أساس تكرار الوحدة الصوتية عددًا من المرات تحقيقاً للعمل السحري".

يتحدث منير عن استخدام الزغاريد لطرد الشياطين، قائلاً: "في فنوننا الشعبية، في الوقت الحاضر، نسمع الزغاريد في طقوس الزار، والسبوع والولادة للإنسان والحيوان كما نجد الأجراس المعدنية مستخدمة كثيراً في لجام وسرج بعض الدواب لا سيما ما يجر منها العربات، حيث يمكن أن نستشف منها الغرض السحري الذي يهدف إلى طرد الأرواح أو الشياطين وكأن عكوساً تؤثر عليها، فلعل هذه الأسباب مجتمعة تحمل الرجل الشعبي على تزويدها ببعض الأجراس أو الأزرار والحليات النحاسية ذات الأصوات المتكررة التي تعتبر بمثابة دروع وقائية تحمي الدابة من الأرواح والشياطين. فمتى طردت هذه الأرواح وزال الأثر السيء المصاحب لها تنطلق الزغاريد".

وفي كتاب "المعتقدات الروحية في أفريقيا"، للكاتب المغربي عبد الله الساعدي، كانت النساء في المغرب تطلق ثلاث زغاريد عندما تلد المرأة ذكراً، بينما تطلق زغرودة واحدة عندما تلد أنثى.

وفي كتاب "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم – مصر بين 1833 و1835" للكاتب إدوارد وليام لاين، يذكر الكاتب أن الزغرودة كانت تستخدم في "الدوسة"، وذلك أثناء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وتحديداً عام 1834، في عهد محمد علي باشا، حيث كان شيخ الدراويش يتجه إلى المسجد على حصانه، بينما يصطف أكثر من 60 درويشاً على الأرض في حالة رقود، ويمر هو بحصانه من فوقهم وسط صيحات "الله أكبر"، ووقتها حسب رواية لاين يتعرض البعض لكسور في الذراع أو الساق، ولكن من ينجو تزغرد له النساء اعتقاداً منهن أنه نجا بحماية الله.

ظهورها في الأمثال الشعبية

استخدمت الزغرودة في عدد من الأمثال الشعبية المصرية والعربية، وعبّرت عن الأفراح والأحزان، وأيضاً كانت موضع سخرية من أوضاع اجتماعية.

ومن بين الأمثلة التي جاءت فيها الزغرودة، "الحزن يعلم البكاء والفرح يعلم الزغاريد"، ويُستخدم هذا المثل كدعوة للتفاؤل بأن من يحب الفرح سيلازمه طوال الوقت والعكس.

ومن الأمثلة الأخرى، "ألف دعوة ما مزّقت قميص، وألف زلغوطة ما جوّزت عريس"، ويدل هذا المثل اللبناني على أن الزغاريد ليست كافية ليتزوج الرجل.

"زغرطي يا اللي منتش غرمانة"، وهذا المثل المصري يسخر من المرء الذي يحصل على شيء بسهولة دون أي مجهود منه، و"الزغاريد أكثر من الكسكسي"، وهذا المثل التونسي يتحدث عن هؤلاء الأشخاص الذين يهتمون بالمظاهر فقط.

"كتيرة الزغاريد على راعي البقر"، وهذا المثل منتشر في السودان، ويُستخدم للإشارة على عدم استحقاق أحدهم لشيء ما.

وفي كتاب "الأمثال الشعبية" لأحمد تيمور باشا والصادر عام 1949، جاءت الأمثال الشعبية المصرية التي استخدمت كلمة زغرودة ومنها أيضاً "الزغاريد بالمحبة والنقوط بالغرض"، ويشير هذا المثل إلى أن هناك بعض الأمور نفعلها بالمحبة والبعض الآخر رغماً عنا مثل "النقوط"، وهو إعطاء المال في المناسبات. و"الزغاريد تبقى على رأس العروسة"، ويُقال للإشارة إلى القيام بفعل بعد فوات الأوان، ويستشهد بالعروسة التي يجب أن تطلق الزغاريد فقط عندما تستعد للعرس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard