وحيداً في القبو مع تمثال لعلي شري

الخميس 5 أغسطس 202111:03 ص

يقول الفنان اللبناني علي شري، في لقاء أجراه معه أرون سيزار و نشر في كتاب "أرض، نار، ماء" الصادر مؤخراً، أنه يختار القطع الأثرية (المزورة أو الحقيقية) التي يصنع منها أعماله، على أساس "الانبهار-fascination"، ذاك الشعور الذي يعتريه حين يشاهدها لأول مرة، ويضيف لاحقاً أنه يسعى حين "يجمعها" في منحوتة أو عمل واحد في سبيل عرضها إلى جعلها تقاوم "المتحفية".

بكلمات أخرى، تقاوم المكان الموضوعة فيه وحكايته، أي تحويلها إلى تهديد لنظام المتحف الرمزي والسردي، لتكون عتبة أو فتيلاً لتفكيك هذا النظام، وتهديد تماسكه والحكايات الوطنية والجمالية والثقافية التي يختزنها، وهذا حقيقة ما نلاحظه حين نشاهد منحوتاته في مختلف المتاحف الفرنسية والعالمية.

لكن، حين زيارة المعرض الفردي الأخير لشري في باريس، والذي استضافته صالة إيمان فارس، والمعنون بـ"عودة الوحش"، نلاحظ شأناً مختلفاً، ولا نتحدث عن كلّ الأعمال، بل منحوتة واحدة فقط، تلك التي "نشاهدها" حين نهبط درجاً إلى قبو مظلم في الصالة، يحوي تمثالاً واحداً باسم "Grafting1 "، مناراً وحده، ليستفز القشعريرة في الجسم ويستثير المسام رعباً إن نحن أطلنا التحديق به.

عند زيارة المعرض الفردي الأخير لعلي شري في باريس، نلاحظ شأناً مختلفاً حين نهبط درجاً إلى قبو مظلم في الصالة يحوي تمثالاً واحداً باسم "Grafting1 "، مناراً وحده. تمثال يستفز القشعريرة في الجسم ويستثير المسام رعباً إن أطلنا التحديق به

هناك صيغة طقوسية تتفعل حين نهبط القبو المظلم وكأننا نهبط كاتاكومب ما، لكن عوضاً عن العظام والقبور، نحدق بالتمثال/الوحش، دون أي دليل، هي وحشة فعلاً تلك التي تعتري الناظر، حسب الأصل اللغوي للكلمة، التي تشير إلى ما يخلو من البشر وما لا يُؤنِس.

لكن إحدى تنويعات جذر الكلمة أيضاً توحي بالفقد "موحش"، أي هناك من مضى ولا أثر له، في دليل على انقلاب في نظام الموجودات في المكان الموحش، وكأن هناك حنين للبشري الذي تلاشى، وهنا يتحوّل زائر الصالة (أو أنا كوني كنت الوحيد يومها) من مشاهد حذر، محايد، لا ينتمي إلى المكان، إلى متورط في مواجهة مع منحوتة شري، وإن تبنينا تأويلاً ساخراً يمكن القول إن شري نفسه "نام" حين وجد نفسه وحيداً في المتحف، كما نشاهد في فيلمه "SOMNICULUS" .

لكن، لا مكان للنوم أو الاستلقاء أو الاتكاء في القبو المظلم، وأنا المُشاهد الوحيد، أسعى للحفاظ على رصانتي وعدتي الفكرية، أراجع تاريخ الوحوش وتوظيفاتها السياسية والمعاني الثقافية للكلمة وأشكال ظهوره الوحش في تاريخ الفن، بل حاولت التحذلق أكثر، واستعدت مفهوم الجامع الفيتيشي الخاص بـوالتر بينجامين، وفوراً لمعت فكرة مفادها، أن شري تجاوز هذه الممارسة "العنيفة" و"الكولونيالية"، فهو "يجمع" و"يجمّع" القطع ذات الأصول المختلفة، ويعيد تكوينها، ناسفاً "حكاية" الجامع المتخيلة، لكن في ظلام القبو، لا أعمال مجاورة ولا يمكن تبين أصل القطع التي تكوّن التمثال، عداك عن ياقة المسامير المخيفة التي تحيط برأس المنحوتة وتصل الرأس مع الجذع.

أقف في الظلام بمواجهة "الوحش"، ذاك الذي "يقاوم" تأويلاتي وحذلقاتي، بل وحين حاولت لمسه لم يقع، ولم يتهدد بالانهيار، لم يكن بالهشاشة التي يوحي بها.

تقاوم منحوتة شري "البنية"، أي النظام الذي يمكن أن يتولد ويخلق تمايزاً في الأدوار بين الناظر وبين العمل الفني ومقاومة البنية هذه تهدد الناظر نفسه، إذ "يستوحش" ولا يجد لنفسه مكاناً واضحاً

حسناً إذن، أعيد النظر في أدواتي الفكرية، أكتب عن تقنية الكولاج؟ عن كائنات ما بعد الحرب؟ عن جماليات الحطام وإعادة تشكيله وتجربة الحرب الأهلية وأثرها على الفنان اللبناني؟ كل هذا مشروح في الكتاب المذكور في بداية المقال ولا داعي لتكراره، خصوصاً أن شري واع بدقة لمكان أعماله، سواء كنا نتحدث مجازياً (أي ضمن تاريخ الفن الأوروبي والعربي)، أو واقعياً (موضع كل منحوتة ومعنى هذا المكان وعلاقتها مع الناظر)، يبق السؤال، أين أقف أنا إذن؟

يحدّق التمثال بالزائر، لكن لا أحد في الظلام إلا أنا، فالمكان الموحش ظهر فيه "إنسان" فجأة، خالقاً بعض الوهم بالألفة، لكن، كما أحدق أنا فيه متعالياً، هو يحدق عميقاً بي، أنا مرآته، فتشتد القشعريرة في جلدي، وأحاول إنقاذ ما تبقى لدي من رصانة بجعل نفسي مركز الحكاية، أنقل "القراءة" إلى مساحة المتلقي وتاريخه الشخصي، فلا التمثال ولا المعرض ولا شري يريد أن يستقيم في بنية محددة.

فأتذكر، متحسساً غروري، أن واحداً من معاني اسمي هو "الجن إن خالط الإنس"، voila، هنا مهرب آخر، إن كان ذاك الذي يحدق بي وحشاً، فأنا جني تنازل حتى صار بشراً، (طبعا هذ تفسير تافه ومقارنة مبتذلة لا تفضي إلى شيء).

استذكر فيلماً لشري بعنوان" الحفّار"، نتعرّف فيه على حفار قبور يحرس قبوراً خالية في مدينة موتى مهجورة في أطراف الشارقة. ماذا لو أن القبو قبر فارغ، وأنا هبطت فيه، وعوض موتي وجدت ما وجدت، تمثالاً يحدق بي، لا أعلم أصله ولا مصدره، عارياً من أي حكاية قادرة على ضبط تلك "الأجزاء" في "كلٍّ" واحد قادر على تأكيد الاختلاف بيني وبين الحجر، ووضع خط فاصل بين حياتي وحيوات أجزائه.

التوتر بين ما نراه وما نتوقعه هو ما يخلق المتعة (والرعب) عند التحديق بأعمال علي شري، تاريخ الحطام والعنف الذي تختزنه لا يعدُ بـبنية أو نظام ما، حتى بعد قراءة كتاب "أرض، نار، ماء"، والاطلاع على تاريخ شري الفني، يبقى هناك ما هو معلّق وعصي على الاكتمال والانغلاق

تقاوم منحوتة شري "البنية"، أي النظام الذي يمكن أن يتولد ويخلق تمايزاً في الأدوار بيني وبين العمل الفني، لأن لو حصل هذا التمايز، لوجدت لنفسي دوراً أو مكاناً (وضعية) أقوم منه بالتأويل أو القراءة أو التحديق، كحالة المحب أو الخائف أو الهارب أو الفريسة، كل واحدة من هذه الوضعيات تفترض بنية يستطيع المرء أن يجد نفسه بها ويضبط حدود دوره وعلاقته مع الموجودات.

لكن في حالة شري، مقاومة البنية هذه تهدد الناظر نفسه، إذ "يستوحش" ولا يجد لنفسه مكاناً، يصف طارق العريس، في نصٍّ في الكتاب السابق، أعمال شري بوصفها رهان على الفرد الـintranquille، القلق ربما، الحائر دون مكان لليقين، الناجي من الحروب والشاهد على الخراب.

هل أسأل "من أين عاد الوحش؟" في تحوير لعنوان المعرض، أيضاً لا، مقاربة مدرسية ستنتهي بتوصيف الواقع السياسي في الشرق الأوسط، ولن تجيب عن السؤال الجمالي، هل أطرح سؤال أين الفنان؟ وأقصد هنا مقاربة لطبيعة عمل شري وأسلوب الكولاج، والعلاقة بين الأصل والنسخة والماضي والحاضر وغيرها من قراءة ما بعد البنيوية؟ أيضاً لا ، هذا مهرب سهل من حقيقة القبو المظلم.

لنعيد النظر مرة أخرى، هناك صحفي سوري ومدّعي ذوق هبط قبو معرض في باريس، ووجد نفسه وحيداً في الظلام مع منحوتة مضاءة من الأعلى للبناني عليّ شري، ما الذي يمكن قوله في هذه الحالة؟

هناك مقاومة للقراءات التقليدية تختزنها العديد من أعمال شري، خصوصاً المنحوتات في علاقتها مع مكان العرض، هذه "المقاومة" تهدد عملية وضع العمل ضمن "سياق" أو "بنية" ذات قواعد قادرة على الحديث مع القطاعات الأخرى (وهذا عمل الناقد التقليدي) ، فـ"الأجزاء" التي تتكون منها المنحوتة تشي بأنها تعود إلى "كلٍّ" غائب، وتَعِد النظارة للوهلة الأولى بأنها شكلت حين اجتماعها "واحداً" لا شبيه له.

لكن لا تتطابق الأجزاء حد التماهي الكلي في بنية، بل تحافظ على "تنافرها، فهذا "الواحد المُحتشد/ المنحوتة" يُعطّل السياق، ويترك الناظر (كما في حالتي أنا)، يطرح الأسئلة على نفسه، يختبر معجون كلماته وقدرته على تشكيل السياق أو ضبط الأجزاء في "كلٍّ"، يمكن وضع "الواحد المُحتشد" ضمنه.

ناهيك أن اسم المنحوتة Grafting نفسه يكشف تقنيتها، تجميع أجزاء من أصول مختلفة، لتكوين "واحد" قادر على النمو بشكل مستقل، فالكلمة تستخدم أيضاً في وصف عملية "إلصاق" أطراف النباتات بعضها ببعض، وكأن شري يفترض وجود حياة ما في هذه الأجزاء، لكن إلى أي حد هناك تجانس بين هذه الأجزاء؟ وهل يمكن فعلاً الرهان على "تجميع" الحطام بعد الكارثة/الانفجار/ الحرب/ التكسير/ القصف من أجل الاستمرار قُدماً؟

تلك المقاومة بالذات والتوتر بين ما نراه وما نتوقعه هو ما يخلق المتعة (والرعب) حين التحديق بأعمال علي شري، تاريخ الحطام والعنف الذي تختزنه لا يعدُ بـبنية أو نظام ما، حتى بعد قراءة كتاب "أرض، نار، ماء"، والاطلاع على تاريخ شري الفني، يبقى هناك ما هو معلّق وعصي على الاكتمال والانغلاق، هناك وعود تبقى بدون تحقيق، تهدد فهمي/نا لما هو موجود، وكأن الوعد بـ"الاكتمال" هنا زائف، ولا يبشر بكل منمّق ومنظم يلي الكارثة ويجمع حطامها، نعتت هذا الوعد بالزائف، لأن لحظة الاكتمال هي ذاتها لحظة بداية النسيان والتلاشي، فما اكتمل يختفي، أما الناقص فيبقى "حياً" يدلل وحشته.

حاشية:

غادرت القبو وصالة إيمان فارس وتوجهت إلى مكتبة " Taschen" القريبة جداً من الصالة، دخلت وأعدت السكينة لنفسي وأنا أشاهد نظام "الأعمال الكاملة" الذي تحتفي به الدار وأنطولوجياتها الملونة والمصوّرة التي تغطي طيفاً واسعاً من الموجودات، يبدأ بالأحذية الرياضية ويمر بالانطباعية الفرنسية وينتهي بصور الأزباب الكبيرة.

لا داعي لطرح الأسئلة لدى Taschen، كل محتويات الكتب مرتبة وموضبة ولماعة وتشير بدقة إلى "الكلّ"، وتتفاخر بالقدرة على احتوائه بين دفتي كتاب يعرض في الشارع للمارة والفضوليين والمقتنين، وأحياناً الخائفين من النقصان، الراغبين بسد فجوة ما بكتاب يحوي "كل" منحوتات رودان أو "كل" صور الـpin up.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard