جهاز الأمن العام في إدلب… هل نجح الجولاني في إنشاء وزارة داخليته؟

السبت 17 يوليو 202110:00 ص

لطالما سعى أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، إلى الظهور بمظهر رجل حديث في أكثر من مناسبة، كان آخرها عندما ارتدى بدلة رسمية وهذّب لحيته على الطراز الغربي في مقابلة أجراها مع الصحافي الأمريكي مارتن سميث، تعهد فيها بالسلام للغرب.

لم يقتصر ظهور الجولاني في زي الرجل الحديث ورجل الدولة على الإعلام فحسب، بل شرع عام 2020 في إنشاء جهاز أمني شعاره "نحو مجتمع آمن"، يدّعي أنه نجح نسبياً في مكافحة الجريمة، وحفظ الأمن والاستقرار في إدلب التي يبلغ عدد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.

يعتبر حقوقيون أن الجهاز الأمني الجديد، المعروف باسم "جهاز الأمن العام"، ومعظم قياداته من هيئة تحرير الشام، وهو جسم تأسس عام 2017 ويجمع جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) وتنظيمات أخرى، هو أداة الجولاني لملاحقة خصومه على غرار قوات الأمن التابعة للنظام السوري.

جهاز الأمن العام

في حزيران/ يونيو 2020، أُعلن عبر صفحة على فيسبوك عن إنشاء "جهاز الأمن العام" في إدلب، وذلك من خلال فيديو دعائي مطول لا يظهر فيه إلا أشخاص ملثمون يتحدثون بلغة عربية يغلب عليها الطابع الإسلامي.

في الفيديو، قال المعلق إن الجهاز "مؤسسة أمنية منظمة تعمل على ملاحقة العملاء والمجرمين وتتركز مهامها في حفظ أمن الفرد والمجتمع بمؤسساته وفصائله ودورة حياته اليومية، يخضع لرقابة شرعية تضبط سير الأحكام القضائية وفق آلية محددة".

وظهر لأول مرة في الفيديو المتحدث باسم الجهاز، ضياء العمر، ملثماً وأعلن مهام الجهاز الجديد: "نحن نخوض حرباً ضد عدو زئبقي، كعملاء الأسد وخلايا الـPKK (أي حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، ويقصد بهم وحدات حماية الشعب السورية الكردية) والخوارج (داعش) وعصابات الجريمة المنظمة".

وفي الفيديو أيضاً معلومات عن أقسام الجهاز، وهي "قسم الأمن الداخلي"، "مكتب معلومات المنطقة"، "مراكز المراقبة ومتابعة الحركة اليومية"، "شعبة جمع المعلومات والاتصالات"، "مكتب الادعاء"، ووحدات خاصة لمتابعة "ملف النظام"، "ملف الخوارج" و"ملف الجريمة المنظمة".

يتحدث المتحدث عن المؤسساتية في العمل واحترام القانون الشرعي (صفة للشريعة الإسلامية) ويدّعي أنه بعد التحقيق في الشكوى من القسم المختص، يُطلب "إذن شرعي" من الادعاء العام الذي يتحقق من أسباب الاعتقال شرعياً ويحدد طرق الاعتقال والإذن بتفتيش المنازل بحال الضرورة.

كما زعم العمر أن الجهاز لا يتبع لأي فصيل عسكري ويتعاون مع جميع المؤسسات والشرائح في المجتمع.

وكان من اللافت أنه ركّز في الفيديو على أن القسم المختص بعد أن يجري تحقيقات مع المتهم، يحوّلهم على الادّعاء للنظر في نتائج التحقيقات، والأخير يقرر إطلاق سراحه لعدم ضلوعه في الجرم، أو عدم كفاية الأدلة ويطلق سراحه مع عدم غلق قضيته، أو تحويل القضية والمتهم للمحاكمة.

وأشار إلى أن الأحكام التي تصل إلى القتل تحوَّل إلى لجنة قضائية عليا تسمى لجنة التصديق، وذلك للمصادقة على الحكم، وبعدها يصبح نافذاً، وإلا فإن القضية تُعاد للتوسع والدراسة.

"جهاز الأمن العام في إدلب أنشأته هيئة تحرير الشام لملاحقة خصومها، ومهمته مكافحة المناوئين لها على غرار القوات الأمنية التابعة للنظام السوري، وعدّ أنفاس الناس وقمع المعارضين"

ولكن في الواقع، يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فاضل عبد الغني لرصيف22 إن المحاكم تابعة لهيئة تحرير الشام، وتحكم بقوانين وضعتها هذه الهيئة.

ويضيف أن هذه القوانين موضوعة حسب تفسير أيديولوجي من وجهة نظر الهيئة ولا يتم الحكم بنصوص قانونية حضارية عصرية، وفي نهاية الأمر هي مثل محاكم النظام ليست مستقلة وتُؤمر من السلطة التابعة لها.

نشر الجهاز مرات عدّة إعلانات للالتحاق به، إذ أعلن عن فتح باب الانتساب إلى القوة المركزية في صفوفه والتي يظهر أنها تخلو من الشرط الأساسي المعمول به في كافة الأجهزة الأمنية حول العالم وهو الجنسية السورية.

ووضع الجهاز الشروط التالية للالتحاق به: ألا يقل سن المنتسب عن 18 عاماً؛ ألا يزيد عن 28 عاماً؛ اجتياز المعسكرات والدورات المقررة؛ ألا يكون محكوماً بجناية أو جرم شائن؛ أن يتمتع باللياقة البدنية؛ وألا تكون لديه إعاقة.

وخلت بيانات الانتساب له، والتي تثير مخاوف من كونها باباً خلفياً لضم مقاتلين جدد للجولاني، بطبيعة الحال، من الدعوة إلى انضمام النساء.

يظهر من خلال تصفح الحساب الخاص للجهاز على فيسبوك أنه لا توجد رتب أمنية كما هو معهود به في المؤسسات الأمنية، ويستخدمون مصطلحات كـ "القيادي فلان". ويسيطر الطابع الإسلامي على الجهاز، وهو ما يتضح في الشعار الذي يحمل سيفين والأناشيد الخلفية في مقاطع الفيديو المنشورة.

وأعلن الجهاز عن وجود مكتب استعلامات له وآخر للشكاوى، وخصص أرقاماً وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للاتصال به من أجل الاستفسارات عن الموقوفين لديه.

ويظهر أن الجهاز أنشأ حديثاً قسم الدراسات وهو المسؤول عن إجراء التحريات ورصد "أوكار المجرمين" على حد وصفه.

هل نجح في حفظ الأمن؟

يشير عبد الغني إلى أن المناطق التي تخضع للجهاز الأمني أو لهيئة تحرير الشام فيها استقرار أمني نسبياً، وهي أفضل في الاستقرار الأمني من المناطق التي تخضع لفصائل مسلحة أخرى، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تفجير السيارات المفخخة، والذي يظهر أنه أقل.

وبرأي الباحث السياسي السوري مالك الحافظ، فإن الجهاز هو جهاز أمني رديف لهيئة تحرير الشام ولا يمكن تقييم نجاحه في منطقة محكومة عسكرياً، ومداره عبر تفاهمات روسية تركية.

المحاكم التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب تحكم بقوانين موضوعة حسب تفسير أيديولوجي من وجهة نظر الهيئة وليس بنصوص قانونية حضارية عصرية، وفي نهاية الأمر هي مثل محاكم النظام السوري ليست مستقلة وتُؤمر من السلطة التابعة لها

ويضيف الحافظ لرصيف22 أنه يجب الإشارة إلى أن تاريخ تأسيسه لم يتجاوز أكثر من عام، ما يعني أن تشكيله جاء بعدما انتهت ذروة العمليات العسكرية وحتى بعد أن تمت تصفية جذور تنظيم داعش، لذا فإن حصيلة عملياته المعلنة لا تتجاوز عمليات إعادة مسروقات أو الادّعاء بكشف خلايا تتبع لمناوئي هيئة تحرير الشام، ولا يمكن الحكم على حقيقة هذه الادعاءات.

في نيسان/ أبريل الماضي، اختُطف وزير في حكومة الإنقاذ في إدلب، وهي حكومة تتبع لهيئة تحرير الشام، وتمت تصفيته بعدما فشلوا في تحريره، وهو ما كان اختباراً قوياً للجهاز الوليد.

من جانبه، قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لرصيف22 إن هذا الجهاز لم يحقق تقدماً في حفظ الأمن والاستقرار في منطقة تحكمها فصائل إسلامية متنوعة ومسلحة، وعملياته تتم عن طريق بلاغات كيدية.

ما الهدف من إنشائه؟

يقول عبد الغني إن الجهاز الأمني أنشأته هيئة تحرير الشام، لملاحقة خصومها، ومهمته مكافحة المناوئين لها على غرار القوات الأمنية التابعة للنظام، وعد أنفاس الناس وقمع المعارضين.

وبرأي الحافظ ، "الأهداف الحقيقية للجهاز تنطلق من رغبة تحرير الشام في إظهار نفسها كقوة غير جهادية يمكن لها حكم المنطقة وضبطها والسيطرة عليها، لذا تسعى لإعادة هيكلة النفوذ في المنطقة وإبعاد نفسها عن تصنيف القوى الإرهابية في المنطقة".

ويشكك الحافظ في مدى أهمية هذا الجهاز لتركيا، لأن خصوم أنقرة غير متواجدين في تلك المنطقة، فهم خارجها وهناك فصائل أخرى تقوم بهذا الدور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard