"الدولة تموّل خصومها"... قصة الإعلام الولائي في العراق

الاثنين 26 يوليو 202109:55 ص

وفّرت سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق، عام 2014، لكثير من القوى التقليدية التي تهيمن على السلطة فرصة لإعادة إنتاج نفسها، بعد أن تقلّص جمهورها، بسبب فشلها خلال 11 عاماً في توفير الخدمات وترسيخ دولة المؤسسات.

أعادت هذه القوى إنتاج نفسها عبر دعمها أو تأسيسها لجماعات مسلحة، بعد انهيار المنظومة الأمنية الرسمية أمام التنظيم، فيما انتقلت الفصائل المسلحة "المقرّبة من إيران"، من الظل إلى دائرة الضوء، ودخلت ميدان المعركة، بوصفها المنقذة، ما أنتج مصطلح "حماة العرض" الذي استخدمته الجماعات المسلحة في تسويق "انتصاراتها"، واستخدمته ولا تزال كأداة للتنكيل بكل مَن ينتقدها.

راحت الفصائل تمارس أعمالها عبر تفاهمات محدودة مع القوى التقليدية في السلطة، لكن مواجهتها لداعش أدت إلى إمساكها بمفاصل مهمّة استثمرتها في تمتين تمثيلها السياسي في البرلمان.

كانت "عصائب أهل الحق" تملك نائباً واحداً قبل دخول داعش، لكنها في انتخابات 2018 البرلمانية حصلت على 16 مقعداً، عبر جناحها السياسي "كتلة صادقون"، ما جعلها تحصل على وزارة الثقافة والعمل والشؤون الاجتماعية في حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، فضلاً عن مجموعة مناصب من درجة "مدير عام" وما يوازيها.

الحاجة إلى إعلام خاص

بداية شرعنة دخول الفصائل المسلحة إلى الميدان السياسي بشكل علني كانت من فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الديني علي السيستاني عام 2014 بعد احتلال داعش لمدينة الموصل.

وأهمية الفتوى أنها منحت هذه الفصائل الغطاء الشرعي، وغذّتها بالمقاتلين من شباب مناطق الوسط والجنوب، بعدما كانت تبذل أموالاً طائلة وتجد صعوبة في تجنيد الشباب للقتال في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد.

وبعد تأسيس هيئة الحشد الشعبي واكتسابها الصفة القانونية في الدولة، دخل جزء من تلك الفصائل في الهيئة، وفي محاولة لضبط الإيقاع منع رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي تسمية الفصائل بأسمائها، وتوزّعت على شكل ألوية مرقّمة، لكن بقي كل لواء معروف أي فصيل يمثّل.

سيطرت الفصائل على موارد مالية ضخمة، مثل حقول نفط، وأرصفة في الموانئ، ومنافذ حدودية في الوسط والجنوب، فضلاً عن مشاريع داخلية في المحافظات، واستثمارات، وفرضت أتاوات على النوادي والمطاعم الليلية وعلى بيع المشروبات الروحية في بغداد، فيما تُتّهم بأن لها دور كبير في تهريب المخدرات.

وبالرغم وجود ماكينات إعلامية للفصائل المسلحة خلال مواجهتها تنظيم داعش، إلا أنها كانت ضمن ما يمكن وصفه بالسياقات "الطبيعية" أو "المعقولة". لم تكن بحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات متطورة في صناعة المحتوى، ومهاجمة الخصوم، فقد كان كل ما تنشره يحقق النجاح لأن الجميع ينظر إليها كقوة عقائدية وطنية، تقاتل دفاعاً عن البلاد، في وقت كان التعاطف الشعبي معها في ذروته.

بدأ التحوّل بعد نهاية معارك التحرير وبدء الحديث عن آلية لدمج الحشد الشعبي في المنظومة الأمنية، خاصة بعد تعاظم انتهاكات فصائله وبروزها كقوة منفصلة عن الدولة.

ويعتقد مختصون أن هنالك ضرورة لـ"تذويب" هذه الفصائل داخل المؤسسات الأمنية كأفراد، ووفقاً للقوانين، فيما يمنح كبار السن من مقاتليها وغير المؤهلين راتباً تقاعدياً. لكن هذا لم يحدث بسبب الضغط السياسي وتوغل قيادات الفصائل في الأروقة السياسية.

هكذا، بدأ ينتشر الحديث عن المخاوف من توسع هذه الفصائل وسيطرتها على البلاد، ما استدعاها إلى تطوير منظوماتها الإعلامية، لتتولى مهمة الدفاع عنها، ومهاجمة خصومها.

وبدأت نقطة انطلاق المنظومة الإعلامية للمحور الولائي (نسبة إلى الولي الفقيه في إيران) من اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، والذي تموله طهران، ويرأسه حميد الحسيني، ويرتبط بمدير الاتحاد الإسلامي العام كريم ياني الإيراني.

ويضم الاتحاد نحو مئة مؤسسة إعلامية، تتوزع على إذاعات وقنوات تلفزيونية، ومواقع إخبارية، ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعية.

القنوات التلفزيونية

تعمل القنوات التلفزيونية التي تُصنَّف ضمن المحور الولائي، وهي نحو 12 قناة، على تسويق الخطاب الإيراني، ومهاجمة خصومه، وهي معروفة للعراقيين، منها قناة "الاتجاه" التابعة لكتائب حزب الله، الفصيل الذي يقاتل في العراق وسوريا، والمتهم بعمليات الاغتيال التي طالت ناشطين، ولا يمتلك تمثيلاً سياسياً، ما يمنحه مساحة حرية في العمل والخروج عن قواعد الاشتباك المعروفة.

كذلك يمتلك الفصيل قناتي "الإشراق" و"الإباء"، فيما يمتلك فصيل النجباء، وهو الآخر لا يمتلك تمثيلاً سياسياً، قناة "النجباء".

وتتبع قناة "الغدير" لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري، رئيس تحالف الفتح في البرلمان، وتتبع قناتا "العهد" و"العهد 2" لفصيل عصائب أهل الحق الذي قاتل في سوريا. ولكل قناة وكالة أنباء إخبارية، بالإضافة إلى إذاعة.

تستضيف هذه القنوات في برامجها السياسية مجموعة أشخاص تغدق عليهم لقب محللين سياسيين، لكنهم عملياً متحدثون باسم المحور الولائي.

"يسوّق المدافعون عن الفصائل الولائية في العراق شائعات تستهدف الخصوم، ويصل بعضها إلى أن يكون مسوغاً للقتل، مثل تُهم العمالة لأمريكا ودول الخليج، وحجر الزاوية في هذه الاتهامات دائماً هو تحريك المشاعر الطائفية"

يقول صحافي يعمل خارج الإعلام الولائي لرصيف22: "عندما نكون بحاجة إلى رأي بملف معيّن له علاقة بالفصائل الولائية، يكون من الصعب الحصول على متحدث يمتلك صفة رسمية داخلها، فضلاً عن خوف بعض الصحافيين غير المحسوبين على المحور من التواصل مع قياداتها، فيكون الخيار الأجدى التواصل مع هؤلاء المحللين، وفي الحقيقة هم لا يقدّمون تحليلات، بقدر ما ينقلون وجهة النظر الولائية، ويهاجمون خصومها".

ويضيف الصحافي الذي طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية أن "هؤلاء المحليين كثيراً ما يطلبون الظهور باسم مدير المركز الفلاني للأبحاث والدراسات، لكن الحقيقة أن هذا المركز يكون مجرد مكتب في بناية في منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد يعود لأحد الفصائل، وليس فيه أي أعضاء، غير هذا المدير"، لافتاً إلى أنهم "يستثقلون التعامل مع أي صحافي من خارج منظومتهم، وكثيراً ما يرفضون ذلك، إلا في الحالات الضرورية، فيما يكونون دائمي الظهور في مؤسسات الاتحاد".

انشطار أفقي

انتقال السخط على الفصائل من النخبة إلى الشارع، وتعاظم الانتقاد لها، خاصة بعد الترف الذي بدا واضحاً على قادتها وتشكيلهم لاقتصادات موازية، ومكاتب تتولى إدارة استثمارات والحصول على عقود في الوزارات، بالتهديد والضغط، استدعى الحاجة إلى انشطار أفقي لمنظومة الإعلام الولائي، من خلال الانتقال إلى السوشال ميديا على شكل منصات على تطبيق تلغرام مثل صابرين نيوز، والتي يشي محتواها بأنها تابعة لكتائب حزب الله، والمستشار، وقاضي المخابرات، فضلاً عن مدونين بأسماء مستعارة على تويتر مثل أبو مزيعل ومدون الجنوب وآخرين.

ويقول مصدر مطّلع لرصيف22 إن "المنصات الإلكترونية يشرف عليها صحافيون معظمهم لا ينتمون عقائدياً إلى مشروع ولاية الفقيه، بل بعضهم لا يؤمن بوجود الله، وآخرون غير ملتزمين دينياً، لكن عدم وجود كوادر متخصصة عند الفصائل أجبرها على التعامل مع هؤلاء"، لافتاً إلى أن هؤلاء الموظفين يبقون "تحت أعين ورقابة مسؤولين منتمين إلى الفصائل، وهم ما يطلق عليهم تسمية ‘الجسم’".

ويضيف المصدر أن "الكوادر الوسطى في إدارة المنصات هم ضمن هيكيلة هيئة الحشد الشعبي، ويتقاضون رواتبهم من الدولة، إلا أنهم إدارياً لا يلتزمون بخطابها الإعلامي المؤسساتي، خاصة بعد تعاظم الخلافات بين قادة الفصائل والهيئة الرسمية".

تحريض وتبرير للقتل

وسام كريم (اسم مستعار)، عمل لفترة ضمن الإعلام الولائي، إلا أنه انسحب تدريجياً لشعوره بخطورة الأمر وتعارضه مع ما يؤمن به، على حد تعبيره.

يقول كريم لرصيف22 إن "حملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي تتم بواسطة شبكات كبيرة من الحسابات المزيفة التي تتفاعل ضمن وسوم محددة، يتم الترتيب لها مسبقاً في مجاميع خاصة على تطبيق تلغرام".

ويضيف: "تتولى هذه المجاميع الدفاع عن الفصائل الولائية، وتسويق الشائعات التي تستهدف الخصوم، من خلال التسقيط ورميهم بتهم يصل بعضها إلى أن يكون مسوغاً للقتل مثل العمالة لأمريكا ودول الخليج، وحجر الزاوية في هذه الاتهامات دائماً هو تحريك المشاعر الطائفية".

"معظم عناصر الجيش الإعلامي للولائيين يتقاضى رواتبه من الدولة العراقية، إذا قام كل فصيل بتسجيل إعلامييه على مَلاك هيئة الحشد الشعبي، ويفرغهم للعمل في المؤسسات التابعة له في العاصمة بغداد"

ويستشهد المصدر بما حدث مع الخبير الاستراتيجي هشام الهاشمي، إذ اغتيل في السادس من تموز/ يوليو 2020، وسرعان ما أعاد آلاف العراقيين نشر تغريدات وتدوينات لمنصات ولائية كانت تتهمه بالعمالة للخارج.

وتكرر الأمر ذاته مع الناشطة ريهام يعقوب في البصرة، إذ شنت منصات ولائية حملات تحريض ضدها قبل اغتيالها في 20 آب/ أغسطس 2020، باستخدام صورة لها مع القنصل الأمريكي في المحافظة خلال احتفالية قبل سنوات.

"الدولة تموّل خصومها"

حول الدعم المالي، يقول كريم إن "معظم عناصر الجيش الإعلامي للولائيين يتقاضى رواتبه من الدولة العراقية، إذا قام كل فصيل بتسجيل إعلامييه على مَلاك هيئة الحشد الشعبي، ويفرغهم للعمل في المؤسسات التابعة له في العاصمة بغداد، برغم من أن القطعات المفروزين عليها قد تكون في محافظات بعيدة"، لافتاً إلى أن "الأمر لا يقتصر على تمويل هذه الجيوش من المال العام، وإنما يقوم قادة الفصائل باستلام رواتب الإعلاميين بوصفهم منتسبين في هيئة الحشد الشعبي، فيما يمنحونهم أنصافها تقريباً".

ويروي كريم واقعة لها صلة بمحاولة رئيس الوزراء الأسبق الحد من ظاهرة "العناصر الفضائية" في الحشد الشعبي، و"الفضائي" هو وصف دارج بين الأجهزة الأمنية للجندي الذي يدفع جزءاً من راتبه لمسؤوله مقابل عدم التحاقه بالدوام، وجزء كبير من الفضائيين في الحشد الشعبي أسماء وهمية، أي يتقاضى القادة كامل رواتبهم، ويقول: "عمل العبادي على توطين الرواتب في المصارف، ليُمنح كل مقاتل بطاقة مصرفية يستلم من خلالها راتبه، وأثناء سعي العبادي لتطبيق ذلك اغتيل مدير الدائرة المالية في الحشد الشعبي قاسم ضعيف في 3 أيار/ مايو 2018، لأنه كان مع العبادي في معاجلة الملف، ورفض إنجاز إجراءات التوطين بدون حضور المنتسب".

وقال العبادي وقتها إن ضعيف وآخرون أخبروه بوجود مقاتلين وهميين وأخبروه بوجود فساد في توزيع الأموال واستيلاء بعض القيادات عليها، وأن هذا الملف بحاجة إلى تدقيق قبل أن يطلق أي زيادة في الرواتب.

التفاف على القانون

ويتابع كريم: "بعد أن أجبرت الفصائل على تفعيل البطاقة المصرفية، طلب كل فصيل من كوادره الإعلامية إكمال الإجراءات الإدارية وتسليم البطاقة لهم، على أن يستلم منهم راتبه يدوياً، وهو الراتب المتفق عليه مع الفصيل، وليس المرصود من قبل الدولة، وهنا حاول أحد العاملين في إعلام إحدى الفصائل التهرّب من هذا الإجراء، إذ لم يحضر يوم التوقيع، وذهب بمفرده إلى المكان الرئيسي المحدد لاستلام البطاقة، لكنهم تجاهلوه واتصلوا بالفصيل الذي يتبعه، وسرعان ما فُصل".

ويبلغ راتب الصحافي حصب سلم رواتب هيئة الحشد الشعبي نحو 800 دولار، بينما يمنح الفرد من الفصيل بين 300 و500 دولار بحسب وظيفته، بحسب كريم.

ويشير كريم إلى أن المنصات الولائية كثيراً ما تستثمر فترة مقاتلتها لداعش عبر بث محتوى من أرشيف مواجهات الفصائل للتنظيم، دون الإشارة إلى دور بقية تشكيلات القوات الأمنية، مثل جهاز مكافحة الإرهاب وتشكيلات وزارة الداخلية، والجيش العراقي، و"الأخير هو مادة دائمة الحضور في سياق التنكيل بانكساره عند احتلال داعش للموصل".

صحافيون عقائديون

وحول الأسباب التي تدفع بعض الصحافيين للعمل في هذه الماكينات الإعلامية، يقول الصحافي م. ك. إن "السبب الرئيسي هو الحاجة إلى عمل مستمر يساعد الصحافي على الاستقرار المادي"، ويضيف: "إذا لم نعمل نحن سيأتي غيرنا للعمل، خاصة وأن معظمهم يمكن أن تصنيفهم كأنصاف صحافيين".

ويشير الصحافي الذي تلقى عروض عمل في هذه الماكينات لأكثر من مرة ورفض إلى "وجود شريحة الكبيرة، وهم الصحافيين الذين يؤمنون عقائدياً بالخط الولائي، ويعتقدون بحرمة العمل خارج هذه المنظومة، ويعتقدون أن وجودهم فيها قربة إلى الله، إضافة إلى المستحقات المادية"، لافتاً إلى أن هنالك "نوعاً آخر وهم الباحثون عن الأمان، إذ يتنعمون بظل الفصائل وما توفّره من سطوة ونفوذ، فلا توقفهم السيطرات الأمنية، ويحصلون على تسهيلات كبيرة في جميع دوائر الدولة".

يصف م. ك. الصحافيين العاملين في الإعلام الولائي بـ"المبلغين"، ويعتقد بوجود فائض في أعدادهم منذ تعاظم دور نشاط الاتحاد بعد إعلان النصر على تنظيم داعش عام 2017، مبيناً أنهم "يعملون على توجيه الرأي العام نحو المحور الولائي، عبر التذكير بدوره في عمليات التحرير، وفي الحقيقة هم يصنعون بروباغندا لهذا الدور، ويحاولون اختصاره على المجاميع المسلحة، مع إشارة إلى انكسار الجيش والشرطة، وعدم قدرتهما على القتال والسيطرة على الأرض".

يعتقد الصحافي بوجود مغالطة منطقية في خطاب الإعلام الولائي، إذ كثيراً ما يتحدث عن فساد بعض القيادات الأمنية ويحملها مسؤولية فشل القوات الأمنية، لكنه يتجاهل أن تلك القيادة تتولى المناصب وفق نظام المحاصصة، الذي شرعنته القوى السياسية الداعمة لها، وأن الانكسار حدث في زمن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي "الذي أنشأ ودعم معظم الفصائل ومكّنها من التوغل في جسد الدولة، ويُعتبر الشخصية السياسية الأكثر نفوذاً في الدولة العميقة".

سنوياً، تُخصص مليارات من ميزانية الدولة لهيئة الحشد الشعبي، وجزء منها يذهب إلى مديرية الإعلام، وتُصرَف هذه الأموال على الماكينة الإعلامية التي تهاجم الدولة، وكل ما يتعارض مع منظومتها الخاصة، وفي أكثر من مرة حُشدت لمهاجمة القضاء ووزارة المالية.

منطقة رمادية

منذ بدء نشاط الإعلام الولائي، شهد الوسط الصحافي في العراق فرزاً واضحاً بين العاملين مع المنظومة الإعلامية الولائية وبين الرافضين للعمل معها.

بين الفئتين ثمة منطقة رمادية، يمكننا أن نسمي أصحابها بـ"عيون الولائيين". ويقول مصدر صحافي لرصيف22 إن "هؤلاء يجالسوننا في المقاهي ويدعوننا إلى جلسات السمر، وينتقدون الولي الفقيه في مجالسهم الخاصة، ويساعدوننا بنزرٍ قليل من المعلومات، إلا أن علاقتهم ممتازة مع الولائيين، وتواصلهم دائم معهم وبعضهم يعمل بالسر في مؤسساتهم".

ويتهم الصحافي بعض الواقفين في المنطقة الرمادية، بأنهم مصدر حيوي للأمن الوقائي للفصائل المسلحة، خاصة في ما يتعلق بالمواد الصحافية التي تُنشر في مؤسسات عالمية وعربية بأسماء مستعارة، بالإضافة إلى مساندتهم الضمنية لتلك الفصائل من خلال منصاتهم الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي.

الحرب على تشرين

أخذت المواجهة الإعلامية شكلاً مختلفاً بعد احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019، إذ تولّت هذه المجاميع نشر المعلومات المضللة، والقيام بحملات تشهير تسبق عمليات الاغتيال، وتوظفيها في سياق تبرير الاغتيالات

دشّنت الماكينة الإعلامية الولائية حملاتها بوصف المتظاهرين بـ"الجوكرية"، ويعود جذر هذ التسمية إلى تغيير مجموعة من المعارضين صورهم الشخصية على حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي ووضع صورة بوستر فيلم "جوكر"Joker  الذي كان يُعرض في دور السينما العراقية بالتزامن مع انطلاق الجولة الثانية من الاحتجاجات في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

بعدها، طوّر الإعلام الولائي التسمية لتصير "عملاء الجوكر" في إشارة إلى عمالة الناشطين للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا تبنّاه قادة في الفصائل ومجموعة من المحللين السياسيين الولائيين.

واستثمر الإعلام الولائي في الاتهام الأشهر في حقبة ما بعد 2003، وهو الانتماء إلى حزب البعث، وتكمن قيمة هذا الاتهام في قدرته على إثارة عواطف الشارع العراقي، خاصة الذين عايشوا القمع والاستبداد خلال نظام صدام حسين.

وروّج الإعلام الولائي لتهمة "البعثنة" عبر عشرات التقارير واللقاءات والتصريحات لسياسيين يتحدثون عن سيطرة القيادات البعثية على الاحتجاجات.

ولم يقتصر عمل منصات الإعلام الولائي على تشويه الاحتجاجات عبر اتهامات عامة، بل أطلقت اتهامات خاصة طالت ناشطين محددين فاعلين في الساحات وُجّهت لهم تهم تلقي الدعم من السفارات الأجنبية مقابل تنفيذهم مخططاتها.

وفي سياق هذه التهم الشعبوية، حاول الإعلام الولائي تسليط الضوء على الخروقات الأمنية في المناطق الساخنة، وتسويق أن تنظيم داعش يستغل الاحتجاجات، فركزت تغطيات قنواته التلفزيونية على الجانب الأمني، حتى أن بعضها خصص ساعات للملف الأمني تحدث فيها قادة أمنيون ومحللون من "محور الممانعة"، وهو أمر غير معتاد.

واللافت أنه كلما تبددت إحدى التهم أعلاه، يسارع الإعلام الولائي إلى إنتاج تهمة جديدة. فبعد تعاظم الدعم الشعبي للمتظاهرين وتقديم الخدمات اللوجستية لهم من قبل أصحاب المواكب الحسينية، وإرسال العتبات الدينية قوافل مساعدات للمعتصمين، فقدت تهمة "الجوكر" قيمتها، وفقدت تهمة الدعم الخارجي قيمتها، لحظتها ابتدعوا تسمية "المندسين"، في إشارة إلى وجود مجاميع منظمة تتعمد ممارسة العنف خارج الأطر القانونية للتظاهرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard