رسالة من فلسطينية في الإمارات: نحن أيضا نحب فلسطين

الجمعة 16 يوليو 202112:48 م

قبل مدة قصيرة، قرأت منشوراً على "إنستغرام" عرفت من خلاله أن عامر زهر؛ الممثل الكوميدي الفلسطيني الشهير، سيأتي إلى دبي، لتقديم أمسيتين لجمهوره الذي ينتظره منذ وقت طويل. تبسمت للفكرة: فهذه من المرات القليلة التي تتم فيها استضافة شخصية بهذا الحضور القوي على وسائل التواصل الاجتماعي في المدينة، خصوصاً وأنه يتحدث بقوة وصلابة عن فلسطين، متحدياً الآلتين الإسرائيليتين، الإعلامية والعسكرية.

لكن، لم يدم تبسمي طويلاً، إذ شعرت بغصة في قلبي بعد أن قرأت تغريدات عدة من فلسطينيين حول العالم يستنكرون فيها زيارة عامر زهر إلى دبي، ويطالبونه بالتراجع عن الزيارة، بسبب توقيع الإمارات اتفاقية تطبيع مع إسرائيل. تساءلت في نفسي: ما ذنبنا نحن الفلسطينيين في الإمارات؟ لماذا نوضع في كفة الميزان تلك؟ ولماذا نحاسَب على أمر لا ناقة لنا فيه ولا جمل؟

للأسف الشديد، يعطي بعض الأشخاص، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنفسهم الحق في إصدار أحكام جماعية قاسية قد لا يتعمقون في تبعاتها. وهذا ما جعلني أتساءل: أهناك فرق بين التزام الصمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول ما يجري في فلسطين، والتزام الصمت حول الموضوع نفسه على أرض الواقع؟ نحن الفلسطينيين في الإمارات، قرر الكثيرون منا التزام الصمت عبر الفضاء الافتراضي، لأسباب مختلفة، ولكن في الحقيقة والواقع، فلسطين دائماً في أحاديثنا، ومنازلنا، وتجمعاتنا. نعلّمها لأولادنا وبناتنا، حتى لا ينسوها أبداً.

نحن الفلسطينيين في الإمارات، قرر الكثيرون منا التزام الصمت عبر الفضاء الافتراضي، لأسباب مختلفة، ولكن في الحقيقة والواقع، فلسطين دائماً في أحاديثنا، ومنازلنا، وتجمعاتنا

مع أحداث حي الشيخ جرّاح، وغزة، والتنكيل بالفلسطينيين في أرجاء مختلفة من الأراضي المحتلة، خرج العالم بأسره نصرةً للشعب الفلسطيني؛ المظاهرات التي يشارك فيها الكبار والصغار، والأعلام الفلسطينية المرفوعة في كل مكان، والهتافات المؤيدة للشيخ جرّاح، والقدس، وغزة. هذه المظاهر كنا نشاهدها عبر شاشات التلفزيون من منازلنا، أو عبر فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي. بطبيعة الحال، لا يمكننا الخروج بمثل هذه المظاهرات والاعتصامات. ولكن، من قال إن طريقة الدعم والتأييد هي بالمظاهرات فحسب؟ هناك مئات الطرق والأساليب التي يمكنك أن تعبر من خلالها عن فلسطينيتك.

كلنا هنا نعلم أن "الحكي في السياسة"، وذم "الطرف الآخر"، مرفوضان بشكل كامل. لهذا، فكرنا في فلسطين، وما تعنيه لنا: فلسطين هي الأرض، وشجرة الزيتون، ومحمود درويش، وقصص الجدات التي لا تنتهي. فلسطين هي الأقصى، والقيامة، والمهد، والحرم الإبراهيمي، وهي بحر يافا، وصور حيفا، والناصرة، وبسمة الصيادين على شواطئ غزة. فلسطين هي طفل يقول إن القدس عاصمتها، وإن 27,027 كيلومتراً مربعاً تعني لنا كلنا شيئاً واحداً فقط؛ الوطن. هنا، نحن الفلسطينيين، "ما بنحكي سياسة"، وإنما نتحدث عن كل شيء آخر في فلسطين.

العقبات والانكسارات في بعض الأحيان لا تأتي من عدوك فحسب، وإنما قد تأتي من أهلك وشعبك أيضاً. وهذا ما يجعلني أستغرب في كثير من الأحيان، بعض الندوات والجلسات الحوارية التي كنا هنا في الإمارات نأمل أن نستضيف فيها شخصيات فلسطينية من الداخل، وكانت دائماً تفشل لأن السبب هو: "لا نفضل الحديث إليكم وأنتم تعيشون في بلد مطبع". في كل مرة، أشعر أن هذا هو الظلم بعينه، وأن الأمور إذا ما استمرت على هذا الحال، فسنصبح مهمشين، وستعيش الأجيال المقبلة هنا نكبة جديدة اسمها النسيان.

إن لم تسمعوا أصواتنا، نحن الفلسطينيين في الإمارات، مجاورة لأصواتكم عند اشتعال الأحداث، فهذا لا يعني أننا بعيدون

صديقة لي عاد ابنها من المدرسة ذات يوم، وكان يتحدث عن درس في الجغرافيا حول إسرائيل، والصهيونية التي سُميت في الكتاب بـ"الحركة التحررية"، استنجدت بي، وقالت: "ماذا أفعل؟ التعليم كله يتغير بشكل يجعل من هذه المحرمات في حياتنا، نحن الفلسطينيين، أموراً عادية". لأجل هذا، لا يجب أن ينسى الأطفال التاريخ، وعليهم أن يكونوا مسلحين بالحقائق الصحيحة، ليكونوا قادرين، ومستعدين لمواجهة أي تزوير لها. الأمر كله يبدأ من البيت والعائلة. ولأن الأجواء العامة لدينا هنا كفلسطينيين لا تسمح بالتعبير الجماعي عن فكرة فلسطين التاريخية، يبذل الآباء والأمهات جهداً إضافياً في تعليم أبنائهم هذه الحقائق. هل تتخيلون صعوبة الأمر؟

قبل مدة من الوقت، كنت أتحدث إلى أحد الأصدقاء حول تجمع ثقافي أقيم في دبي مؤخراً، تضمن الجلسات الحوارية، والمطبخ الفلسطيني، والموسيقى، والدبكات الشعبية، وغيرها، واختُتم بنشيد موطني الذي شارك فيه الحاضرون كلهم. قال لي هذا الصديق: "يجب ألا يكون طموحنا، نحن الفلسطينيين، المشاركة في هذه التجمعات، واختتامها بغناء موطني، ومن بعدها نعود إلى منازلنا بشعور المنتصرين، وكأننا حررنا وطننا". بالتأكيد، فلسطين لن تتحرر بأغنية، ولن تتحرر أيضاً من مظاهرة رُفعت فيها الأعلام، وعلت الهتافات. في نهاية المطاف، الحرية هي نتاج تراكمي لجهود جماعية تسعى نحو التحرر بطرق مختلفة. في كل واحد منا فلسطينه التي يحبها، ولكن في الوقت نفسه هناك أهمية لهذا الشعور الجماعي الذي يوحدنا في حب الوطن، ويمدنا بالقوة والطاقة للاستمرار.

نهاية الحديث: إن لم تسمعوا أصواتنا، نحن الفلسطينيين في الإمارات، مجاورة لأصواتكم عند اشتعال الأحداث، فهذا لا يعني أننا بعيدون، أو أننا نتجاهل الوطن والقضية. رجاؤنا كله هو ألا تصدروا أحكامكم القاسية علينا، واتركونا نعبّر عن فلسطينيتنا بطريقتنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard