لم يتردد في تقمص دور الأنثى لإدانة ختان النساء... ضياء حجازي منفيّ وطنه المسرح

الأحد 18 يوليو 202112:49 م

في عرض "هناء"، وهو مونودراما من تأليف وإخراج المسرحي العراقي ضياء حجازي تقارب نزف ختان الإناث، لا يتردد حجازي في أن يتقمص دور امرأة. انبثقت فكرة المسرحية خلال مؤتمر لمنظمة كردية سويدية تعنى بقضايا المرأة دُعي للمشاركة في أعماله، وخُصص للبحث في جرائم ختان البنات. شجاعة المخرج تشمل مواضيع عدة، فهو لا يتردد من خلال أعماله المسرحية، نصاً وتشخيصاً، في أن يلج أوجاع الأرواح والأقدار التي هشمتها الحروب والتهجير والاضطهاد، ليقارب قوارب الموت التي لم يكن البحر رحيماً بركابها من اللاجئين تارة، وفي ولوج أعماق نساء تقرحت أجسادهن وأرواحهن بالندوب، تارة أخرى.

تعددت اللغات والألم واحد

تنقّل المسرحي ضياء حجازي العراقي، والسويدي الجنسية، بين بلدان عدة من ضمنها سوريا، وروسيا، والسويد، ومؤخراً المغرب. وهو العابر المترحل بين الثقافات واللغات، وخازن حكايات المعذبين والمنفيين، كما في عرضي "جرح"، و"هناء". والعرض الأخير قدمه في مهرجانات عربية ودولية عدة، من ضمنها مهرجان المسرح العربي في الإسكندرية، حيث حصل على جائزة التحكيم.

وقال الفنان لرصيف22 إن فكرة عرض هناء انبثقت بعد اكتشاف حالات مورست في شمال العراق: "قمت أثناء المؤتمر بمفاجأة الجمهور بالشخصية، بعد أن رسمت خطوط الحكاية الأساسية، وبعض حواراتها. كان العرض ارتجالياً، وكان خياراً واعياً إذ أردته أن يكون تفاعلياً يتأسس على الاكتشاف والمشاركة، ويولد خلال اللقاء مع الجمهور. قدمت العرض باللغة السويدية، وكانت الحكاية فيه مكثفة جداً، ومتقشفة، ومتشظية، وصادمة، لأن هناء حسبما تخيلتها لحظة الكتابة، لم تكن قادرة على السرد المتسلسل والمسترسل بسبب ما تحمله من ندوب عميقة في جسدها وروحها وذاكرتها. كان العرض صادماً للجمهور الذي لم يكن يعرف أي شيء، لا عن العرض، ولا عني، ولا عن الحكاية. تحقق ما كنت أطمح إليه، وأثار جدلاً مهماً ومثمراً في نهاية المؤتمر. ولم يُعرض بعدها في السويد، ولكن التجربة تركت أثراً كبيراً في نفسي كمسرحي، وظل المشروع ينتظر فرصة كي يتطور".

يتقمص شخصيات نسائية ليندد بختان الإناث، وبأوضاع النساء الكارثية. المخرج المسرحي العراقي ضياء حجازي يحاول تقديم قصص قوية للتوعية بمشاكل اجتماعية

لم يتوقف المخرج المسرحي عند اللغة السويدية، بل قرر نقل مسرحيته إلى العربية، وجاءت الفرصة من خلال دعوته إلى المهرجان الدولي لمسارح الجامعات في أكادير. "قمت بكتابة العرض بالعربية، وطورت حكاية هناء، وقدمتها في المهرجان، ثم توالت العروض في الدار البيضاء، وضمن فعاليات ‘طنجة المشهدية’، وفي ‘مهرجان المسرح العربي’ في الإسكندرية، ثم في فضاء ‘مسرح الأكواريوم’ في الرباط، ومؤخراً في العاصمة ستوكهولم"، يقول حجازي.

وأضاف: "عمقت التحدي أكثر عندما قمت بكتابة ‘هناء’ بالعربية، وهو مشروع مختلف عن الكتابة باللغة السويدية، لذا أخترت لهجة بيضاء (هي اللهجة السورية المخففة). أقول دائماً حين أتحدث عن ‘هناء’ إن العرض مشروع مستمر، وحي، وقيد الكتابة، لذا تطور العرض، وتعلمت من ‘هناء’، وعنها، خلال العروض كلها التي قدمتها، وازددت معرفة بمعاناتها وألمها، وازددت شغفاً بهذه المرأة، وببوحها الموجع الذي أصريت على أن يحافظ على الهدوء، من خلال حشرجاتها التي تجبرها في أحيان كثيرة على الهمس، بدل الصراخ".


لا يتردد من خلال أعماله المسرحية، نصاً وتشخيصاً، في أن يلج أوجاع الأرواح والأقدار التي هشمتها الحروب والتهجير والاضطهاد 

وعن اختيار المونودراما يشرح: "ليست خياراً بالنسبة إلي، إنما أعدّها أحد حلول إشكالية الاشتغال المسرحي في المنفى، وهذا موضوع شائك ومعقد يصعب الخوض فيه في هذا السياق. لكن لتجربة ‘هناء’ خصوصية لأسباب عديدة، أهمها محاولة ولوج روح هذه المرأة التي عطب حياتها هذا العنف المتوحش الذي تمثّل في قطع جزء مهم وحميمي من جسدها في عملية ختان وحشية، وإذلالها من قبل أسرتها بتزويجها بعد ختانها، وهي صغيرة، ولم يكن في الحقيقة تحدياً لي كممثل يحاول أن يثبت قدرته على أداء شخصية امرأة. بل كان تحدياً لي كإنسان وفنان ورجل، لولوج ما تحت جلد هذه المرأة بوعي وحذر، والحفر في تلك الخزانة المظلمة والمقفلة التي تتشكل منها ذاكرتها".

وعن اختياره أداء أدوار نسائية يقول حجازي إن الفكرة الأساسية هي أنه على الرجال أن يحاولوا بوعي وبجدية أن يفهموا عوالم المرأة، "لأننا غالباً ما ندّعي هذا الفهم، ونفشل في أحيان كثيرة في فهم المرأة حتى في أبسط تفاصيل حياتنا المشتركة، بسياقاتها المختلفة كلها. إنه بالنسبة إليّ تمرين متواصل في محاولة لولوج ما تحت جلد المرأة، وخاصة في مجتمعاتنا التي تحكمها التابوهات".

أما العرض الآخر الذي أدى فيه شخصية امرأة، فهو عرض "جُرح"، وهو عرض ارتجالي في الهواء الطلق، كان العنف الأسري موضوعه الأساسي، وقال المسرحي لرصيف22: "قمت خلال هذا العرض بأداء شخصية زوج تقرر زوجته أخيراً أن تطرده من بيتها وحياتها، ويظهر الزوج أولاً في العرض، ثم يختفي لتظهر الزوجة، وتحكي عن إذلاله لها، وعن اللحظة التي قررت فيها أن تنتصر على ضعفها، لتعيش حرة، وينتهي العرض برقصها احتفالاً بهذه الحرية".

رجل المنافي وطنه المسرح

بعد رحلاته بين البلدان، انتهى المطاف بحجازي في المغرب كمحطة فنية، ومحل إقامة مؤقتة. ويرى المسرحي أن تجربة "المنافي" جزء خاص من تجربته المسرحية. فالبحث عن فضاءات جديدة للعمل فيها بالنسبة إليه هو جزء أساسي من رحلة الفنان المسرحي المنفي، بغض النظر عن البلد الذي يلجأ إليه، ويقول: "هذا الترحال الدائم بين البلدان، هو حركة فعلية تعبر عن حركة أخرى مهمة، هي الحركة بين الثقافات المختلفة. فالترحال الفعلي والفكري تجسيد لما في المنفى من قلق، وتشظٍ، وعدم استقرار، وهو من ناحية أخرى، تجسيد لفعل مقاومة لما يمكن أن يمثله المنفى من تهميش وإسكات، خاصة لمن غادر وطنه قسراً، بسبب الحروب والقمع والقهر. يشكل البحث عن فضاءات جديدة للشغل، جزءاً من سيرورة تهجين ثقافي يعيد من خلال التفاعل والتلاقح بين الثقافات واللغات إنتاج معانٍ جديدة لمفاهيم أساسية في حياة الإنسان عن الهوية والمكان والوطن".

في مسرحية "خازن معاطف العابرين" يكتب المسرحي ضياء حجازي عن قصص اللاجئين، هو الذي هرب من العراق إلى إيران، ثم سوريا، فروسيا، والسويد، والمغرب، ويملك في جعبته الكثير من قصص الهجرة وآلامها

ويرى الفنان المسرحي أن "ما تتيحه الفضاءات المختلفة من معارف مسرحية جديدة، غاية تمنح الفنان حريته في الحركة التي تحوّل النفي من فعل موت إلى فعل حياة. الإقامة في المغرب جزء مهم وخلاق في سلسلة من الرحلات التي قمت بها بين العراق وسوريا وروسيا والسويد، وهي تشكل كلها زوادة أحاول استثمارها في كتابتي للمسرح، وعنه، وفي اشتغالي المسرحي الذي أعدّه وطناً حقيقياً، أو كما يقول المفكر المنفي تيودور أدورنو، ‘تصبح الكتابة وطناً لمن لا وطن له’. وهناك جانب مهم جداً يحثني على محاولة تمديد إقامتي في المغرب، وهو الثراء الثقافي والفني لهذا البلد الشاسع والمتنوع الثقافات، بالإضافة إلى جانب عاطفي يهمني جداً كإنسان وفنان، وهو طيبة وكرم أهل هذا البلد. والأصدقاء المسرحيون الذين أعتز بصداقتهم، يعرفون تماماً مدى امتناني للمحبة التي لقيتها ممن تعرفت إليهم كلهم، من جيران وأساتذة وزملاء دراسة وعمل".

خازن معاطف العابرين

يزاوج الفنان حجازي بين الممارسة والكتابة المسرحية، إذ صدرت له مسرحية "خازن معاطف العابرين" التي كتبها بالسويدية، وصدرت نسختها العربية عن منشورات "المركز الدولي لدراسات الفرجة طنجة-المغرب"، وهي مسرحية تتحدث عن هموم المهجرين قسراً من أوطانهم بسبب الحروب، أو الظلم، أو الحاجة. ويقول في هذا السياق: "كتبت نص ‘خازن معاطف العابرين’ باللغة السويدية، وقمت حينها بإرساله إلى بعض المخرجين والكتاب المسرحيين السويديين، وتلقيت العديد من الآراء الإيجابية، والملاحظات المهمة، التي استفدت منها في مشروع إعادة كتابة النص باللغة العربية، والذي استغرق سنتين لإتمامه. شكلت الكتابة باللغتين رحلة مثمرة جداً بالنسبة إليّ كمسرحي يحاول استثمار خبرات جديدة منحني إياها ترحالي الدائم بين الثقافات واللغات المختلفة. وقد بدأت هذه الرحلة في مدينة كركوك، وهي المدينة العراقية ذات التنوع الثقافي الأكثر ثراء، إذ كنت خلال صباي أتحدث الكردية، والتركمانية، والآشورية، بالإضافة إلى العربية".

عَبَر حدود العراق أثناء الحرب مشياً على الأقدام متوجهاً إلى إيران، حيث كان طريق النجاة الوحيد من أهوال الحرب. اليوم يحكي قصص قوارب الموت، كما يلج أعماق نساء تقرّحت أجسادهن وأرواحهن بالندوب

بالنسبة إلى حجازي، كان موضوع رحلات اللجوء العسيرة حاضراً دائماً، ومنذ عبوره حدود العراق أثناء الحرب مشياً على الأقدام متوجهاً إلى إيران، حيث كان طريق النجاة الوحيد من أهوال الحرب التي دامت ثماني سنوات، رافقته قصص اللاجئين من إيران إلى سوريا وروسيا وصولاً إلى السويد، لأنها كانت دائماً رحلات لمجموعات كبيرة من البشر، ومنهم مئات الفنانين والأدباء العراقيين. وصل البعض من هؤلاء، وغاب آخرون لم يفلحوا في عبور الحدود، فاعتُقلوا، أو أُعدموا، أو ماتوا قهراً وجوعاً في محطات لم يكن أغلبها رحيماُ بهم.

ويقول عن هذه التجربة: "لطالما أنقذتني اللغات التي أتقنتها في رحلة الهجرة، من البطالة والجوع. بعد تعلمي الفارسية في إيران، درست اللغة السويدية، وعملت مترجماً وموجهاً اجتماعياً للاجئين الأحداث الذين وصلوا إلى السويد بأعداد كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فعرفت قصص هؤلاء الأحداث والأطفال الذين تركوا أسرهم، وغامروا في رحلات لجوء شاقة امتدت أحياناً لسنوات، بعد تزايد عدد رحلات اللجوء عبر البحار، والكوارث المتلاحقة لغرق الآلاف في ما سُمي بـ’قوارب الموت’".

انطلاقاً من هذه القصص، بدأ في كتابة النص المسرحي الذي يدور حول شخصية "هو" الذي يصل إلى حافة البحر، فيتحول إلى خازن وجامع لحكايات اللاجئين. ويشرح الكاتب المسرحي بأن هؤلاء المهاجرين في مسرحيته "يجبَرون في أغلب الأحيان على التخفف من معاطفهم وستراتهم، تاركين فيها رسائل أحبتهم، وأثلاماً من حكاياتهم قبل أن يركبوا البحر، آملين بالوصول آمنين إلى الضفة الأخرى. إنها رحلة داخل رحلة. إذ يرتحل 'هو' من خلال التداخل بين حكايته، وحكايات اللاجئين، فيتحرك بين الحاضر، على حافة بحر مجهول، والماضي القريب المثقل بدخان الحرب التي شوهت أعمار ملايين البشر في العراق ومصائرهم".

وبحسب الكاتب، فإن شخصية "هو" عالقة في المكان، ولم يعد يقوى على المضي إلى الأمام، لأنه لم يعد يؤمن بالنجاة من أشباح ذاكرته حين كان جندياً واضطر إلى ترميم جثث الجنود، ونقل أشلاء ما بقي منها لرميها في نهر دجلة.

هكذا تشكل حافة البحر إحدى الفضاءات البينية التي يعيد فيها المنفيون نسج حكاياتهم من خلال الارتحال الحر بين الحدود. وفي نص "خازن معاطف العابرين"، يقوم المسرحي، كما يؤكد، بتركيب أجناس وتقنيات أدبية وفنية مختلفة. إذ يحضر الشعر، والمونتاج السينمائي، والصور الفوتوغرافية، وأثلام من ذاكرة جمعية للعابرين كلهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard